
مشيت مع ولادي ناحية باب القاعة، لكن قبل ما نخرج، سمعنا صوت المذيع بينادي على التوأم مرة تانية.
كان فيه تكريم إضافي لأعلى طالب حقق مجموع درجات في المسابقة.
ابني التاني رجع للمسرح، والمذيع أعلن اسمه وسط تصفيق كبير.
وبعدها طلب من أمه تطلع معاه علشان تتكرم باعتبارها صاحبة الفضل الأكبر في رحلته التعليمية.
بصلي ابني ومد إيده.
وقال:
ـ ماما، اطلعي معايا. الجايزة دي بتاعتك قبل ما تكون بتاعتي.
طلعت معاه، والقاعة كلها كانت بتصفق.
بصيت من فوق المسرح، لقيت أحمد واقف وسط الناس، بيصفق ودموعه على خده.
لكن المرة دي، ماكنتش مستنية منه اعتراف ولا اعتذار.
كنت شايفة ولادي قدامي، ناجحين وفخورين بنفسهم، وعرفت إن السنين اللي تعبت فيها ما راحتش هدر.
لكن في اليوم التالي، وصلتني رسالة من أحمد، وكانت فيها مفاجأة ماكنتش أتخيل إنها هتحصل بعد كل السنين دي…
تاني يوم الصبح، كنت قاعدة في البيت مع ولادي، ولسه بنتكلم عن المسابقة والجوائز اللي حصلوا عليها، وفجأة موبايلي رن.
كانت رسالة من أحمد.
فتحتها وبدأت أقرأ:
«مريم، أنا عارف إن رسالة واحدة مش هتقدر تصلح 13 سنة من الغياب، وعارف إن مافيش اعتذار يقدر يرجع الأيام اللي ضاعت من عمر ولادي.
أنا قضيت الليل كله بفكر في اللي حصل، واكتشفت إني كنت عايش سنين طويلة بهرب من مسؤولية أنا اللي اخترت أتهرب منها.
أنا مش هطلب منك ترجعي لحياتي، ولا هطلب من الولاد يسامحوني بسرعة.
كل اللي بطلبه فرصة أتعرف عليهم من جديد، حتى لو هبدأ معاهم من أول خطوة.
وعايزك تعرفي إنك كنتِ أقوى مني بكتير، وإنك عملتي حاجة أنا ماكنتش أقدر أعملها».
خلصت قراءة الرسالة وحطيت الموبايل على الترابيزة.
ابني الأول سألني:
ـ هو بابا بعتلك إيه؟
قلتله:
ـ بيقول إنه عايز يشوفكم تاني.
ابني التاني سأل:
ـ وإنتِ شايفة إيه يا ماما؟
بصيتلهم وقلت:
ـ القرار قراركم. أنا مش هفرض عليكم تحبوه، ولا همنعكم تتعرفوا عليه. بس عايزاكم تفتكروا إن التسامح مش معناه إننا ننسى اللي حصل، والثقة مش بترجع بمجرد الكلام.
ابني الأول هز رأسه وقال:
ـ إحنا ممكن نقابله، بس مش هنرجع نثق فيه بسهولة.
وبالفعل، بعد يومين، اتفقوا يقابلوه في مكان عام.
وصل أحمد قبلهم، وكان واضح عليه التوتر.
أول ما شافهم قام من مكانه، وحاول يبتسم.
قال:
ـ أنا سعيد إنكم وافقتوا تيجوا.
ابني التاني رد:
ـ إحنا جايين نسمعك، مش أكتر.
أحمد قعد، وفضل ساكت شوية، وبعدها بدأ يحكي عن حياته خلال السنين اللي فاتت.
قال إنه كان بيشتغل في شركة كبيرة، وإنه كوّن أسرة جديدة، لكنه اعترف إنه كان كل ما يسمع عن أب بيشارك ولاده نجاحهم، كان بيحاول يقنع نفسه إن قراره زمان كان صح.
وبعدين قال:
ـ كنت بخاف أواجهكم، وكل سنة كنت بقول هتصل بيهم السنة الجاية. لحد ما السنين جريت، وبقيت مش عارف أبدأ منين.
ابني الأول بصله وقال:
ـ المشكلة إنك كنت فاكر إن الوقت ملكك. لكن إحنا كنا بنكبر كل يوم، وكان فيه حاجات كتير بتحصل ومكنتش موجود فيها.
أحمد نزل عينيه وقال:
ـ عندك حق.
وبعدين مد إيده وطلع علبة صغيرة.
قال:
ـ جبتلكم هدية بسيطة.
لكن ابني التاني رفض ياخدها وقال:
ـ مش محتاجين هدايا يا بابا. لو عايز تعمل حاجة لينا، خليك موجود. اسأل علينا، تابع دراستنا، واحضر المناسبات المهمة. ماتختفيش تاني.
أحمد هز رأسه وقال:
ـ أوعدكم إني هحاول أثبتلكم ده بالأفعال.
مرت الشهور، وبدأ أحمد يتواصل معاهم بشكل منتظم.
في البداية، كانت المكالمات قصيرة ومليانة حذر، لكن مع الوقت بدأوا يتكلموا عن الدراسة والجامعة والحياة.
ماكانش كل شيء سهل، وفي أيام كانوا بيرفضوا يردوا عليه، وأيام تانية كانوا بيحتاجوا وقت علشان يتقبلوا وجوده.
لكنه المرة دي ما اختفاش.
أما داليا، فكانت علاقتها بأحمد اتغيرت تمامًا بعد ما عرفت إنه أخفى عنها حقيقة زواجه الأول وولاده.
وبعد فترة، قررت تاخد وقت بعيد عنه علشان تفكر في مستقبلها، خصوصًا إنها اكتشفت إن الكذب اللي اتبنى عليه جزء كبير من حياتهم ماكانش مجرد تفصيلة صغيرة.
وفي يوم إعلان نتيجة التنسيق الجامعي، رجع ولادي البيت وهما فرحانين جدًا.
الاتنين اتقبلوا في كليات كانوا بيحلموا بيها، وبمنح دراسية بسبب تفوقهم.
أول ما دخلوا البيت، جريوا عليّا.
واحد منهم حضني وقال:
ـ ماما، إحنا نجحنا!
والتاني قال:
ـ كل ده بسببك يا ماما. لولا تعبك معانا، ماكناش وصلنا للي إحنا فيه.
دموعي نزلت وأنا بحضنهم.
بعد شوية، أحمد اتصل بيهم، ولما عرف النتيجة، طلب ييجي يباركلهم.
المرة دي، الولاد وافقوا.
وصل أحمد ومعاه هدايا بسيطة، لكنه قبل ما يديها ليهم، بصلي وقال:
ـ مريم، أنا عارف إنك كنتِ شايلة حمل كبير لوحدك، ومهما عملت مش هقدر أردلك تعبك. شكرًا إنك ماخليتيش ولادنا يدفعوا تمن أخطائي.
بصيتله وقلت:
ـ أنا ماعملتش ده علشانك يا أحمد. أنا عملته علشان ولادي، لأنهم مالهمش ذنب في أي حاجة حصلت بينا.
هز رأسه وقال:
ـ عارف.
وبعدها قعد مع الولاد، وفضل يسمع منهم عن خططهم للجامعة وأحلامهم للمستقبل.
في اللحظة دي، افتكرت اليوم اللي شوفته فيه لأول مرة في المسابقة.
كان داخل القاعة فاكر إنه الأب الوحيد اللي عنده ابن يستاهل يفتخر بيه.
وخرج منها وهو عارف إن عنده ولدين كان ممكن يعيش معاهم أجمل 13 سنة من عمره، لكنه اختار يضيّعها.
أما أنا، فخرجت من التجربة دي بحقيقة واحدة:
مش كل اللي بيمشي من حياتنا بيكسرنا، وأحيانًا غياب شخص بنحبه بيخلينا نكتشف إن جوانا قوة ماكناش نعرف إنها موجودة.
ولادي ماكانوش محتاجين أب غني، ولا أب عنده علاقات، ولا أب يقدر يشتري لهم أغلى الهدايا.
كانوا محتاجين حد يؤمن بيهم، ويقف جنبهم، ويقولهم إنهم يقدروا ينجحوا.
والحمد لله، لاقوا ده في أمهم.
وفي النهاية، فهمت إن النجاح الحقيقي مش إنك تقف على مسرح وتستلم ميدالية دهب، لكن إنك تقدر تربي أولادك على الاحترام والقوة والكرامة، رغم كل الظروف الصعبة اللي مريت بيها.
أما أحمد، فكان عنده 13 سنة يقدر يكون فيها أب، لكنه احتاج يشوف ولاده على منصة التتويج علشان يعرف قيمتهم.
والدرس اللي فضل معايا طول العمر:
الأبوة مش اسم في شهادة الميلاد، الأبوة مسؤولية وحضور ومواقف، واللي بيغيب عن طفولة ولاده ماينفعش يتوقع إنهم يفتحوا له أبواب قلوبهم بمجرد إنه قرر يرجع.
تمت




