روايات وقصص

بعد رحيل ابويا كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

«فيه تسجيل أخير لوالدك لسه ما سمعناهوش. طلب مني أشغّله بعد مراجعة المستندات الأساسية.»

أخرج الموبايل القديم، وضغط على التسجيل.

جالي صوت أبويا، أضعف من التسجيلات السابقة، لكنه كان واضحًا.

«يا سلمى، لو وصلتي لحد هنا، فغالبًا عرفتي إن فيه ناس حاولت تستخدم أرضي عشان تحل مشاكل مالية تخصها.»

سكت لحظة، ثم أكمل:

«أنا اكتشفت إن فيه مستندات اتقدمت من غير موافقتي. ولما واجهت الأشخاص المعنيين، كل واحد حاول يرمي المسؤولية على التاني.»

حسيت بدموعي بتنزل.

أبويا كان بيواجه كل ده لوحده، وهو مريض، وأنا ما كنتش أعرف أي حاجة.

أكمل صوته:

«أنا ما أقدرش أقول لك مين المذنب قبل ما تتراجع الأدلة كلها. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها: أنا رفضت أبيع الأرض، ورفضت أستخدمها لضمان ديون أي حد. الأرض دي جزء من حلمي، ومش هسمح إن تعب السنين يضيع بسبب قرارات ما وافقتش عليها.»

ثم قال جملة عمرها ما هتخرج من ذاكرتي:

«ولو كان الشخص اللي غلط في حقك هو أقرب الناس ليكي، ما تخليش خوفك من الوحدة يجبرك تعيشي في كذبة.»

انتهى التسجيل.

فضلت ساكتة، وبعدين سألت المحامي:

«هو بابا واجه أحمد قبل وفاته؟»

قال:

«من المراسلات، واضح إن والدك طلب مقابلة بعض الأشخاص لمناقشة الموضوع. لكن ما عندناش دليل قاطع على كل اللي حصل في اللقاءات دي. عشان كده، لازم نكمل الإجراءات القانونية.»

مسحت دموعي، وقلت:

«أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها، مهما كانت.»

أومأ برأسه.

«وده حقك.»

بعد ساعات قليلة، طلب الأستاذ شريف حضور أحمد وكريم لمناقشة المستندات المتعلقة بالمعاملة.

وصل أحمد ومعاه أخوه، وكانت حماتي نادية وراهم.

أول ما دخل أحمد، بص لي بحدة.

«إنتِ مصممة تكملي في الموضوع ده لحد الآخر؟»

رديت بهدوء:

«أيوه.»

كريم قعد، وحاول يتصرف بشكل طبيعي.

قال للمحامي:

«أنا مش فاهم سبب استدعائي. أنا قدمت طلبًا تجاريًا، وكل حاجة كانت ماشية بشكل قانوني.»

الأستاذ شريف وضع نسخة من المستند أمامه.

«هل المستند ده اتقدم ضمن طلبك؟»

كريم بص للورقة، ثم قال:

«أيوه، بس أنا استلمته من أحمد. هو قال لي إن سلمى موافقة، وإن الورق مجرد إجراء مبدئي.»

التفت الجميع إلى أحمد.

صرخت حماتي:

«كريم! إنت بتقول إيه؟!»

كريم اتوتر وقال:

«أنا مش هتحمل المسؤولية لوحدي. أحمد هو اللي كان بيتابع الموضوع، وهو اللي قال لي إن كل حاجة متفق عليها.»

أحمد ضرب بإيده على الترابيزة.

«كذاب! إنت اللي كنت مستعجل على التمويل، وإنت اللي طلبت مني أساعدك!»

رد كريم:

«وأنت قلت لي إن أبويا… أقصد حماك، كان موافق!»

المحامي قاطعهم بحزم:

«من فضلكم، كل واحد يتكلم عن الوقائع اللي يعرفها، ومن غير تهديد أو مقاطعة. كل التصريحات دي هتتراجع، والمستندات هتتفحص.»

