
«يا سلمى، لو اسم شركة أخو أحمد ظهر في الأوراق، اطلبي مراجعة كل المعاملات المتعلقة بها، ولا تكتفي بالعقود الموجودة في الملف. فيه نسخة من مراسلات مهمة على وحدة التخزين، وهي اللي هتوضح تسلسل الأحداث.»
أخذت وحدة التخزين الصغيرة، وسلمتها للمحامي.
لكنه قبل ما يتحرك، لاحظنا ظرفًا آخر ملتصقًا بأسفل درج الخزنة من الداخل.
كان صغيرًا جدًا، وكأن أبويا أخفاه عمدًا عن أي شخص يفتح الخزنة بسرعة.
نزعناه بحذر.
كان بداخله إيصال قديم من محل إلكترونيات، وورقة عليها اسم شخص ورقم هاتف.
قرأت الاسم بصوت مرتفع:
«محمود فؤاد…»
المحامي رفع رأسه فورًا.
«إنتِ تعرفي الشخص ده؟»
هززت رأسي.
«لأ، أول مرة أسمع اسمه.»
أخذ الأستاذ شريف الورقة، وراجع الرقم، ثم قال:
«الاسم ده مألوف بالنسبة لي. أعتقد إنه كان مسؤولًا عن بعض أعمال التوثيق المتعلقة بالعقارات في المنطقة.»
سألته:
«يعني ممكن يكون له علاقة بالعقود دي؟»
رد:
«ممكن، لكن ما نقدرش نفترض أي حاجة. لازم نتواصل معاه بشكل رسمي ونتأكد من دوره.»
وقبل ما نغادر المكتب، رن تليفوني.
كان أحمد.
ترددت لحظة، ثم رديت.
قال بصوت هادئ بشكل مريب:
«إنتِ فين يا سلمى؟»
«في ورشة بابا.»
«بتعملي إيه هناك؟»
«براجع أوراقه مع الأستاذ شريف.»
سكت ثانيتين، ثم قال:
«اسمعيني كويس. أنا عارف إنك متأثرة بوفاة أبوكي، وعارف إن المحامي بيحاول يخوفك. لكن لازم تفكري بعقل. إحنا ممكن نحل كل حاجة بينا بعيد عن المحاكم والناس.»
سألته:
«نحل إيه يا أحمد؟»
قال:
«موضوع الأرض والورق ده كله. أنا ممكن أشرح لك كل حاجة في البيت، من غير ما حد يتدخل.»
قلت:
«لو عندك تفسير للمستندات، تقدر تقوله قدام المحامي.»
اتغير صوته.
«إنتِ بتشكّي فيا؟ بعد كل السنين دي؟»
غمضت عيني لحظة.
«أنا مش بحكم عليك يا أحمد. أنا بس عايزة أعرف الحقيقة.»
فجأة، صرخ:
«الحقيقة إنك مراتي، وإنك بتدمري بيتك بإيدك! أبوكي مات، ومش هيرجع. إنتِ عايزة تفضلي تعيشي على ذكراه وتضيعي حياتنا؟»
كانت دي نفس طريقته القديمة؛ يحوّل أي سؤال إلى اتهام، وأي مطالبة بحقي إلى جريمة ارتكبتها في حقه.
لكن المرة دي، ما اعتذرتش.
قلت بهدوء:
«أنا مش هتنازل عن حقي عشان أرضيك يا أحمد.»
ثم أنهيت المكالمة.
الأستاذ شريف كان سامع جزءًا من الكلام، فقال:
«احتفظي بأي رسائل أو تهديدات، وما توقعيش على أي مستند قبل ما يراجعه محاميك. ولو حصل أي ضغط أو تهديد مباشر، خدي الموضوع بجدية واطلبي المساعدة المناسبة.»
أومأت برأسي.
كنت بدأت أفهم إن القضية مش مجرد خلاف عائلي على الميراث.
كان فيه مستندات محتاجة فحصًا، ومعاملات مالية محتاجة مراجعة، وحقوق لازم تتحدد قانونيًا.
لكننا لسه ما كناش نعرف مين الشخص اللي بدأ كل ده.
في المساء، رجعت البيت.
لقيت حماتي قاعدة في الصالة، وأمامها كوب شاي، كأنها كانت مستنياني.
