
الجزء التاني: الراجل الغريب اللي ظهر وقت ما كنت فاكرة إن الدنيا كلها اتخلّت عني
الباب اتفتح أخيرًا، والراجل الغريب طلع الأتوبيس بسرعة، والمطر بينزل من هدومه على أرضية الممر.
أول ما قرب مني، نزل على ركبته قدامي وقال بصوت ثابت رغم القلق اللي كان واضح في عينيه:
«ليلى منصور؟»
اتصدمت.
إزاي يعرف اسمي؟
حاولت أتكلم، لكن الألم قطع نفسي، فمسكت بطني وغمضت عيني.
كرر سؤاله بسرعة:
«إنتِ ليلى منصور، مرات آدم الشافعي؟»
بصيت له بخوف وقلت:
«أيوه… إنت مين؟ وإنت عرفت اسمي منين؟»
ما ردش على سؤالي فورًا. خلع بالطوه وحطه حواليا علشان يدفيني، وبعدها التفت للسائق وقال بحزم:
«الإسعاف في الطريق؟»
رد واحد من الركاب:
«أيوه، بلغناهم من شوية».
هز الراجل رأسه، وبعدها رجع بص ليّ.
«اسمي يوسف الراوي. أنا طبيب، ومش هسيبك لوحدك. حاولي تتنفسي بهدوء لحد ما نوصل للمستشفى».
طبيب!
لأول مرة من بداية الليلة، حسّيت إن فيه حد ممكن يساعدني فعلًا.
لكن سؤالي عن إزاي عرف اسمي فضل محاصرني.
قبل ما أقدر أسأله تاني، جالي ألم جديد خلاني أصرخ من شدته.
يوسف مد إيده علشان يسندني، وقال للست اللي كانت قاعدة جنبي:
«ممكن تساعديني ونخليها في وضع مريح؟ من فضلك ما تحاولوش تحركوها بعنف».
وبعد لحظات، سمعنا صوت سيارة الإسعاف وهي بتقرب.
يوسف نزل معايا، وركب عربية الإسعاف، وفضل جنبي طول الطريق.
كنت ماسكة إيده بقوة، وكل اللي قدرت أقوله:
«أرجوك… ولادي. أنا مش عايزة أخسرهم».
بص ليّ بعينين مليانين اهتمام وقال:
«هنعمل كل اللي نقدر عليه علشان نحافظ عليكي وعلى الأطفال. إنتِ ركزي معايا وخدي نفس ببطء».
وصلنا المستشفى، وفريق الطوارئ استقبلني على الفور.
اتنقلت لقسم النساء والولادة، وبدأ الأطباء يفحصوني ويتابعوا نبض الأطفال.
كنت سامعة أصوات الأجهزة حواليا، وكلام الأطباء السريع، لكن عقلي كان في مكان تاني تمامًا.
كنت بفكر في آدم.
في الراجل اللي وعدني إنه هيكون جنبي طول العمر، واللي سابني في الشارع وأنا حامل في أطفاله.
كنت بفكر في سرير الأطفال اللي اشتريناه، والهدوم الصغيرة اللي رتبتها بعناية، والأسماء اللي كنا بنتناقش فيها كل ليلة.
إزاي كل ده انتهى في يوم واحد؟
بعد وقت حسّيته أطول من العمر كله، دخلت طبيبة شابة، ووقفت جنب سريري.
قالت بهدوء:
«أنا الدكتورة مريم. إحنا بنتابع حالتك وحالة الأطفال، لكن لازم تعرفي إن الولادة في الأسبوع ده فيها مخاطر، خصوصًا مع الحمل في ثلاثة توائم».
حسّيت إن الدم انسحب من وشي.
سألتها بصوت مرتعش:
«يعني ممكن ما يعيشوش؟»
قعدت جنبي وقالت:
«إحنا مش هنقدر نضمن النتيجة، لكن الفريق جاهز، ولو احتاجوا رعاية مركزة لحديثي الولادة، هتكون متوفرة. دلوقتي أهم حاجة إننا نتابعك لحظة بلحظة».
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كنت محتاجة آدم في اللحظة دي، حتى بعد كل اللي عمله.
كنت محتاجة حد من عيلتي يمسك إيدي ويقول لي إن كل حاجة هتعدّي.
لكن ما كانش فيه حد.
بعد شوية، خرجت الدكتورة مريم، ودخل يوسف الغرفة بعد ما استأذن الفريق الطبي.
كان غيّر هدومه المبلولة، ووشه باين عليه الإرهاق.
بص ليّ وقال:
«إنتِ أحسن شوية؟»
هزيت رأسي، وبعدها سألت السؤال اللي كان شاغلني من ساعة ما شفته.
«إنت عرفت اسمي منين؟ وليه كنت بتدور عليّ؟»
يوسف سكت للحظات.
وبعدين سحب كرسي وقعد جنبي.
«أنا ما كنتش بدوّر عليكي في الأتوبيس يا ليلى. أنا كنت راجع من اجتماع قريب من المكان، ولما شفت الأتوبيس واقف والناس متجمعة، نزلت أشوف لو فيه حد محتاج مساعدة».
بصيت له بعدم تصديق.
«يعني دي كانت صدفة؟»
رد بهدوء:
«إني كنت موجود في المكان ده، أيوه. لكن إني أعرف اسمك، فدي حكاية تانية».
قلبي بدأ يدق بسرعة.
«إنت تعرفني من قبل كده؟»
أخرج يوسف محفظته، وطلع منها بطاقة صغيرة، حطها على الترابيزة اللي جنب سريري.
كانت بطاقة عمل عليها اسمه واسم مؤسسة طبية كبيرة في القاهرة.
قال:
«أنا مدير طبي في مستشفى تابع لمجموعة الراوي. ومن حوالي شهر، وصلني ملف طبي عن حالة حمل معقدة لزوجة أحد رجال الأعمال المعروفين. الاسم اللي كان مكتوب في الملف هو ليلى منصور».
افتكرت فورًا إن آدم كان بيتعامل مع مستشفى خاص، وإنه أحيانًا كان بيطلب مني أبعث له صور التقارير الطبية علشان يرتب بعض الإجراءات من خلال معارفه.
لكن ليه الملف وصل ليوسف؟
سألته:
«إنت كنت تعرف إن آدم سابني؟»
ملامحه اتغيّرت.
«لأ. أنا ما كنتش أعرف أي حاجة عن ظروفك الشخصية. ولما شفتك على الأتوبيس، ما كنتش متأكد إنك نفس الشخص الموجود في الملف غير لما سمعت اسمك».
بصيت للبطاقة مرة تانية، وبعدها قلت:
«طيب، ليه مهتم تساعدني بالشكل ده؟»
ابتسم ابتسامة بسيطة.
«لأنك محتاجة مساعدة، ولأنك مش مطالبة تثبتي لأي حد إنك تستحقيها».
الجملة دي كسرت آخر حاجز كنت بحاول أحافظ عليه.
غطيت وشي بإيدي وعيطت.
عيطت على جوازي اللي انتهى، وعلى البيت اللي اتطردت منه، وعلى الأطفال اللي لسه ما شافوش النور، وعلى نفسي اللي فضلت سنين أبرر تصرفات راجل ما كانش بيحترمني.
يوسف ما حاولش يسكتني، ولا قال لي إن كل حاجة بسيطة.
فضل قاعد جنبي لحد ما هديت.
وبعدين قال:
«فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. المستشفى هتوفر لك الرعاية اللازمة، ومش مطلوب منك تدفعي أي حاجة دلوقتي قبل ما نعرف تفاصيل التغطية الطبية وحقوقك».
بصيت له بدهشة.
«أنا ما معيش فلوس يا دكتور يوسف. حسابي اتجمّد، وبطاقاتي مش شغالة».
رد بحزم:
«ده مش سبب يخليكي تتأخري عن العلاج. الأول سلامتك وسلامة الأطفال، وبعد كده نشوف الإجراءات المناسبة».
لأول مرة من ساعات طويلة، قدرت آخد نفس عميق.
لكن الهدوء ما استمرش طويلًا.
بعد حوالي ساعة، دخلت ممرضة وقالت إن فيه شخص بره بيسأل عني بإلحاح.
سألتها:
«مين؟»
ردت:
«بيقول إنه زوجك، واسمه آدم الشافعي».
جسمي كله اتشنّج.
آدم!
إيه اللي جابه هنا؟
هل عرف إني في المستشفى؟
هل جه علشان يطمن على أطفاله؟
ولا جه علشان يضمن إن اللي حصل الليلة دي ما يسببش له أي مشكلة؟
بصيت ليوسف، ولاحظت إن ملامحه بقت جادة.
سألني:
«تحبي أقوله يدخل؟»
فضلت ساكتة لحظات.
جزء مني كان عايز يشوفه ويسأله إزاي قدر يعمل فيّ كده.
وجزء تاني كان خايف من مجرد سماع صوته.
أخيرًا قلت:
«خليه يدخل».
بعد دقيقة، اتفتح الباب.
دخل آدم ببدلته الأنيقة، وموبايله في إيده، وملامحه متوترة.
أول ما شافني على السرير، بص لبطني، وبعدها نقل نظره ليوسف.
قال بحدة:
«إنت مين؟ وإيه اللي بتعمله جنب مراتي؟»
يوسف وقف بهدوء ورد:
«أنا الدكتور يوسف الراوي. كنت موجود وقت ما احتاجت مساعدة، وجيت أطمن على حالتها».
آدم ما اهتمش بالإجابة.