كنت قاعدة أسمعهم، ومش مصدقة إنهم بيتبادلوا الاتهامات قدامي بعد ما قضيت سنين بحاول أحافظ على علاقتي بيهم.

حماتي التفتت لي، وقالت بصوت مرتعش:

«يا سلمى، إحنا عيلة واحدة. مهما حصل، ما ينفعش تسيبي أخواتك وجوزك يضيعوا.»

بصيت لها وقلت:

«أنا ما ضيعتش حد يا مدام نادية. أنا بس بطلب أعرف مين استخدم اسمي من غير إذني.»

حاولت تقرب مني.

«طيب، لو أحمد غلط، ممكن يتصلح الموضوع بينكم. إنتِ تقدري تتنازلي عن الشكوى، ونبدأ صفحة جديدة.»

سألتها:

«وأتنازل عن حقي ليه؟ عشان حد تاني ما يتحملش نتيجة تصرفاته؟»

ما لقتش رد.

في اللحظة دي، أحمد بص لي وقال:

«سلمى، إحنا متجوزين بقالنا سنين. مش معقول ترمي كل ده بسبب ورقة!»

قلت له:

«الموضوع مش ورقة واحدة يا أحمد. الموضوع إنك كذبت عليّ، وخبيت عني معاملات مالية، وكنت عايزني أتنازل عن أرض أبويا وأنا مش عارفة الحقيقة.»

حاول يقاطعني.

لكنني كملت:

«أنا مش هحكم عليك من غير دليل، لكن مش هسمح لك كمان تضغط عليّ عشان أتجاهل الأدلة.»

الأستاذ شريف أنهى الاجتماع، وأكد للجميع إن المستندات هتتسلم للجهات المختصة لفحصها، وإن أي مسؤولية هتتحدد بناءً على النتائج والإجراءات القانونية.

خرج أحمد وكريم من المكتب وهما بيتجادلوا.

أما حماتي، ففضلت واقفة عند الباب، وبصت لي نظرة مليانة غضب.

قالت:

«إنتِ هتندمي إنك عملتي كده في عيلة جوزك.»

رديت عليها بهدوء:

«أنا مش بعمل حاجة في حد. أنا بحمي حقي.»

وبعدين خرجت من غير ما ألتفت ورايا.

مرت أسابيع صعبة.

خلال الفترة دي، اتفحصت المستندات، واتراجعت التوقيعات، واتجمعت المراسلات المتعلقة بالمعاملة.

وأظهرت المراجعة إن توقيعي الموجود على مستند التنازل لم يصدر مني، وإن المستند لم يكن صالحًا للاعتماد باعتباره موافقة مني على التصرف في الأرض.

كما كشفت المستندات إن أحمد كان على علم بمحاولة استخدام الأرض للحصول على تمويل لمشروع كريم، وإنه قدّم معلومات غير صحيحة عن موافقتي.

أما مسؤولية كل شخص عن إعداد المستندات أو تقديمها، فتمت إحالتها للفحص والتحقيق وفق الإجراءات القانونية.

والأهم إن محاولة نقل حق الانتفاع بالأرض ما اكتملتش، وحقوقي ما ضاعتش.

لما الأستاذ شريف بلغني بالنتائج الأولية، حسيت لأول مرة من يوم وفاة أبويا إن صدري بقى أوسع، وإنني أقدر أتنفس من غير ما أحس إن فيه حجر فوق قلبي.

لكن كان فيه قرار تاني لازم آخده.

قرار يخص جوازي.

في مساء يوم هادئ، رجع أحمد البيت وطلب نتكلم.

كان شكله مختلفًا. مفيش الابتسامة الواثقة اللي كان بيقابلني بيها، ولا نبرة الأوامر اللي اتعودت أسمعها منه.

قعد قدامي وقال:

«أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة.»

ما رديتش.

كمل:

«أنا كنت تحت ضغط كبير. كريم كان مديون، وماما كانت كل يوم تتكلم عن الفلوس، وأنا افتكرت إن استخدام الأرض كضمان هيكون مجرد إجراء مؤقت.»

سألته:

«ولما عرفت إن الورق مش بموافقتي، ليه ما قلتليش الحقيقة؟»

نزل عينيه للأرض.

«كنت خايف إنك ترفضي، وإن المشروع يقع.»

قلت:

«يعني كنت عارف إنك لو قلت لي الحقيقة، ممكن أرفض. فقررت تاخد القرار مكاني؟»

ما ردش.

فكملت:

«والموبايل اللي حاولت تمنع المحامي يشغله؟ والصورة اللي أنكرت وجودها؟ والفلوس اللي كنت بتخطط تصرفها قبل حتى ما نعرف تفاصيل الوصية؟ كل ده كان مجرد ضغط؟»

رفع رأسه وقال:

«أنا غلطت يا سلمى.»

كانت أول مرة أسمعه يعترف بوضوح إنه غلط.

لكن الاعتراف وحده ما كانش كفاية.

قلت له:

«أنا مش محتاجة وعد جديد منك. أنا محتاجة أعرف إذا كنت أقدر أعيش مع شخص شايف إن من حقه يقرر عني، ويخفي عني الحقيقة، وبعدها يطلب مني أعتبر كل ده مجرد غلطة.»

بدأ يبكي.

«أنا بحبك.»

بصيت له بحزن.

«يمكن تكون بتحبني بطريقتك يا أحمد، لكن الحب من غير احترام وثقة بيبقى كلام ملوش قيمة.»

سكتنا فترة طويلة.

وبعدين قلت له إني قررت أنهي الجواز، وإن المحامي هيتابع الإجراءات المتعلقة بحقوقي وحقوق التركة.

حاول يقنعني أغير رأيي، وطلب فرصة أخيرة.

لكنني كنت اتخذت قراري بعد تفكير طويل.

ما كانش القرار انتقامًا منه، ولا رغبة في إذلاله.

كان قرارًا بأني مش هقدر أعيش باقي عمري وأنا خايفة أسأل عن حقي، أو مضطرة أراجع كل كلمة وكل ورقة خوفًا من إن حد يستغل ثقتي.

وبعد فترة، انتهت إجراءات الانفصال بالطرق القانونية.

أما كريم، فاضطر يواجه نتائج معاملاته المالية، وتوقفت خطة التمويل اللي كان بيعتمد فيها على الأرض.

وحماتي، اللي كانت اختارت الفيلا بالفعل، اكتشفت إن الأحلام اللي بنتها على ميراث مش ملكها مش هتتحقق.

ما اشتريتش الفيلا، وما سددتش ديونهم، وما حاولتش أستغل أزمتهم عشان أنتقم منهم.

كل اللي عملته إني سيبت القانون ياخد مجراه، وركزت على حياتي.

بعد مرور ستة أشهر، رجعت لورشة أبويا.

كان المكان محتاج شغل كتير، لكنني قررت أحافظ عليه وأطوره بدل ما أبيعه.

وبمساعدة الأستاذ شريف وعدد من المتخصصين، بدأت أراجع أوراق المشروع اللي أبويا كان بيحلم ينفذه على أرضه.

اكتشفت إنه كان قد بدأ بالفعل خطوات أولية لإنشاء مركز لتدريب الشباب على إصلاح السيارات والحرف الفنية، وإنه كان عايز يوفر فرصًا للشباب اللي ظروفهم ما تسمحش لهم بالدراسة أو التدريب المكلف.

وقفت يوم افتتاح المركز، وسط مجموعة من الشباب اللي جايين يتعلموا مهنة تساعدهم يبدأوا حياتهم.

كان فيه شاب اسمه يوسف، عمره تسعتاشر سنة، وقف قدامي وقال:

«يا أستاذة سلمى، أنا كنت فاكر إني مش هقدر أتعلم صنعة كويسة عشان ظروف البيت. بس المكان ده اداني فرصة ما كنتش بحلم بيها.»

ابتسمت له، وحسيت بدموعي بتتجمع في عيني.

افتكرت أبويا، وكلامه عن إن الأرض دي مش مجرد ممتلكات، وإن فيه ناس اعتمدت على وعده ليهم.

في اللحظة دي فهمت إن أعظم حاجة سابهالي ما كانتش قيمة العقارات، ولا رصيد البنك، ولا حتى الورشة نفسها.

أعظم حاجة سابهالي كانت القدرة إني أختار حياتي بنفسي، وأحافظ على حلمه من غير ما أسمح لحد يستغله.

بعد انتهاء الافتتاح، دخلت مكتبه القديم.

كان موبايله لسه موجودًا في درج مكتبي، جنب صورة لينا وإحنا قاعدين قدام الورشة وأنا طفلة صغيرة.

مسكت الصورة وابتسمت.

قلت بصوت منخفض:

«عملتها يا بابا. حافظت على تعبك، وما ضيعتش الحلم اللي كنت بتحلم بيه.»

فتحت درج المكتب، ووضعت الصورة جوار دفتر حساباته القديم.

وقبل ما أقفل الدرج، لاحظت ورقة صغيرة كانت مستخبية بين صفحات الدفتر.

فتحتها، ولقيت رسالة قصيرة بخط أبويا:

«يا سلمى، لو وصلتي لليوم اللي تقدري فيه تبصي للماضي من غير خوف، اعرفي إنك بقيتي أقوى مما كنتِ تتخيلي. ما تخليش الخيانة تخليكي تشكي في كل الناس، وما تخليش الخوف يمنعك تثقي في نفسك.»

قريت الرسالة مرتين، وبعدين ضممتها لصدري.

لأول مرة من شهور، بكيت من غير ما أحس بالعجز.

بكيت لأنني افتقدت أبويا، ولأنني عرفت إن الحزن ممكن يفضل موجودًا، لكن مش لازم يمنعنا نكمل حياتنا.

خرجت من المكتب، ووقفت أبص للشباب وهم بيتدربوا في الورشة.

كانت أصوات الأدوات والضحكات بتملأ المكان، وكأن حياة جديدة بدأت تنمو وسط جدران المكان اللي أبويا قضى عمره فيه.

وفي اللحظة دي، عرفت إن أحمد خسر جوازي، لكنه ما كانش قادر ياخد مني مستقبلي.

وحماتي خسرت الفيلا اللي حلمت بيها، لكنها ما كانتش هي كمان صاحبة القرار في حياتي.

أما أنا، فاستعدت حاجة أهم من أي ميراث.

استعدت حقي في إني أعيش من غير خوف، وأثق في نفسي، وأعرف إن السكوت مش ضعف… وإن التسامح مش معناه إننا نسمح للناس تكرر أذاها.

رحل أبويا، لكن وصيته فضلت معايا.

وكل يوم كنت بدخل فيه المركز وأشوف شاب بيتعلم صنعة جديدة، كنت بحس إن جزءًا من حلمه لسه عايش.

لأن بعض الآباء ما بيسيبوش لأولادهم فلوس وبس… بيسيبوا لهم القوة اللي تخليهم يقفوا من جديد، حتى بعد ما أقرب الناس ليهم يحاولوا يكسروهم.

تمت بحمد الله

لو عجبتكم القصة، شاركونا رأيكم: هل سلمى كانت صح لما قررت تنهي جوازها، ولا كان المفروض تدي أحمد فرصة أخيرة؟

والأهم، افتكروا دايمًا: الثقة أساس أي علاقة، لكن الثقة مش معناها إن الإنسان يتنازل عن حقه أو يتجاهل الحقيقة عشان يرضي الآخرين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى