
### الجزء الثاني: اللحظة اللي اتقلبت فيها الموازين!
كريم فضل واقف قدام ورشة أبويا، بيبص للشيف ياسين المنشاوي وكأنه مش قادر يستوعب اللي سمعه.
أما طنط نادية، فحاولت تستعيد ثقتها بنفسها، وعدّلت طرحتها وقالت بابتسامة مصطنعة:
— حضرتك أكيد فاهم الموضوع غلط. داليا مرات ابني، وإحنا جايين نحل مشكلة عائلية، مش أكتر. البنت دي من يوم ما اتجوزت ابني وإحنا اللي شايلينها، ودلوقتي بعد ما سابت البيت، بقت تتعامل معانا وكأنها ما تعرفناش!
الشيف ياسين بص لها بهدوء، وبعدها وجّه كلامه لكريم:
— على حد علمي، داليا مطلقة من خمس أسابيع. يعني هي مش ملزمة تروح بيتكم تطبخ للضيوف، ولا ملزمة تبرر لكم قراراتها الشخصية. أنا مش فاهم إنتوا جايين لأهلها ليه؟
كريم حاول يضحك، وقال بنبرة استهزاء:
— حضرتك ما تعرفش داليا كويس. دي واحدة عايشة في أوهام إنها تقدر تنجح لوحدها. إحنا بس بنحاول نرجعها لعقلها، لأنها واضح إنها نسيت نفسها.
في اللحظة دي، أبويا خرج من الورشة، ومسح إيده في فوطة كانت على كتفه.
وقف قدام كريم وقال:
— بنتي مش محتاجة حد يرجّعها لعقلها. بنتي عارفة هي بتعمل إيه، وإنت لو عندك كلام معاها، تتكلم معاها باحترام. إنما تيجي لحد بيته وتزعق، فده مش هسمح بيه.
كريم احمرّ وشه، وبدأ يرفع صوته:
— حضرتك ما تعرفش اللي حصل بيني وبين بنتك!
أبويا رد من غير ما يرفع صوته:
— فعلًا، أنا ما كنتش عايش معاكم جوه البيت. بس أنا عارف حاجة واحدة: بنتي عمرها ما كانت بتشتكي من قلة الفلوس، كانت بتشتكي من قلة التقدير. والفرق بين الاتنين كبير أوي.
الكلمات نزلت على كريم كأنها صفعة.
أما طنط نادية، فبصت لأبويا بغضب وقالت:
— إحنا مش جايين نسمع محاضرات! إحنا جايين نقول إن داليا لازم ترجع تعمل واجبها تجاه العيلة اللي عاشت فيها تسع سنين!
الشيف ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن عينيه ما كانش فيها أي مجاملة.
— واجبها تجاه العيلة؟ ولا واجبها تجاه ابن حضرتك إنه يفضل مستفيد من شغلها حتى بعد الطلاق؟
سكتت طنط نادية فجأة.
كريم بص للشيف ياسين وقال بعصبية:
— حضرتك تقصد إيه بالكلام ده؟
ياسين فتح الملف اللي كان في إيده، وطلع منه ورقة.
— أقصد إننا من حوالي شهرين كنا بندرس التعاون مع مطعمكم، قبل ما نقرر نتراجع عن المشروع. وقتها طلبنا معلومات عن الإدارة والتشغيل، ووصلتنا مستندات بتوضح إن داليا كان ليها دور أساسي في تأسيس المنظومة الغذائية للمطعم، وإن عندها شركة استشارات مستقلة بتتعامل مع مؤسسات كبيرة.
وبعدين بص لكريم مباشرة وأضاف:
— والغريب إن اسمها اختفى من كل العروض التعريفية اللي اتبعتت لنا، وكأنها ما عملتش أي حاجة.
كريم حاول يتكلم، لكن ياسين رفع إيده بهدوء.
— أنا مش جاي أحاكم حد، ولا هحكم على خلاف عائلي من طرف واحد. لكن لما لقيت اسم داليا مرتبط بالمشروع الجديد، طلبت أقابلها بنفسي. ولما عرفت إن والدها هو اللي بيجهز لنا الأطباق، قررت أعدّي على الورشة قبل الاجتماع.
طنط نادية بدأت تتوتر، وقالت بسرعة:
— يا أستاذ ياسين، مهما كان، داليا في الآخر ست كانت عايشة في بيت ابني، وكل اللي عملته كان بمساعدته!
ياسين رد عليها:
— وده بالضبط اللي هنتأكد منه من خلال العقود والمستندات، مش من خلال الكلام.
كنت لسه على مكالمة الفيديو مع أمي، وبشوف كل حاجة بتحصل قدامي.
إيدي كانت بتترعش، مش خوفًا من كريم، لكن لأن جزءًا مني كان لسه بيحاول يستوعب إن الناس اللي قضيت تسع سنين بحاول أرضيهم، وصلوا لمرحلة إنهم يروحوا لأهلي ويحرجوهم لمجرد إني رفضت أطبخ لهم.
اتصلت بأبويا على رقمه الخاص.
رد عليا فورًا.
— أنا شايفاهم يا بابا. إنت كويس؟
— أنا بخير يا حبيبتي. إنتِ ركزي في شغلك، وسيبي الباقي عليا.
— مش هينفع أسيبك لوحدك في الموقف ده.
— إنتِ مش سايباني. إنتِ واقفة على رجلك، وده كفاية عندي.
وبعدين قال جملة عمرها ما هتخرج من ذاكرتي:
— يا داليا، أنا مش عايزك تضيعي يوم من عمرك عشان تثبتي لحد إنك تستاهلي الاحترام. اللي مش شايف قيمتك، مش هتقدري تجبريه يشوفها مهما عملتي.
قفلت المكالمة وأنا بحاول أمنع دموعي.
بعد لحظات، وصلتني رسالة من الشيف ياسين:
«إحنا في انتظارك في الفندق. خدي وقتك، ولو حابة نأجل الاجتماع شوية مفيش مشكلة».
بصيت للساعة.
كانت سبعة إلا عشر دقايق، والاجتماع بعد ساعتين.
قررت إني مش هسمح لكريم إنه يسرق مني اليوم ده، زي ما سرق مني حاجات كتير قبل كده.
لبست جاكيتي، وطلبت من السائق يتجه للفندق.
لكن قبل ما العربية تتحرك، جالي اتصال من رقم غير مسجل.
رديت بحذر.
— ألو؟
جالي صوت راجل بيقول:
— أستاذة داليا؟ أنا المحاسب السابق لمطعم لقمة وهنا. محتاج أقابلك في موضوع مهم جدًا يخص فترة إدارتك للمطعم، وفيه مستندات لازم تشوفيها بنفسك.
حسيت بقلبي بيدق أسرع.
— موضوع إيه؟
سكت لحظات، وبعدها قال:
— مش مناسب أتكلم في التليفون. لكن في تحويلات مالية اتسجلت باسم شركتك القديمة، مع إنك بتقولي إنك انسحبتي من الإدارة. ولو المستندات دي صحيحة، فالموضوع ممكن يكون أكبر من مجرد خلاف بينك وبين طليقك.
حسيت إن الطريق اللي كنت ماشية فيه بدأ ياخد اتجاهًا مختلفًا تمامًا.
— حضرتك اسمك إيه؟
— اسمي حسام. وأنا مستعد أوريكي كل حاجة، بشرط إن المقابلة تكون في مكان رسمي، وبوجود محاميك لو حبيتي.
وافقت أقابله بعد الاجتماع، وطلبت منه ما يبعتليش أي بيانات مالية سرية على الموبايل، وإن كل شيء يتم بطريقة قانونية وواضحة.
قفلت المكالمة، وبصيت من الشباك.
لأول مرة من أسابيع، ما كنتش بفكر في كريم باعتباره جوزي السابق، ولا في طنط نادية باعتبارها حماتي اللي لازم أرضيها.
كنت بفكر في اسمي، وشغلي، ومستقبلي.
وفي سؤال واحد بدأ يكبر جوايا:
هل كريم كان بيحاول يقلل مني طول السنين اللي فاتت عشان يضمن إني أفضل تحت سيطرته، ولا كان فيه سبب أخطر مخليه مصرّ إن محدش يعرف أنا كنت بعمل إيه فعلًا في المطعم؟
وصلت فندق «أرينا» الساعة تمانية وخمسين دقيقة.
استقبلتني مديرة العلاقات العامة، واصطحبتني لقاعة الاجتماعات. كان فيه ستة أشخاص قاعدين حول طاولة كبيرة، قدام كل واحد ملف خاص بالمشروع.
الشيف ياسين كان موجودًا بالفعل، وبمجرد ما دخلت، قام من مكانه وقال:
— أخيرًا وصلتي يا أستاذة داليا. إحنا كنا مستنيين صاحبة الفكرة.
الكلمة دي وحدها كانت كفاية إنها تخليني أرفع رأسي.
صاحبة الفكرة.
مش زوجة فلان، ولا مطلقة فلان، ولا الست اللي كانت بتطبخ في بيت العيلة.
أنا صاحبة الفكرة.
بدأ الاجتماع بعرض خطتي للمطعم الجديد، اللي كنت مسمياه «ريحة زمان». المشروع كان قائمًا على تقديم الأكلات المصرية من مختلف المحافظات، مع الحفاظ على طرق الطهي الأصلية، وتطوير أسلوب التقديم بما يناسب الفنادق والمطاعم الحديثة.
اتكلمت عن اختيار الموردين، وتدريب الطهاة، وتقليل هدر الطعام، وعن أهمية استخدام المنتجات المحلية.
ولما جه وقت عرض الخطة المالية، فتحت الملف وبدأت أشرح الأرقام بالتفصيل.
واحد من المستثمرين، اسمه الأستاذ فؤاد، سألني:
— إنتِ شايفة إن المشروع يقدر يحقق أرباح مستقرة خلال أول سنة، رغم ارتفاع أسعار المواد الخام؟
ابتسمت وقلت:
— لو اعتمدنا على الشراء العشوائي، أكيد هنواجه مشكلة. لكن أنا حاطة نظامًا لمراجعة التكاليف أسبوعيًا، وعقودًا واضحة مع الموردين، وقائمة طعام مرنة بتسمح لنا نستفيد من المواسم من غير ما نضحي بالجودة.
فضل يسألني أكتر من ربع ساعة، وكل ما كان السؤال أصعب، كنت بحس بثقتي بتزيد.
وفي نهاية العرض، مد إيده وصافحني.
— بصراحة، واضح إنك فاهمة المشروع من جوه، مش مجرد اسم على الورق. أنا موافق ننتقل للمرحلة النهائية من التعاقد بعد مراجعة المستندات.
حسيت براحة كبيرة.
ما كانش كل شيء انتهى، لكن دي كانت خطوة حقيقية في الاتجاه الصح.
وبينما كنا بنجمع الأوراق، دخلت مديرة العلاقات العامة وقالت:
— أستاذة داليا، فيه شخص بره بيقول إنه يعرفك، ومصرّ إنه يقابلك فورًا.
سألتها:
— اسمه إيه؟
ردت بتردد:
— الأستاذ كريم منصور.
اتجمدت إيدي فوق الملف.
كريم وصل للفندق!
بصيت للشيف ياسين، اللي فهم من ملامحي إن الموضوع مش بسيط.
قال لي:
— تحبي نطلب منه يمشي؟
فكرت لثواني، وبعدها قلت:
— لا. خليه يدخل، لكن المقابلة تكون هنا، وبوجودكم.
بعد أقل من دقيقة، الباب اتفتح.
دخل كريم، ووشه متوتر، لكنه حاول يرسم ابتسامة واثقة.
بص للموجودين، وبعدها ثبت عينيه عليا وقال:
— داليا، إحنا لازم نتكلم لوحدنا.
رديت بهدوء:
— مفيش حاجة بينا تستدعي إننا نتكلم لوحدنا. لو عندك كلام يخص الشغل، اتفضل.
ابتسامته اختفت.
قرب من الطاولة، وحط قدامي ظرفًا بنيًا.
— قبل ما تمضي أي عقد جديد، لازم تعرفي إن فيه مشكلة كبيرة ممكن تدمر كل اللي بتحاولي تعمليه.
بصيت للظرف، لكن ما لمستوش.
— إيه اللي جواه؟