أحمد كان واقف عند الشباك، وأول ما دخلت، التفت ناحيتي.
قال:
«اقعدي يا سلمى. لازم نتكلم.»
حطيت شنطتي على الكرسي، وفضلت واقفة.
حماتي بدأت الكلام:
«يا بنتي، مهما حصل، إحنا عيلة واحدة. ومش معقول تخلي محامي غريب يدخل بينك وبين جوزك.»
رديت:
«الأستاذ شريف محامي بابا من سنين، وهو اللي بيتابع المستندات الخاصة بتركة أبويا.»
قال أحمد:
«إنتِ عارفة إن أخويا عنده مشاكل مالية، وعارفة إن أبوه وأمه محتاجين المساعدة. كان ممكن نتفاهم ونساعد بعض بدل ما تحولي الموضوع لقضية.»
سألته:
«تساعدوا بعض بإيه؟ بتوقيع باسمي أنا ما مضيتوش؟ ولا بعقد أرض أنا ما وافقتش عليه؟»
حماتي قامت فجأة.
«إنتِ بتتهمينا بالتزوير؟!»
قلت:
«أنا ما اتهمتش حد. أنا بطلب فحص المستندات ومعرفة مين استخدم اسمي.»
أحمد قرب مني، وخفض صوته.
«اسمعي يا سلمى، لو الموضوع وصل للجهات الرسمية، مش إنتِ بس اللي هتتأذي. سمعة العيلة كلها هتتدمر. فكري كويس قبل ما تكملي.»
بصيت له طويلًا.
«لو كل حاجة سليمة، المراجعة هتثبت ده. ولو فيه خطأ، لازم يتصلح.»
ضرب بقبضته على ظهر الكرسي.
«يعني إنتِ اخترتي المحامي على حساب جوزك؟!»
قلت:
«أنا اخترت أعرف الحقيقة.»
ساد الصمت.
ثم قالت حماتي جملة ما كنتش أتوقع أسمعها منها أبدًا:
«أحمد، أنا قلت لك من الأول إن البنت دي ما ينفعش تعرف كل حاجة!»
أحمد لف ناحيتها بسرعة.
«ماما، اسكتي!»
لكن كان فات الأوان.
بصيت لها، ثم بصيت له.
«ما ينفعش أعرف إيه بالضبط؟»
حماتي حطت إيدها على فمها، وكأنها أدركت إنها قالت أكتر مما ينبغي.
أما أحمد، فحاول يتدارك الموقف.
«هي تقصد إنك مش محتاجة تعرفي تفاصيل الشغل والعقود. الموضوع أكبر من كده.»
لكنني كنت قد سمعت الجملة، وفهمت إن فيه شيئًا آخر لم يكشفوه بعد.
دخلت غرفتي، وقفلت الباب، وأخرجت صورة المستند اللي احتفظت بيها من مكتب أبويا.
كنت لسه بفحصها لما لاحظت رقمًا صغيرًا مكتوبًا في زاوية الصفحة، لم أكن قد انتبهت إليه من قبل.
كان رقم ملف، وبجواره تاريخ أقدم من تاريخ وفاة أبويا بشهرين.
اتصلت بالأستاذ شريف، وقرأت له الرقم.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
ثم قال بجدية:
«سلمى، الرقم ده ممكن يكون مرتبطًا بملف معاملة أقدم. هراجع سجلاتنا الصبح، لكن ما تتواصليش مع أي شخص مذكور في الأوراق قبل ما نعرف دوره.»
أنهيت المكالمة، وأنا أحاول أرتب أفكاري.
وبعد دقائق، سمعت صوت أحمد بيتكلم في الشرفة.
كان فاكر إني مش سامعاه.
قال بصوت منخفض:
«أيوه، هي لقت الملف الأزرق… لأ، لسه ما تعرفش كل حاجة.»
سكت ليستمع للطرف الآخر.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:
«المشكلة مش في الأرض لوحدها… لو عرفت مين اللي مضى باسمها من البداية، كل حاجة هتنهار!»
ما قدرتش أتحرك.
مين اللي مضى باسمي؟
وليه أحمد خايف من انكشاف الحقيقة بالشكل ده؟
لكن قبل ما أقدر أسمع باقي المكالمة، سمعته بيقول:
«استنى، هي جاية!»
وبعدها قفل التليفون بسرعة.
رجعت لسريري، وتظاهرت إني ما سمعتش حاجة.
وفي اللحظة دي، عرفت إن أحمد مش مجرد شخص بيحاول يستفيد من ميراثي.
كان فيه سر أقدم بكتير من وفاة أبويا، وسر ممكن يكشف إن الخيانة بدأت قبل ما أعرف أصلًا إن فيه حاجة لازم أخاف منها.
والسؤال اللي ما قدرتش أجاوب عليه طول الليل كان واحدًا بس:
مين اللي وقّع باسمي، وإيه اللي أخفاه أبويا في آخر مستند داخل الخزنة؟
لأن في صباح اليوم التالي، الأستاذ شريف هيتصل بيا ويكشف اسم الشخص اللي ظهر في السجلات…
والاسم ده مش هيكون اسم أحمد، ولا اسم حماتي.
هيكون اسم شخص كنت بثق فيه ثقة عمياء، وما خطرش في بالي يومًا إنه ممكن يكون طرفًا في الحكاية كلها!
### الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي كشفت خيانة أقرب الناس ليا!
الساعة كانت تمانية الصبح لما تليفوني رن.
كان الأستاذ شريف منصور.
رديت بسرعة، وقلبي بيدق بعنف.
قال من غير مقدمات:
«سلمى، لازم تيجي مكتبي النهارده. راجعت رقم الملف اللي بعتيهولي، ووصلت لمعلومة مهمة جدًا.»
سألته بقلق:
«عرفت مين اللي وقّع باسمي؟»
سكت لحظة، ثم قال:
«عرفت اسم الشخص اللي قدّم المستندات في المعاملة دي. لكن قبل ما أقول لك أي حاجة، لازم تشوفي الأوراق بنفسك.»
لبست بسرعة، وخرجت من البيت من غير ما أقول لأحمد أنا رايحة فين.
لما وصلت المكتب، لقيت الأستاذ شريف مستنيني، وقدامه ملف كبير وعدة صور من مستندات رسمية.
أول ما قعدت، دفع ناحيتي ورقة وقال:
«بصي على الاسم الموجود هنا.»
نزلت بعيني على الورقة.
كان مكتوبًا فيها اسم كريم، أخو أحمد.
حسيت بصدمة، لكن المحامي رفع إيده قبل ما أتكلم.
«استني يا سلمى. وجود اسمه في الملف معناه إنه كان طرفًا في تقديم المستندات، لكنه مش دليل لوحده على إنه زوّر توقيعك. إحنا محتاجين نعرف مين أعدّ الورق، ومين وقّعه فعلًا، وهل التوقيع صحيح ولا لأ.»
أخدت نفسًا عميقًا، وبدأت أراجع المستندات.
كان واضحًا إن كريم هو اللي قدّم طلبًا متعلقًا بحق الانتفاع بالأرض، وإن الطلب مرفق به مستند يحمل توقيعي المزعوم.
لكن المفاجأة كانت في ورقة تانية.
كانت عبارة عن مراسلة بين كريم وشركة المقاولات اللي كان عايز يدخل معاها في مشروع.
مكتوب فيها إن الشركة هتوافق على تمويل مشروعه لو تم التأكد من إمكانية استخدام الأرض كضمان.
يعني أخو أحمد كان بيحاول ينقذ مشروعه المالي باستخدام أرض أبويا!
سألت المحامي:
«طيب، وأحمد كان دوره إيه؟»
فتح ملفًا جانبيًا وقال:
«فيه صورة من مراسلات موجودة على وحدة التخزين اللي والدك سابهالك. طلبت من المختص يفحصها، ولقينا رسالة بتشير إلى إن أحمد كان بيتابع إجراءات المعاملة.»
غمضت عيني.
كنت بتمنى من قلبي إن يكون فيه تفسير بريء لكل ده.
لكن كل مستند جديد كان بيخليني أكتشف إن الشخص اللي عشت معاه تحت سقف واحد كان بيخفي عني حاجات أكبر بكتير مما تخيلت.
سألت:
«هل بابا كان يعرف إن أحمد متورط؟»
رد الأستاذ شريف:




