
الجزء الثاني
حطيت الملف قدام سناء بهدوء.
كانت الفاتورة لسه في إيدها.
23,289 دولار.
فضلت تبص للرقم كأنها مش قادرة تستوعبه.
وبعدين رفعت عينيها ليّ.
“مريم… إيه ده؟”
ابتسمت بهدوء.
“ده حسابكم.”
واحدة من الستات ضحكت وقالت:
“أكيد بتهزري!”
سناء بصت لها بسرعة، وبعدها رجعت تبص لي.
“إنتِ مش هتخليني أدفع المبلغ ده، صح؟”
قلت:
“ليه لأ؟”
اتغيرت ملامحها.
“لأني حماتك!”
رديت بمنتهى الهدوء:
“وده مش مطعم مجاني.”
سناء بدأت تتوتر.
“بس أنا قلتلك من البداية إني جاية أعزمهم.”
“وأنا وافقت.”
“يعني إيه؟”
“يعني طلبتي أغلى حاجة عندنا… وأنا قلت للموظفين يقدموها لكم.”
واحدة من صاحباتها قالت:
“بس يا سناء، إنتِ قلتي إن المطعم بتاع العيلة!”
بصت لها سناء بضيق.
“هو فعلًا بتاع العيلة!”
وقتها فتحت الملف.
طلعت أول ورقة.
وحطيتها قدامها.
“عندك حق.”
سناء ابتسمت.
“أهو.”
قلت:
“المطعم فعلًا بتاع العيلة.”
وبعدين أشرت للورقة.
“بس مش بالطريقة اللي إنتِ فاكرها.”
اختفت ابتسامتها.
“يعني إيه؟”
قلت:
“اقري.”
مسكت الورقة بإيد مرتعشة.
كانت صورة من أوراق تأسيس المطعم.
اسمي موجود.
نسبة الملكية موجودة.
وتاريخ تأسيس الشركة موجود.
لكن اسم عمر…
مش موجود.
واسم سناء…
مش موجود.
رفعت رأسها.
“دي ورق قديم.”
طلعت ورقة تانية.
“وده كشف الحساب البنكي.”
وبعدين ورقة تالتة.
“وده سجل كل التحويلات اللي خرجت من حساب المطعم.”
سناء بدأت تقلب الأوراق بسرعة.
وفجأة اتجمدت.
كان فيه جدول كامل.
تواريخ.
مبالغ.
أسماء فنادق.
محلات مجوهرات.
تحويلات إلكترونية.
ومبالغ اتدفعت لجهة واحدة بشكل متكرر.
سناء همست:
“إنتِ كنتِ بتراقبي عمر؟”
رديت:
“لأ.”
وسكت لحظة.
“كنت براقب فلوسي.”
الستات بقوا ساكتين.
واحدة منهم قربت من سناء وقالت:
“هو عمر فعلًا كان بياخد فلوس من المطعم؟”
سناء ضربت بإيدها على الترابيزة.
“مريم، إنتِ بتحاولي تفضحيني قدام الناس؟”
قلت:
“أنا معملتش حاجة.”
وأشرت للملف.
“أنا بس وريتك اللي حصل.”
وبعدين فتحت صفحة معينة.
“بس لسه ما وصلناش للجزء المهم.”
سناء بصت لي بقلق.
“إيه الجزء المهم؟”
طلعت صورة.
صورة لعمر.
كان واقف قدام فندق فاخر في القاهرة.
وجنبه نفس البنت اللي كانت سناء بتتكلم عنها من شوية.
سناء سكتت.
إحدى السيدات شهقت:
“دي هي؟”
بصيت لسناء.
“أيوه.”
وبعدين حطيت الصورة قدامها.
“ودي واحدة من اللي اتدفعت لهم فلوس من حساب المطعم.”
سناء مسكت الصورة.
وبدأت ملامحها تتغير.
لكنها فجأة ضحكت.
ضحكة مصطنعة.
“عمر أكيد كان بيرجع الفلوس.”
رديت:
“كان بيرجعها؟”
“أيوه.”
“طيب شوفي دي.”
طلعت كشف تحويلات جديد.
“آخر تحويل حصل من يومين.”
كان المبلغ كبير.
والاسم واضح.
نفس الاسم.
سناء بلعت ريقها.
لكنها حاولت تتمسك بموقفها.
“حتى لو عمر عمل كده، دي مشكلة بينك وبينه.”
قلت:
“كان ممكن تكون.”
وبعدين قربت منها.
“لو إنتِ ما جيتيش النهارده ومعاكي 38 واحدة، وطلبتي منهم ياكلوا على حسابي.”
سناء سكتت.
كملت:
“لكن إنتِ دخلتي مطعمي قدام الموظفين والزبائن، وقلتي إن ابنك هو اللي مالكه.”
“وقلتي إن كل الفلوس في النهاية بتفضل في العيلة.”
“وده كان كفاية جدًا.”
سناء بصت حواليها.
صاحباتها بقوا بيتبادلوا النظرات.
بعضهم بدأ يبعد عنها.
واحدة قالت:
“سناء… إنتِ كنتِ عارفة إن عمر بياخد الفلوس دي؟”
سناء ما ردتش.
سألتها تاني:
“كنتِ عارفة؟”
سناء انفجرت:
“أيوه!”
ساد الصمت.
وبعدين قالت بعصبية:
“كنت عارفة!”
رفعت عينيها ليّ.
“بس هو ابني!”
رديت:
“وأنا كنت مرات ابنك.”
قالت:
“إنتِ عمرك ما فهمتي معنى العيلة.”
ابتسمت بحزن.
“أنا فهمت معنى العيلة أكتر منكم.”
وبعدين حطيت آخر ورقة قدامها.
“وعشان كده… دي آخر حاجة.”
سناء بصت للورقة.
ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي على وشها.
“إيه دي؟”
قلت:
“إشعار قانوني.”
فتحت عينيها.
“إشعار بإيه؟”
“بإن كل الأموال اللي خرجت من حساب المطعم بدون إذن، هتتم مراجعتها قانونيًا.”
اتنفست بصعوبة.
“إنتِ مش هتعملي كده.”
قلت:
“عملتها بالفعل.”
في اللحظة دي، تلفونها رن.
بصت للشاشة.
عمر.
فتحت الخط.
“ألو؟”
جاء صوته متوترًا.
“ماما… إنتِ فين؟”
بصت لي.
“أنا في مطعم مريم.”
سكت عمر ثانيتين.
وبعدين قال:
“إيه اللي حصل؟”
سناء قالت:
“هي عرفت.”
“عرفت إيه؟”
بصيت لها.
وقلت بصوت مسموع:
“خليه يسمع.”
سناء قربت الهاتف من أذنها.
قلت:
“خليه يعرف إن الحساب جاهز.”
“وإن الملف كمان جاهز.”
ومن الطرف الآخر، سمعت صوت عمر يتغير.
“ماما… إنتِ عملتي إيه؟”
سناء بصت لي بصدمة.
لأنها لأول مرة فهمت إن عمر نفسه…
كان خايف.
وقبل ما تقفل المكالمة، سمعنا صوته يقول:
“ماما، متوقعيش على أي حاجة… أنا جاي حالًا.”
قفلت سناء الهاتف.
وبصت لي.
“إنتِ هتدمرينا.”
رديت:
“لأ.”
وسحبت الفاتورة ناحيتها.
“أنا بس هخلي كل واحد يدفع تمن اللي عمله.”
لكن قبل ما ترد…
دخل عمر المطعم.
وكان لوحده.
أو على الأقل…
ده اللي كنا فاكرينه.
لأنه أول ما دخل، اتجه ناحيتنا، وبص لسناء، وبعدين بص لي.
وقال جملة واحدة جعلت كل الموجودين يسكتوا:
“مريم… إنتِ ما تعرفيش كل الحقيقة.”
يتبع في الجزء الثالث
الجزء الثالث
“مريم… إنتِ ما تعرفيش كل الحقيقة.”
الجملة وقعت على المطعم كله كأنها قنبلة.
بصيت لعمر من غير ما أتكلم.
كان واقف عند باب المطعم، وشه شاحب، وأنفاسه سريعة، وبيحاول يخفي توتره.
أما سناء…
فكانت أول واحدة تتكلم.
“عمر، اقعد.”
بص لها.
“ماما، إنتِ إيه اللي عملتيه؟”
قالت بعصبية:
“أنا؟! إنت اللي قلتلي أعمل اللي أنا عملته!”
اتجمد مكانه.
واحدة من صاحباتها قالت:
“يعني إنت كنت عارف؟”
عمر ما ردش.
وده كان كفاية.
بصيت له وقلت:
“اقعد يا عمر.”
قرب من الترابيزة.
“مريم، اسمعيني الأول.”
قلت:
“أنا سمعت كتير.”
“بس الحقيقة…”
قاطعته:
“الحقيقة إنك كنت بتسحب فلوس من حساب المطعم.”
“أنا هرجعهم.”
ضحكت بسخرية خفيفة.
“إمتى؟”
سكت.
قلت:
“بعد سنة؟ خمس سنين؟ ولا بعد ما المطعم يفلس؟”
عمر قرب مني.
“أنا ما كنتش ناوي أضيع فلوسك.”
رديت فورًا:
“بس ضيعتها.”
“كنت محتاجها.”
“عشان إيه؟”
سكت.
بصيت لسناء.
هي كمان ما اتكلمتش.
فقلت:
“عشان البنت؟”
عمر نزل عينيه.
واحدة من السيدات شهقت.
“يا نهار أبيض…”
عمر رفع عينيه بسرعة.
“الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.”
قلت:
“يبقى قول.”
سكت ثواني.
وبعدين قال:
“أنا ما كنتش بصرف عليها زي ما فاكرة.”
سناء قاطعته:
“عمر!”
بص لها.
“ماما، كفاية.”
لأول مرة أشوف عمر بيتكلم مع أمه بالشكل ده.
كمل:
“هي كانت بتطلب فلوس مني، وأنا كنت بخاف.”
سألته:
“بتخاف من إيه؟”
قال:
“من إنها تفضحني.”
سألته:
“تفضحك بإيه؟”
قبل ما يرد، سناء قامت من مكانها.
“عمر، متقولش حاجة.”
بصيت لها.
“ليه؟”
قالت:
“عشان الموضوع انتهى.”
قلت:
“بالنسبة لك.”
وبعدين رجعت أبص لعمر.
“مش بالنسبة لي.”
عمر مسح وشه بإيده.
وقال:
“البنت دي كانت بتبتزني.”
سادت حالة من الصمت.
قلت:
“بتبتزك؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
“وعشان كده كنت بتديها فلوس؟”
“في البداية كنت بدفع عشان تسكت.”
“وبعدين؟”
“المبالغ كبرت.”
بصيت له.
“وكنت بتاخد الفلوس من حساب المطعم.”
قال:
“أيوه.”
قلت:
“من غير إذني.”
سكت.
“أيوه.”
في اللحظة دي، حسيت إن كل شيء كان واضحًا.
الخيانة.
السرقة.
الكذب.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد:
“طيب مين البنت دي؟”
عمر فتح فمه.
لكن سناء سبقته.
وقالت:
“دي مش عشيقته.”
بصيت لها.
“أمال مين؟”
سناء بدأت تتردد.
عمر قال:
“مريم… الموضوع بدأ قبل ما أتجوزك.”
الجملة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
لكنني حافظت على هدوئي.
“وبعدين؟”
قال:
“هي كانت مرتبطة بيا زمان.”
“وانتهت العلاقة.”
“لكن بعد سنين ظهرت تاني.”
قلت:
“وكانت بتبتزك.”
“أيوه.”
“طب إيه اللي كانت مهدداك بيه؟”
عمر سكت.
ثم قال:
“كانت معاها مستندات.”
سألته:
“مستندات إيه؟”
نظر إلى أمه.
سناء قالت:
“كفاية.”
لكن عمر هذه المرة لم يسمع كلامها.
قال:
“مستندات تخص تأسيس المطعم.”
بصيت له باستغراب.
“إيه علاقتها بالمطعم؟”
قال:
“لأنها كانت موجودة يوم توقيع بعض الأوراق.”
سألت:
“أي أوراق؟”
عمر لم يرد.
فقلت:
“عمر.”
قال أخيرًا:
“الأوراق اللي كانت بتثبت إن أمي كانت بتحاول تدخل شريك في المطعم من غير علمك.”
نظرت إلى سناء.
وجهها تغير تمامًا.
قلت:
“إنتِ كنتِ بتحاولي تاخدي جزء من المطعم؟”
سناء انفجرت:
“أنا أمه!”
قلت:
“ده مش رد.”
قالت:
“أنا كنت بحاول أحمي حق ابني!”
ضحكت بمرارة.
“ابنك اللي ما دفعش جنيه واحد في المطعم؟”
سناء ردت:
“إنتِ مراته!”
“بالضبط.”
وبعدين قلت:
“مش بنك مفتوح.”
عمر وقف بيننا.
“مريم، أنا غلطت.”
قلت:
“غلطت؟”
وأشرت إلى الفاتورة.
“دي غلطة؟”
وأشرت إلى الملف.
“ودي غلطة؟”
ثم قلت:
“والتحويلات دي كلها غلطة؟”
سكت.
قربت منه.
“أنا كنت مستعدة أسامحك على حاجات كتير.”
“لكن إنت ما سرقتش فلوسي بس.”
“إنت خلت أمك تصدق إن من حقها تدخل مطعمي وتذلني قدام الناس.”
عمر قال:
“أنا آسف.”
قلت:
“الاعتذار جه متأخر.”
وفجأة…
رن تلفون سناء.
بصت للشاشة.
وشها اتغير.
“مين؟”
سألتها.
ما ردتش.
مدت لي الهاتف.
كان رقم غير مسجل.
رديت.
صوت امرأة جاء من الطرف الآخر:
“لو مريم موجودة، خليها تسمعني.”
بصيت لعمر.
هو اتجمد.
قلت:
“أنا مريم.”
قالت المرأة:
“أنا داليا.”
الاسم اللي شفته عشرات المرات في كشوف التحويلات.
سألتها:
“عايزة إيه؟”
قالت:
“عايزة أقولك الحقيقة قبل ما عمر يقولها لك بطريقته.”
عمر صاح:
“مريم، متسمعيش لها!”
لكن داليا أكملت:
“الفلوس اللي عمر كان بيدفعها لي… مش كلها كانت مقابل سكوتي.”
سألتها:
“أمال كانت مقابل إيه؟”
قالت:
“كنت بشتري بيها حاجة.”
سكتُّ.
“حاجة إيه؟”
قالت:
“نسخ من مستندات.”
نظرت إلى عمر.
ثم إلى سناء.
قالت داليا:
“ولو عايزة تعرفي مين كان بيدفع أكتر عشان المستندات دي تختفي…”
توقفت لحظة.
ثم قالت:
“اسألي حماتك.”
انقطع الاتصال.
المطعم كله كان ساكت.
بصيت لسناء.
كانت قاعدة مكانها، لكن لأول مرة ما قدرتش ترفع عينيها في عيني.
قلت:
“إنتِ كنتِ بتدفعي لداليا؟”
ما ردتش.
قلت بصوت أقوى:
“سناء!”
رفعت عينيها أخيرًا.
وقالت:
“أنا كنت بحاول أنقذ العيلة.”
رديت:
“من إيه؟”
قالت:
“من الحقيقة.”
وفي اللحظة دي، حازم جري ناحيتي.
كان ماسك ظرف بني كبير.
وقال:
“مريم… الظرف ده وصل من شوية.”
أخذته.
كان عليه اسمي.
لكن المرسل كان مجهولًا.
فتحته.
خرجت منه مجموعة صور ومستندات.
وأول صورة شفتها…
خلت إيدي تتجمد.
لأنها كانت صورة عمر وسناء مع شخص لم أره من قبل…
أمام مكتب محاماة.
وتاريخ الصورة كان قبل تأسيس مطعمي بأسبوعين.
وفي أسفل الصورة كانت هناك جملة مكتوبة بخط اليد:
“لو عايزة تعرفي مين خطط لكل ده من البداية… دوري على الاسم الموجود في عقد الشراكة الأصلي.”
رفعت عيني عن الصورة.
وبصيت لعمر.
ثم لسناء.
وقلت:
“فين عقد الشراكة الأصلي؟”
سناء لم تجب.
لكن عمر قال بصوت منخفض:
“اتحرق.”
سكت لحظة.
ثم ابتسمت.
“لو اتحرق فعلًا…”
ورفعت المستندات.
“إزاي النسخة دي وصلت لي؟”
عمر لم يرد.
وفي نفس اللحظة…
باب المطعم اتفتح.
ودخل رجل في الخمسينات من عمره، يحمل حقيبة جلدية.
نظر مباشرة إلى سناء.
وقال:
“واضح إن الوقت جه عشان تعرفي الحقيقة كاملة يا مريم.”
ثم وضع الحقيبة على الطاولة.
وقال:
“أنا كنت المحامي اللي كتب العقد الأصلي.”
يتبع في الجزء الرابع
الجزء الرابع
فضلت واقفة مكاني، وأنا ببص للرجل اللي دخل المطعم.
كان في الخمسينات من عمره، لابس بدلة رمادي غامق، وماسك حقيبة جلدية قديمة.
بص لسناء أولًا.
وبعدين لعمر.
وبعدها وجه عينيه ناحيتي.
“أنا اسمي المستشار فؤاد منصور.”
سناء قامت من مكانها فجأة.
“إنت بتعمل إيه هنا؟!”
الرجل رد بهدوء:
“جاي أنفذ وعد قطعته من سنين.”
سناء قربت منه.
“إنت وعدتني إن الملف ده انتهى!”
فؤاد هز رأسه.
“أنا وعدتك إني أحافظ على السر لحد ما الحقيقة تظهر.”
وبعدين بص لي.
“والنهارده الحقيقة ظهرت.”
حازم وقف بعيد، والموظفين كلهم كانوا بيتابعوا الموقف.
قلت:
“إيه العقد الأصلي؟”
فؤاد حط الحقيبة على الترابيزة وفتحها.
طلع ملف كبير، أصفر من الأطراف، ووضعه قدامي.
“ده عقد تأسيس المطعم.”
فتحت أول صفحة.
اسمي كان موجودًا.
مريم عبدالسلام.
وتحته نسبة الملكية.
100%.
تنفست براحة للحظة.
لكن فؤاد قال:
“دي النسخة النهائية.”
قلبت الصفحة.
“أمال إيه المشكلة؟”
قال:
“المشكلة في النسخة اللي قبلها.”
طلع ورقة أخرى.
“قبل ما توقعي العقد النهائي، كان فيه اتفاق مختلف.”
قلب الورقة ناحيتي.
قرأت.
وفجأة فهمت.
كان مكتوب إن المطعم، بعد تحقيق أرباح معينة، هيتم تحويل جزء من ملكيته إلى شركة عائلية.
والشركة دي…
كانت باسم سناء.
بصيت لها.
“إنتِ كنتِ عايزة تاخدي المطعم؟”
صرخت:
“مش كده!”
فؤاد قاطعها:
“ده بالضبط اللي حصل.”
سناء بصت له بغضب.
“إنت كنت بتنفذ تعليماتي!”
قال:
“كنت محاميًا، مش شريكًا في المؤامرة.”
عمر قال:
“ماما… ليه؟”
سناء التفتت له.
“عشان أحميك.”
قال:
“تحميني من إيه؟”
“من إنها تسيبك.”
بصيت لها.
“أنا؟”
قالت:
“كنت عارفة إنك في يوم من الأيام هتسيبيه.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“وعشان كده كنتِ عايزة تاخدي مطعمي؟”
قالت:
“كنت عايزة أضمن إن ابني ما يخرجش خالي الوفاض.”
رديت:
“هو أصلًا ما دخلش المطعم بحاجة.”
سكتت.
فؤاد أخرج ورقة أخرى.
وقال:
“لكن فيه حاجة أهم.”
بصيت له.
“إيه؟”
قال:
“الاتفاق ده لم يتم تنفيذه.”
“ليه؟”
“لأن مريم رفضت توقيعه.”
بصيت إليه.
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى من زمان.
قال:
“لكن شخصًا آخر وقّع بدلًا منها.”
اتجمدت.
“مين؟”
فؤاد نظر إلى عمر.
عمر نزل رأسه.
قلت:
“عمر؟”
لم يرد.
فؤاد قال:
“التوقيع الموجود هنا كان باسم زوجك.”
حدقت في الورقة.
“يعني عمر حاول يضيف ملكية المطعم من غير علمي؟”
عمر قال:
“كنت صغير وغبي.”
صرخت:
“كان عندك كام سنة؟!”
“ثلاثين.”
سكتُّ.
ثم قلت:
“يعني مش صغير.”
عمر لم يجد ما يقوله.
فؤاد أكمل:
“لكن العقد لم يصبح ساريًا.”
سألت:
“ليه؟”
قال:
“لأن التوقيع غير قانوني، ولأن الملكية الأصلية كانت مسجلة باسمك وحدك.”
بصيت لسناء.
“يعني كل السنين دي…”
قال فؤاد:
“المطعم ملكك.”
ثم أضاف:
“وكل الأموال اللي خرجت منه من غير موافقة منك… لازم تتراجع.”
سناء جلست على الكرسي.
بدت لأول مرة وكأنها فقدت كل قوتها.
لكنني لم أشعر بالانتصار.
كنت أشعر بالخذلان.
كل شيء بنيته بإيدي…
كان أقرب لأن يضيع بسبب أشخاص كنت أعتبرهم عيلتي.
فؤاد فتح حقيبته مرة أخرى.
وأخرج ملفًا صغيرًا.
“فيه حاجة أخيرة.”
قلت:
“إيه؟”
قال:
“التحويلات اللي حصلت خلال آخر 3 شهور… مش كلها تخص عمر.”
بصيت له.
“يعني إيه؟”
قال:
“جزء منها خرج بأوامر من جهاز موجود داخل مكتب المطعم.”
حازم اقترب.
“مستحيل.”
فؤاد قال:
“الجهاز اللي عندي سجل العمليات.”
ثم أخرج فلاشة صغيرة.
وقال:
“أنا طلبت نسخة من السجلات قبل ما آجي هنا.”
حازم أخد نفسًا عميقًا.
“يعني حد من داخل المطعم كان بيساعدهم؟”
فؤاد قال:
“بالضبط.”
بصيت للموظفين.
واحد وراء التاني.
مين؟
مين كان بيسرق مني؟
مين كان بيساعد عمر؟
حازم قال:
“أنا كنت شاكك في حاجة.”
بصيت له.
“في مين؟”
قبل ما يرد…
واحد من العاملين اتراجع للخلف.
كان سامح، موظف الحسابات.
وجهه اصفر.
قلت:
“سامح؟”
قال بسرعة:
“أنا معملتش حاجة.”
حازم قال:
“إنت لسه ما اتهمكش.”
سامح سكت.
قلت:
“يبقى ليه خايف؟”
بدأ يتوتر.
“أنا…”
وفجأة عمر قال:
“سامح، متقولش حاجة.”
بصيت لعمر.
ثم لسامح.
“إنت تعرفه؟”
سامح لم يرد.
قلت:
“من إمتى؟”
عمر قال:
“مريم، الموضوع أكبر مما تتخيلي.”
رديت:
“كل مرة بتقولولي الجملة دي.”
ثم نظرت لسامح.
“اتكلم.”
سامح بدأ يرتجف.
وبعد لحظات قال:
“أنا كنت بنفذ أوامر.”
“أوامر مين؟”
سكت.
قلت:
“سامح!”
رفع عينيه.
وقال:
“أوامر حماتك.”
سناء انتفضت.
“كداب!”
سامح أخرج هاتفه.
“عندي رسائل.”
فتح المحادثة.
كانت هناك رسائل بينها وبين سامح.
تعليمات.
أرقام.
تواريخ.
وحسابات.
ثم ظهرت رسالة واحدة جعلتني أشعر بقشعريرة:
“اتأكد إن مريم ما تعرفش أي حاجة لحد ما عمر يخلص الموضوع.”
بصيت لسناء.
“إيه الموضوع؟”
لم ترد.
قلت:
“إيه اللي كان عمر بيحاول يخلصه؟”
عمر قال:
“مريم…”
“لأ.”
بصيت له مباشرة.
“المرة دي أنا اللي هسأل.”
“إيه الموضوع؟”
عمر أخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال:
“كنت بحاول أبيع المطعم.”
لم أتحرك.
حتى أنني لم أستوعب الكلمة في البداية.
“تبيع… المطعم؟”
قال:
“أيوه.”
“من ورايا؟”
“كنت مضغوط.”
“مين كان المشتري؟”
عمر سكت.
فؤاد فتح الملف.
وقال:
“الشخص اللي كان عايز يشتري المطعم…”
ثم أخرج بطاقة عمل ووضعها أمامي.
قرأت الاسم.
كريم الدمنهوري.
رفعت عيني.
“مين ده؟”
فؤاد قال:
“رجل أعمال.”
ثم سكت لحظة.
“لكن فيه مشكلة.”
“إيه؟”
قال:
“هو مش مجرد رجل أعمال.”
“أمال مين؟”
فؤاد نظر إلى سناء.
وقال:
“هو أخو سناء.”
اتجمدت.
بصيت إلى سناء.
“إنتِ كنتِ عايزة تبيعي مطعمي لأخوك؟”
سناء بدأت تبكي.
وقالت:
“كنت بحاول أحمي مستقبل العيلة.”
رديت:
“لا.”
ثم سحبت الملف ناحيتي.
“إنتِ كنتِ بتحاولي تاخدي مستقبلي.”
وقبل ما حد يتكلم…
رن هاتف فؤاد.
بص للشاشة.
تغير وجهه.
قال:
“لازم أمشي.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“لأن كريم عرف إنك عرفتي.”
ثم أضاف:
“وهو في الطريق إلى هنا.”
نظرت إلى باب المطعم.
وبعد ثوانٍ…
وقفت سيارة سوداء أمام المكان.
نزل منها رجل يرتدي بدلة داكنة.
دخل المطعم.
نظر إلى سناء.
ثم إلى عمر.
وأخيرًا…
ابتسم لي.
وقال:
“واضح إن أختي أخيرًا فشلت في إخفاء الحقيقة.”
يتبع في الجزء الخامس والأخير
الجزء الخامس والأخير
دخل الرجل المطعم بخطوات هادئة.
كان واضح من طريقة كلامه ونظراته إنه متعود الناس تسمع كلامه.
وقف قدامنا وقال:
“أنا كريم الدمنهوري.”
وبص لسناء.
“واضح إنك ما عرفتيش تكملي الخطة.”
سناء قامت بسرعة.
“كريم، اسكت.”
ضحك.
“ليه؟ خايفة مريم تعرف؟”
بصيت له.
“تعرف إيه؟”
كريم سكت لحظة.
وبعدين قال:
“إن مطعمك كان المفروض يبقى ملكي من شهور.”
عمر صرخ:
“كريم!”
رد عليه:
“إنت آخر واحد تتكلم.”
وبص لي.
“أختي قالتلي إن المطعم عليه مشاكل مالية، وإنك مش قادرة تديريه لوحدك.”
قلت:
“وده كذب.”
“عرفت.”
“إمتى؟”
ابتسم.
“لما راجعت الأوراق بنفسي.”
بصيت لفؤاد.
فؤاد قال:
“وده السبب اللي خلاني أحتفظ بالنسخة الأصلية.”
كريم اتعصب.
“إنت مالك؟”
رد فؤاد:
“أنا محاميها.”
ثم أشار إليّ.
“ومن النهارده، أي محاولة للتصرف في ملكيتها من غير موافقتها هتكون موثقة.”
كريم سكت.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
حازم قرب مني وقال:
“مريم، في حاجة لازم تشوفيها.”
طلع لابتوب.
فتح تسجيل كاميرا من مكتب الحسابات.
ظهر عمر.
كان واقف مع سامح.
ثم ظهرت سناء.
وكانوا بيتكلموا عن تحويلات مالية وبيع المطعم.
لكن بعدها ظهرت حاجة ما كنتش متوقعة.
سناء قالت لعمر:
“لو مريم عرفت، هنخسر كل حاجة.”
عمر رد:
“مش هتعرف.”
سناء قالت:
“والـ23 ألف؟”
عمر ضحك.
“سيبيها عليّ.”
وقتها فهمت.
الوليمة دي ما كانتش مجرد استعراض.
كانت جزءًا من خطة.
كانوا عايزين يعملوا فاتورة ضخمة على حساب المطعم، وبعدها يستخدموا المبلغ لإثبات إن المطعم خسر فلوس وإن إدارتي فاشلة.
وبالتالي…
يظهروا قدام المشتري إنهم بينقذوا المشروع من الإفلاس.
بصيت لسناء.
“إنتِ عملتي كل ده؟”
ما ردتش.
كريم قال:
“كان المفروض توافقي على البيع بعد ما تتعبي من الخسائر.”
قلت:
“الخسائر اللي إنتوا صنعتوها.”
سكت.
ثم قلت:
“بس نسيتوا حاجة.”
كريم سأل:
“إيه؟”
أشرت للفاتورة.
“أنا اللي قلت لهم يقدموا كل حاجة.”
استغرب.
“يعني إيه؟”
ابتسمت.
“كنت عارفة إن الفاتورة هتكبر.”
“وعشان كده وافقتِ؟”
“أيوه.”
ثم نظرت إلى حازم.
“كنت عايزة كل حاجة تتسجل.”
حازم هز رأسه.
“كل طبق اتسجل.”
“وكل زجاجة.”
“وكل طلب.”
“وكل موظف كان موجود.”
ثم أخرجت هاتفًا.
“وكمان تسجيلات الكاميرات.”
كريم بدأ يتوتر.
قلت:
“أنا ما كنتش بحاول أخسر المطعم.”
“أنا كنت بجمع الأدلة.”
سناء بدأت تبكي.
“مريم… أنا آسفة.”
بصيت لها.
“الاعتذار مش هيغير اللي حصل.”
قالت:
“أنا أم.”
قلت:
“وأنا كنت بنتك في يوم من الأيام.”
سكتت.
كلمتي وجعتها.
لكن الحقيقة كانت أوجع.
عمر قرب مني.
“مريم، أنا مستعد أصلح كل حاجة.”
قلت:
“مش بإيدك.”
“هبيع أي حاجة عندي وأسدد الفلوس.”
“الموضوع مش فلوس بس.”
“أمال إيه؟”
قلت:
“الثقة.”
ثم خلعت خاتم الزواج ووضعته أمامه.
“دي انتهت.”
عمر أغمض عينيه.
لكنني لم أصرخ.
لم أضربه.
لم أعمل مشهد.
كل اللي عملته إني وقعت على مجموعة أوراق كانت مجهزة.
فؤاد قال:
“دي إجراءات قانونية لبدء استرداد الأموال.”
هزيت رأسي.
“ابدأ.”
وبعد أيام، بدأت التحقيقات.
التحويلات اتراجعت.
سامح قدم كل الرسائل.
التسجيلات اتراجعت.
وعمر اعترف بجزء كبير من اللي حصل.
أما سناء…
فاضطرت تواجه نتائج قراراتها.
كريم انسحب من محاولة شراء المطعم.
وكل الأوراق اللي حاولوا استخدامها لإثبات إن المطعم في أزمة مالية اتضح إنها مبنية على معاملات مشبوهة هم نفسهم كانوا سببًا فيها.
بعد أسابيع…
وقفت في نفس المطعم.
لكن المرة دي كنت واقفة وسط الموظفين وأنا مرتاحة.
حازم قرب مني وقال:
“مريم.”
بصيت له.
قال:
“الصحافة بره.”
“ليه؟”
“القصة انتشرت.”
تنهدت.
“مش عايزة شهرة.”
ابتسم.
“مش شهرة.”
وأعطاني هاتفه.
كان فيه خبر عن المطعم.
الناس بدأت تتكلم عن صاحبة مطعم رفضت تبيع مشروعها بعد محاولة عائلتها السيطرة عليه.
قلت:
“خلينا نركز في الشغل.”
ضحك.
“ده اللي كنت متوقعه منك.”
بعدها بساعتين…
دخلت أول زبونة.
ست كبيرة في السن، كانت بتيجي المطعم من أول سنة افتتحته.
بصت لي وقالت:
“سمعت اللي حصل.”
ابتسمت.
“إن شاء الله سمعتِ حاجة كويسة.”
قالت:
“سمعت إنك ما بعتيش.”
قلت:
“لأ.”
قالت:
“كويس.”
وبعدين بصت حوالين المكان.
“عارفة إيه أحسن حاجة؟”
“إيه؟”
قالت:
“إن المكان ده رجع لصاحبته الحقيقية.”
ابتسمت.
لكن وأنا واقفة وسط المطعم، افتكرت اليوم اللي دخلت فيه سناء ومعاها 38 واحدة.
افتكرت ضحكهم.
كلامهم.
إهانتهم.
والفاتورة اللي كانت في إيد سناء.
وقتها فهمت إن الرقم 23,289 دولار ما كانش مجرد حساب أكل وشرب.
كان ثمن يوم كشف كل الأكاذيب.
لكن أهم حاجة اتعلمتها…
إنك ممكن تسكت عشان تحافظ على العيلة.
وتتنازل عشان ما تخسرش الناس.
وتعدّي الإهانة عشان تقول “مش مشكلة”.
لكن في لحظة معينة…
الصمت نفسه ممكن يخليك تخسر نفسك.
وأنا قررت إن ده مش هيحصل تاني.
بعد شهر، وقعت أوراق طلاقي من عمر.
وبعت له رسالة واحدة فقط:
“أنا سامحتك على اللي قدرت أسامح عليه… لكني اخترت أبدأ حياتي من غيرك.”
أما سناء…
فما شفتهاش تاني.
لكن بعد حوالي سنة، وصلني منها خطاب.
فتحت الخطاب.
كان فيه سطر واحد:
“كنت فاكرة إني بحمي ابني… وفي النهاية أنا اللي خسرت ابني ومراتي وحفيدي ومستقبلي.”
قفلت الخطاب.
ما حسيتش بالشماتة.
حسيت بالحزن.
لأن كل اللي حصل كان ممكن ما يحصلش أصلًا…
لو الناس اختارت الصراحة من البداية.
رجعت للمطبخ.
لبست مريولي.
وقفت قدام الفرن.
وحازم سألني:
“جاهزة؟”
ابتسمت.
“جاهزة.”
قال:
“لإيه؟”
بصيت للمطعم كله.
وقلت:
“لبداية جديدة.”
وفي نفس الليلة، وأنا واقفة قدام الباب بعد ما كل الزبائن مشيوا، بصيت للافتة المطعم.
ليالي النيل.
المكان اللي بنيته بإيدي.
المكان اللي حاولوا ياخدوه مني.
المكان اللي علّمني إن أغلى شيء ممكن يمتلكه الإنسان…
مش المال.
ولا المطاعم.
ولا العقارات.
لكن حقه إنه يعيش حياته من غير ما حد يستغله.
ومن يومها…
أي حد كان يدخل مطعمي ويسأل:
“المطعم ده بتاع مين؟”
كنت أبتسم وأقول:
“بتاعي أنا… من أول حجر اتحط فيه، لحد آخر طبق بيتقدم هنا.”
وهالمرة…
ما كانش فيه حد يقدر يقول غير كده.
تمت




