
الجزء الثاني والاخير
بعد حوالي ساعة، بدأ الضيوف يوصلوا.
سمعت صوت عربيات بتقف قدام البيت، وبعدها أصوات رجال بيتكلموا ويضحكوا.
كنت في أوضتي فوق.
أمي دخلت عندي وقعدت على طرف السرير.
قالت بصوت منخفض:
«ليلى… ممكن ما تدخليش في مشاكل مع حسام النهارده؟»
بصيت لها باستغراب.
«أنا؟ هو اللي دعاهم.»
سكتت شوية، وبعدين قالت:
«أنا عارفة.»
لكن نبرة صوتها كانت مختلفة.
كأنها عايزة تقول حاجة ومش قادرة.
سألتها:
«ماما، هو بيعاملك كويس؟»
اتوترت.
«طبعًا.»
لكنها ما بصتش في عيني.
وقتها فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد غرور حسام.
قلت لها:
«لو فيه حاجة مضايقاكي، قوليلي.»
ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
«انزلي بس وخلي الليلة تعدي.»
خرجت من الأوضة.
فضلت واقفة قدام المراية شوية.
كنت أقدر أنزل بملابس عادية.
وأفضل بالنسبة لهم البنت اللي حسام وصفها إنها فاشلة ومش عارفة تعمل إيه في حياتها.
لكن كان عندي قرار تاني.
فتحت الدولاب.
وأخرجت حقيبة صغيرة كنت محتفظة بيها بعيد عن عيون أي حد.
فتحتها.
الزي الرسمي كان متني بعناية.
حطيته على السرير.
وبدأت ألبسه.
مش عشان أستعرض.
ومش عشان أنتقم.
لكن لأن الوقت جه إن الكذبة اللي حسام بناها شهور تبدأ تنهار.
بعد دقائق، وقفت قدام المراية.
الزي كان كامل.
الشارات في مكانها.
الرتبة واضحة.
وشعري مربوط بطريقة رسمية.
بصيت لنفسي للحظات.
وبعدين نزلت.
في الصالة كان فيه خمسة رجال.
كلهم تقريبًا في منتصف العمر.
واضح من طريقة كلامهم إنهم أصحاب خبرة طويلة في الخدمة.
حسام كان واقف في وسطهم.
وأول ما شافني، تغيرت ملامحه.
لكنه حاول يخفي ارتباكه بسرعة.
قال بصوت مرتفع:
«آه… أخيرًا خرجتي من المطبخ.»
واحد من الرجال التفت ناحيتي.
وبمجرد ما شاف الزي…
وقف الكلام فجأة.
الرجل التاني بصلي.
ثم بص لحسام.
أما الثالث، فتجمد مكانه تمامًا.
حسام ضحك بتوتر وقال:
«ما تاخدوش الموضوع بجدية. هي بتحب تعمل حركات غريبة.»
أنا ما رديتش.
دخلت الصالة بهدوء.
وقفت على بعد خطوات منهم.
ثم قلت:
«مساء الخير.»
في اللحظة التالية، حدث شيء لم يتوقعه حسام.
أحد الرجال اندفع واقفًا.
واستقام في مكانه.
وصاح بصوت قوي:
«الجميع… انتباه!»
في أقل من ثانية، وقف الباقي.
حتى الرجل اللي كان ماسك كوب القهوة وضعه بسرعة.
حسام لم يتحرك.
كان واقفًا في منتصف الغرفة.
وجهه بدأ يفقد لونه.
بص للرجل اللي صرخ بالأمر، ثم بصلي.
قال بصوت متقطع:
«إنت… تعرفها؟»
الرجل لم يرد عليه.
كان واقفًا أمامي باحترام واضح.
ثم قال:
«سيدي… دي مش مجرد ضابطة.»
حسام بلع ريقه.
«يعني إيه؟»
الرجل بص له للحظة.
وقال:
«دي الرائد ليلى منصور.»
الصمت نزل على الغرفة كأنه شيء مادي.
حسام رمش أكثر من مرة.
ثم ضحك.
ضحكة مصطنعة.
«مستحيل.»
أنا لم أتكلم.
هو قرب مني خطوة.
«إنتِ قلتي إنك بين مهمتين.»
قلت:
«كنت فعلًا بين مهمتين.»
«وقلتي إنك ماعندكيش شغل ثابت.»
«أنا ماقلتش كده.»
سكت.
وبعدين بدأ يبص للرجال حواليه.
«هي بتبالغ.»
لكن أحدهم رد:
«لا. هي مش بتبالغ.»
الرجل أخرج هاتفه.
فتح صورة قديمة.
ثم قرب الشاشة من حسام.
«أنا اشتغلت معاها في مهمة من سنتين.»
حسام لم ينظر للصورة.
كان ينظر إلي أنا.
«إنتِ مخبية ده ليه؟»
قلت بهدوء:
«لأن شغلي مش موضوع نقاش على مائدة العشاء.»
ثم أضفت:
«لكن بما إنك قررت تستخدم الجيش عشان تقلل مني… أعتقد إن الوقت مناسب نعرف الحقيقة كلها.»
هنا تدخلت أمي.
«ليلى…»
التفت إليها.
كانت واقفة عند باب المطبخ.
وشها كان شاحبًا.
قلت:
«ماما، إنتِ كنتِ تعرفي؟»
هزت رأسها بسرعة.
«لا.»
حسام صرخ:
«هي ما تعرفش حاجة!»
كلنا بصينا له.
وكانت دي أول مرة أشوفه خايف فعلًا.
الرجل اللي قضى شهور يتكلم عن القيادة والانضباط والشرف…
كان واقف دلوقتي وكأنه طفل اتقفش وهو بيكدب.
قلت:
«حسام، أنا عندي سؤال واحد.»
سكت.
«إنت خدمت فعلًا في الجيش؟»
لم يرد.
«ولا كل الحكايات اللي كنت بتحكيها مجرد تمثيلية؟»
قال بعصبية:
«إنتِ مالكيش دعوة!»
ضحكت بهدوء.
«بالعكس. إنت اللي دخلتني في الموضوع.»
الرجل الأكبر سنًا من الموجودين تقدم خطوة.
وقال:
«حسام… جاوبها.»
حسام بص له.
«إنت مالك؟»
الرجل قال:
«لأني أعرف السجل العسكري الحقيقي.»
ثم نظر إلى الكاب المعلقة بجانب الباب.
وأشار إليها.
«والرتبة المكتوبة عليها دي… مش رتبتك.»
حسام تجمد.
أمي بصت للكاب.
ثم بصت لحسام.
«يعني إيه مش رتبته؟»
لم يجبها.
الرجل تابع:
«حسام فؤاد خدم فترة قصيرة جدًا، وخرج قبل ما يحصل على أي رتبة قيادية من اللي كان بيحكي عنها.»
أمي وضعت يدها على فمها.
أنا لم أشعر بالصدمة.
كنت عارفة.
لكن كان عندي سؤال أهم.
«ليه كذبت على أمي؟»
حسام بدأ يتلعثم.
«أنا… كنت بحاول أحافظ على صورتي.»
قلت:
«قدام مين؟»
لم يرد.
«قدام أمي؟»
صمت.
«ولا قدام نفسك؟»
وهنا حصل شيء غريب.
حسام بدأ يضحك.
ضحكة عصبية.
ثم قال:
«إنتِ فاكرة إنك كده انتصرتي؟»
نظرت إليه.
«أنا مش داخلة معاك في مسابقة.»
قال:
«إنتِ مش عارفة أنا مين.»
أحد الجنود رد فورًا:
«لا… هي بدأت تعرف.»
حسام التفت له بغضب.
«إنت اسكت!»
الرجل قال بهدوء:
«الأفضل إنك أنت اللي تسكت.»
ثم أضاف:
«لأن فيه حاجة إحنا لسه ماقلناهاش.»
تغيرت ملامح حسام.
«إيه؟»
الرجل نظر إلي.
ثم قال:
«السبب الحقيقي اللي خلى الرائد ليلى تكون هنا… مش زيارة لأمها.»
حسام بصلي.
لأول مرة، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
قلت:
«كنت أتمنى ما نوصلش للنقطة دي.»
ثم أخرجت هاتفي من جيبي.
فتحت ملفًا.
وضعته على الطاولة.
«لكن بما إنك قررت تجمع ناس من الجيش في بيت أمي عشان تستعرض قدامهم… لازم تعرف إن بعض الناس اللي دعوتهم هنا ماجوش بالصدفة.»
حسام اقترب من الطاولة.
نظر إلى الشاشة.
وبمجرد ما شاف الاسم الموجود في الملف…
تراجع خطوة إلى الخلف.
وقال بصوت منخفض:
«لا…»
رفعت عيني إليه.
«أيوه.»
وفي اللحظة دي، فهمت إن الليلة دي ما كانتش هتكشف كذبة حسام بس.
كانت هتكشف سرًا أخطر بكتير…
سرًا يتعلق بسبب وجودي في الإسكندرية من الأساس.
يتبع…
فضل حسام واقف قدام الطاولة، وعينيه مثبتة على الشاشة.
الاسم اللي ظهر قدامه كان كفيل يغير ملامحه بالكامل.
قال بصوت شبه هامس:
«إنتِ… بتدوري ورايا؟»
قفلت الهاتف.
«أنا ماكنتش بدور وراك يا حسام.»
ثم بصيت له مباشرة.
«إنت اللي خلت نفسك جزء من التحقيق.»
أمي قربت مني.
«تحقيق؟!»
حسام لف ناحيتها بسرعة.
«ماتصدقيهاش! هي بتحاول تخوفني بس.»
لكن واحد من الرجال الموجودين رد بهدوء:
«لو كنت بريء، مكنتش ارتبكت بالشكل ده.»
حسام ضرب بإيده على الطاولة.
«أنا مش هسمح لحد يستجوبني في بيتي!»
قلت:
«ده بيت أمي.»
سكت.
الكلمة دي أصابته في مكان حساس.
من شهور وهو بيتصرف كأن البيت بقى ملكه.
وكأن وجود أمي فيه كان مجرد تفصيلة.
أما أنا، فكنت ضيفة لازم تستأذن قبل ما تتكلم.
لكن الليلة دي كل شيء كان بيتغير.
الرجل اللي وقف في البداية وقال «انتباه» تقدم ناحيتي.
قال:
«رائد… هل نبدأ؟»
هزيت رأسي.
«لسه.»
ثم نظرت إلى أمي.
«ماما، قبل أي حاجة، أنا محتاجة أسألك سؤال.»
قالت:
«اسألي.»
«من إمتى حسام بدأ يتدخل في حساباتك؟»
وشها تغير.
حسام صرخ:
«مالهاش علاقة بالحسابات!»
أمي بصت له.
«حسام… إنت قلتلي إنك كنت بتساعدني.»
قلت:
«ساعدك في إيه؟»
أمي ترددت.
ثم قالت:
«من حوالي أربعة شهور، بدأ يقولي إن الحسابات لازم تتراجع… وإنه يقدر ينظم أموري المالية.»
نظرت إلى حسام.
«وبعدين؟»
قالت أمي:
«طلب مني أعمل له توكيل محدود.»
ساد الصمت.
أنا أخذت نفسًا عميقًا.
«عملتيه؟»
أمي هزت رأسها.
«أيوه.»
حسام ابتسم.
«شايفة؟ كل حاجة كانت بموافقتها.»
قلت:
«أنا ماقلتش إنها عملت حاجة غلط.»
ثم التفت إليه.
«أنا بس عايزة أعرف إنت استخدمت التوكيل في إيه.»
قال بسرعة:
«ولا حاجة.»
الرجل الموجود بجانبي فتح حقيبته.
وأخرج مجموعة أوراق.
حطها على الطاولة.
«إحنا لقينا شوية معاملات محتاجة تفسير.»
حسام لم يلمس الأوراق.
قلت:
«في تحويلات مالية خرجت من حساب أمي خلال الشهور اللي فاتت.»
أمي شهقت.
«تحويلات؟»
حسام قال:
«كانت مصاريف البيت.»
قلت:
«مصاريف البيت ما بتوصلش للمبالغ دي.»
فتح الرجل ملفًا.



