روايات وقصص

ابني

وبعدين سكت.

قلت:
“وبعدين حصل إيه؟”

قال:
“خالتي شافتني.”

بدأ صوته يرتعش.

“قالتلي ماقولش لماما.”

مسكت إيده.

“وبعدين؟”

قال:

“ابنها جه وقال لي لو اتكلمت، هيخليني أندم.”

وقتها فهمت.

الضرب اللي حصل النهارده ماكانش صدفة.

ابني كان شاف حاجة ماكانش المفروض يشوفها.

وهم كانوا بيحاولوا يخوفوه عشان يسكت.

لكن اللي ماكانوش يعرفوه…

إن طفل عنده ست سنين ممكن ينسى تفاصيل كتير، لكن أحيانًا بيفتكر الحاجة اللي خوّفته أكتر من أي حد كبير.

خرجت من الغرفة واتصلت بمحامي أعرفه.

حكيت له اللي حصل، وبعت له صورة التقرير الطبي والتسجيل.

قال لي:

“ما تتكلميش معاهم أكتر من كده.”

قلت:
“ليه؟”

قال:
“لأنهم لو عرفوا إن عندك تسجيل، ممكن يحاولوا يمسحوا أي دليل تاني.”

الجملة دي خلتني أفكر.

الدليل.

الشنطة.

الأوراق.

كل حاجة بدأت تركب في دماغي.

رجعت البيت وأنا مش مع ابني، لكن كان لازم آخد هدومه وبعض حاجاته من غرفته.

لما وصلت، لقيت أمي وأبويا وأختي قاعدين في الصالة.

أختي أول ما شافتني قامت.

“إنتِ رجعتي؟”

قلت:
“جاية آخد حاجات ابني.”

أمي قالت:
“إحنا لازم نتكلم.”

رديت:
“بعد اللي حصل، الكلام بينا هيكون عن طريق المحامي.”

وشها اصفر.

أبويا قال:
“إنتِ بتكبري الموضوع.”

بصيت له.

“ابني عنده كسر.”

سكت.

قلت:
“واللي حصل اتسجل.”

أختي بصت لأمي بسرعة.

الحركة الصغيرة دي ما فاتتنيش.

سألت:

“إنتوا خايفين من إيه؟”

ولا واحد رد.

طلعت لغرفة ابني.

وأنا بجمع هدومه، لاحظت إن درج مكتبه مفتوح.

وقفت.

أنا متأكدة إني كنت قافلاه قبل ما أخرج.

قربت منه.

كان فيه ورقة صغيرة مرمية على الأرض.

فتحتها.

كانت مكتوب عليها بخط إيد ابني:

“شنطة جدو ورا الدولاب.”

اتنفضت.

هو كان كاتبها لنفسه علشان ماينساش.

وقتها رجعت للصالة.

أبويا كان واقف.

قلت له:

“عايزة أدخل أوضة المكتب.”

قال بسرعة:
“ليه؟”

قلت:
“عايزة حاجة تخص ابني.”

وقف قدام الباب.

وهنا فهمت إن إحساسي كان صح.

قلت له:
“إبعد.”

قال:
“مش هتدخلي.”

رديت بهدوء:

“يبقى أنت بنفسك بتأكد لي إن فيه حاجة مستخبية.”

أمي بدأت تقول:
“كفاية بقى.”

لكن أختي كانت ساكتة.

ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.

مش خوف على ابنها.

خوف من إن السر يظهر.

دخلت المكتب.

اتجهت ناحية الدولاب.

أبويا حاول يمنعني.

لكن في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح الباب الخارجي.

حد دخل البيت.

كلنا بصينا ناحية الباب.

كان محامي العيلة.

والغريب إنه ماجاش لوحده.

كان معاه رجل آخر يحمل ملفًا كبيرًا.

بص لأبويا وقال:

“أنا جيت علشان أتكلم معاكم قبل ما الموضوع يوصل للنيابة.”

ثم نظر لي وقال:

“لكن واضح إن الوقت فات.”

فتح الملف.

وأخرج صورة قديمة.

وحطها قدامي.

أول ما شفت الصورة…

عرفت الشخص اللي فيها.

كان أبويا.

لكن الصورة كانت متصورة من حوالي عشرين سنة.

وكان واقف فيها جنب نفس الشنطة السوداء…

الشنطة اللي ابني قال إنه شافها ورا الدولاب.

بصيت لأبويا.

وجهه اتغير.

وسألته:

“إيه اللي في الشنطة دي؟”

ما ردش.

المحامي أخذ نفسًا عميقًا وقال:

“دي مش أول مرة الشنطة دي تظهر.”

ثم قلب الصورة.

وكان مكتوب على ظهرها تاريخ قديم…

وتحت التاريخ جملة واحدة:

“لو اتفتحت الشنطة، الحقيقة هتطلع.”

وفي اللحظة دي، فهمت إن إصابة ابني ما كانتش نهاية المشكلة…

كانت المفتاح اللي فتح باب سر العيلة كله.

فضلت واقفة قدام الصورة، مش قادرة أتكلم.

بصيت لأبويا وقلت:

“إنت كنت عارف إن الشنطة دي موجودة؟”

ما ردش.

المحامي حط الصورة على الترابيزة وقال:

“الموضوع أقدم بكتير من اللي أنتِ متخيلة.”

أختي بدأت تبكي.

“بابا… خلاص. كفاية.”

لفيت ناحيتها.

“كفاية إيه؟”

سكتت.

المحامي قال:

“الفلوس والأوراق اللي في الشنطة مرتبطة بملف قديم جدًا، وكان المفروض الملف ده اتقفل من سنين.”

سألته:

“ملف إيه؟”

بص لأبويا.

أبويا أخيرًا قعد على الكرسي وكأنه فقد كل قوته.

وقال:

“أنا هحكيلك.”

كنت مستنية.

قال:

“من حوالي عشرين سنة، حصلت مشكلة في شغل العيلة. فلوس اختفت، وأوراق ملكية اتغيرت، وكان فيه شخص اتحمل المسؤولية بدل شخص تاني.”

سألته:

“مين؟”

رفع عينه لي.

“عمك.”

اتصدمت.

“عمي؟”

هز راسه.

“هو دخل في القضية، وخسر كل حاجة… وإحنا سكتنا.”

صرخت:

“إنتوا خليتوه يتحمل حاجة ما عملهاش؟”

قال:
“الموضوع كان أعقد من كده.”

رديت:
“أعقد إزاي؟”

سكت.

المحامي هو اللي اتكلم:

“لأن بعض المستندات الموجودة في الشنطة تثبت إن الملكية الحقيقية لجزء من الممتلكات مش باسم والدك أصلًا.”

بصيت لأبويا.

“باسم مين؟”

قال بصوت ضعيف:

“باسمك.”

ما صدقتش.

“إيه؟”

قال:

“أبوكِ… جدكِ، كتب جزء من أملاكه باسمك وإنتِ صغيرة.”

سألته:

“طب ليه محدش قال لي؟”

أبويا ما ردش.

المحامي قال:

“لأن فيه شرط في الأوراق.”

قلت:
“إيه هو؟”

قال:

“لو اتضح إن فيه محاولة لإخفاء الملكية أو نقلها بطريقة غير قانونية، بعض التصرفات القديمة ممكن تتراجع.”

بصيت لأختي.

فجأة فهمت سبب خوفها.

هي ما كانتش خايفة بس من المحضر.

كانت خايفة إن الحقيقة تظهر، وتخسر حاجات كانت فاكرة إنها بقت من حقها.

قلت لها:

“إنتِ كنتِ بتدوري على الأوراق.”

بدأت تهز راسها بسرعة.

“لا.”

لكن أبويا قاطعها:

“كفاية.”

أختي انهارت.

“أنا ما كنتش عايزة أؤذي ابنك!”

صرخت:

“بس ابنك ضربه!”

قالت وهي بتبكي:

“أنا كنت خايفة!”

“خايفة من إيه؟”

سكتت.

ثم قالت:

“ابني شافني وأنا بفتش في المكتب.”

بصيت لها.

“يعني ابني شافك وإنتِ بتفتشي في حاجات مش بتاعتك.”

هزت راسها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى