منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
أحمد مسك الظرف بإيد بتترعش، وبص لابني باستغراب وقال:

ـ إيه اللي جوا الظرف ده؟

ابني رد عليه بهدوء:

ـ افتحه واقرأ بنفسك، إحنا تعبنا كتير علشان نوصل للحظة دي.

أحمد فتح الظرف وطلع منه مجموعة أوراق، وأول ورقة كانت جواب مكتوب بخط إيدي.

بدأ يقرأ، وكل ما كان بيكمل سطر، ملامحه كانت بتتغير أكتر.

الجواب كان بيقول:

«إلى أحمد المنشاوي…

يمكن تكون نسيت إنك في يوم من الأيام كنت أب لطفلين، ويمكن تكون نسيت إنك مشيت وسِبت وراك زوجة وطفلين مالهمش ذنب في أي خلاف حصل بينا.

لكن أنا ما نسيتش.

يوم ما ولدت التوأم، كنت فاكرة إن حياتنا هتبدأ من جديد، وإن وجود طفلين في حياتنا هيخلينا أسرة سعيدة.

لكن بعد شهور قليلة، قررت تمشي.

وقتها حاولت أتمسك بيك، مش علشان نفسي، لكن علشان الولدين اللي كانوا لسه محتاجين أبوهم.

إنت اخترت تبتدي حياة جديدة، وأنا اخترت أحافظ على حياة ولادي.

كبروا من غيرك، واتعلموا يعتمدوا على نفسهم، وكانوا كل يوم بيسألوني عنك.

وأنا كنت بحاول أحمي صورتك قدامهم، رغم إنك ماحاولتش تحافظ حتى على مكانك في حياتهم.

النهارده هما بقوا شباب، وحققوا حاجة كبيرة بتعبهم واجتهادهم.

والظرف ده مش علشان أطلب منك فلوس، ولا علشان أعاتبك على اللي فات.

ده علشان تعرف إن ولادك كبروا، وإنهم كانوا يستاهلوا أب يكون موجود في حياتهم».

أحمد وقف عن القراءة، ورفع عينيه ناحية ابني.

ـ إنتوا عرفتوا إني أبوكم من إمتى؟

ابني الأول كان واقف جنبه، وقال:

ـ من وإحنا صغيرين يا بابا، ماما عمرها ما كذبت علينا. كانت بتقولنا إن ليكم أب، لكنه اختار يعيش بعيد عننا.

أحمد حاول يتكلم، لكن الكلمات خرجت منه متقطعة:

ـ طب ليه ماحاولتوش تدوروا عليّا؟ ليه ماجيتوش تشوفوني؟

ابني رد عليه:

ـ إحنا كنا صغيرين، وإنت كنت الكبير. إنت اللي كان المفروض تدور علينا، مش العكس.

الكلمات نزلت عليه زي الصدمة.

داليا كانت واقفة بعيد، وبدأت تشعر بالقلق.

قربت منه وقالت:

ـ أحمد، يلا بينا. الناس كلها بتبص علينا.

لكن ابني التاني بص لها وقال:

ـ ماتقلقيش، إحنا مش جايين ناخد مكان حد. إحنا بس جايين نعرف أبويا إن عنده ولدين تانيين، وإنه كان يقدر يكون عنده أسرة كاملة، لكنه اختار يبعد عنها.

أحمد رجع بص للورق، ولقى ورقة تانية مختلفة عن جواب ماما.

كانت صورة قديمة لينا وإحنا أطفال، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها:

«دي آخر صورة اتصورت لينا وإحنا مستنيين بابا يرجع».

أحمد قعد على الكرسي اللي وراه، وحط إيده على وشه.

ولأول مرة من 13 سنة، بان عليه إنه ندمان فعلًا.

لكن ابني الأول قال له:

ـ فيه حاجة تانية لازم تعرفها.

أحمد رفع رأسه بسرعة.

ـ إيه هي؟

ابني مد إيده وطلع شهادة صغيرة من ملفه.

كانت شهادة قبول جامعي بمنحة دراسية كاملة.

وبعدها أخوه طلع شهادة تانية.

الاتنين كانوا اتقبلوا في نفس الجامعة، بمنح تفوق دراسي.

أحمد بص للشهادتين، وبعدين بص لولاده وقال:

ـ أنا فخور بيكم.

ابني رد عليه بهدوء:

ـ إحنا عارفين يا بابا، بس إحنا كنا محتاجين نسمع الكلمة دي من زمان، مش النهارده بس.

في اللحظة دي، ماقدرتش أفضل واقفة مكاني.

قربت من ولادي، وحطيت إيدي على كتف كل واحد فيهم.

أحمد بصلي وقال بصوت مكسور:

ـ مريم، ممكن نتكلم شوية لوحدنا؟

بصيتله وقلت:

ـ اتكلم مع ولادك الأول. هما اللي من حقهم يسمعوا منك.

وبعدين حصل موقف ماكنتش متوقعاه.

ابني التاني مد إيده لأحمد، وقال:

ـ إحنا مش عارفين إذا كنا هنقدر نسامحك ولا لأ، لكن لو عايز تعرفنا بجد، لازم تبدأ من الصفر. مش بالكلام، بالأفعال.

أحمد هز رأسه، والدموع بدأت تظهر في عينيه.

أما داليا، فكانت واقفة مش عارفة تقول إيه.

لكنها فجأة قالت جملة قلبت الموقف كله:

ـ أحمد، إنت كنت قايل لي إنك ماعندكش ولاد غير ابننا!

بص أحمد للأرض وسكت.

وفي اللحظة دي، فهمت إن الحكاية لسه فيها سر أكبر من مجرد غياب أب عن ولاده.

لأن داليا كشفت قدام الجميع إن أحمد كان مخبي عنها حقيقة التوأم طول السنين دي، وإن فيه سبب تاني خلاه يبعد عنهم من البداية…
داليا كانت واقفة قدام أحمد، وعينيها مليانة صدمة وغضب.

قالت بصوت مرتفع:

ـ يعني إيه يا أحمد؟! إنت كنت عارف إن ليك ولدين، ومخبي عليّا طول السنين دي؟!

أحمد حاول يهدّيها وقال:

ـ داليا، مش وقته الكلام ده. إحنا في مكان عام.

ضحكت بسخرية وقالت:

ـ مش وقته؟! إنت خليتني أعيش 13 سنة وأنا فاكرة إن ابننا هو ابنك الوحيد! كنت بتقولي إن جوازك الأول انتهى من غير أطفال، وإن مريم ماقدرتش تخلف!

أنا بصيتله باستغراب.

لأول مرة أعرف إنه ما اكتفاش إنه يسيب ولاده، لكنه كمان اخترع حكاية كاملة علشان يخفي وجودهم عن مراته الجديدة.

ابني الأول بص لأحمد وقال:

ـ يعني إنت كمان كذبت على عيلتك الجديدة علشان محدش يعرف إن ليك ولاد مننا؟

أحمد ما ردش.

داليا بدأت تبكي، وبصت للتوأم وقالت:

ـ أنا آسفة، والله ماكنتش أعرف إنكم موجودين. أنا كنت فاكرة إن أبوكم ماعندوش غير أخوكم.

ابني التاني رد عليها:

ـ إحنا مش زعلانين منك، لأنك مش إنتِ اللي سيبتينا. إحنا زعلانين من الشخص اللي كان المفروض يكون أبونا.

الكلام ده خلّى أحمد ينزل عينيه للأرض.

وبعد لحظات، قال بصوت واطي:

ـ أنا عارف إني غلطت. بس وقتها كنت صغير، وكنت عايز أبدأ حياة جديدة، وماكنتش مستعد للمسؤولية.

بصيتله وقلت:

ـ كنت صغير؟! إنت كنت راجل عندك شغل وبيت ومرات وطفلين. أنا كمان كنت صغيرة، لكن ماكانش عندي رفاهية إني أسيبهم وأبدأ حياة جديدة.

حاول يبرر وقال:

ـ المشاكل بينا كانت كتير يا مريم، وإنتِ عارفة إن حياتنا ماكنتش مستقرة.

رديت عليه:

ـ المشاكل كانت بيني وبينك، مش بينك وبين ولادك. هما ماكانوش طرف في أي خلاف حصل بينا.

سكت أحمد، وماقدرش يرد.

في اللحظة دي، ابني الأول فتح موبايله وطلع صورة قديمة ليا وأنا واقفة بينهم في حفل مدرسي.

وقال:

ـ دي ماما يوم ما استلمنا أول جايزة في المدرسة. كانت تعبانة جدًا، ومع ذلك حضرت علشان تفرح بينا.

وبعدين عرض صورة تانية ليا وأنا قاعدة جنبهم في المستشفى.

وقال:

ـ ودي لما أخويا تعب قبل امتحانات آخر السنة. ماما فضلت معاه طول الليل، وبعدين راحت شغلها الصبح علشان تقدر تدفع مصاريفنا.

ثم أضاف:

ـ إحنا مش بنقول الكلام ده علشان نحسسك بالذنب. إحنا بنقولك علشان تعرف إن فيه حد كان موجود فعلًا في حياتنا.

أحمد كان بيتفرج على الصور واحدة ورا التانية، وكل صورة كانت بتكشف له جزء من حياة عمره ما كان موجود فيها.

فجأة سأل:

ـ مريم، إنتِ اشتغلتي إيه كل السنين دي؟

قلتله:

ـ اشتغلت في أكتر من مكان. بدأت موظفة في مكتبة صغيرة، وبعدها اشتغلت في مركز تعليمي. كنت بدي دروس، وبساعد ولادي في المذاكرة، وأحاول أوفر لهم كل اللي يحتاجوه.

ابني التاني ابتسم وقال:

ـ وماما كمان هي اللي علمتنا إن النجاح مش إنك تكسب جايزة، النجاح الحقيقي إنك ماتستسلمش مهما كانت الظروف.

أحمد مسح دمعة نزلت على خده.

وقال:

ـ أنا عايز أعوضكم عن كل اللي فات. عايز أكون موجود في حياتكم من دلوقتي.

ابني الأول رد عليه:

ـ التعويض مش فلوس يا بابا. إحنا ماكناش محتاجين منك هدايا غالية. كنا محتاجينك في حفلات المدرسة، وفي أعياد ميلادنا، وفي الأيام اللي كنا بنشوف فيها أصحابنا مع آبائهم ونسأل نفسنا إحنا أبونا فين.

أحمد مد إيده ناحية ابني، لكنه رجع خطوة لورا.

وقال:

ـ ادينا وقت. إحنا مش هنقدر نتصرف كأن مافيش حاجة حصلت.

هز أحمد رأسه وقال:

ـ من حقكم.

بعدها داليا طلبت منه يمشي معاها، لكنه رفض وقال إنه محتاج يفضل شوية مع ولاده.

أما أنا، فكنت حاسة إن اليوم ده انتهى، وإن الولاد قالوا كل اللي جواهم.

لكن قبل ما نمشي، أحمد ناداني:

ـ مريم، ممكن أسألك سؤال أخير؟

وقفت وبصيتله.

قال:

ـ إنتِ ليه ماطلبتيش مني نفقة طول السنين دي؟ كنتِ تقدري ترفعي قضية وتاخدي حقهم.

ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت:

ـ رفعت قضية فعلًا بعد ما مشيت، لكنك سافرت وغيرت عنوانك، وكل مرة كنا بنحاول نوصل لك كانت الإجراءات بتتعطل. وفي الآخر قررت أركز في تربية ولادي بدل ما أضيّع عمري كله في مطاردتك.

أحمد غمض عينيه للحظة.

وبعدين قال:

ـ أنا حتى ماكنتش أعرف إنكم حاولتوا توصلوا لي.

رديت عليه:

ـ لأنك ماكنتش عايز تعرف.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى