روايات وقصص

العربة الصغيرة الجزء الاخير بقلم محمد عبده

### العربة الحمراء الصغيرة – الجزء الرابع والأخير

### الحقيقة اللي غيّرت حياة مريم وإخواتها للأبد

سلمى كانت قاعدة على الكرسي المتحرك، وإيديها بتترعش وهي بتحاول تفتح الحقيبة الصغيرة اللي كانت معاها.

حسام وقف في مكانه، ووشه بقى شاحب، بينما فؤاد المنشاوي قرب منها ومعاه المحامي بتاعه.

قال حسام بعصبية:

— سلمى، أرجوكي فكري كويس قبل ما تعملي أي حاجة. الورق ده مش هيضرني أنا بس، ده ممكن يضر ناس مالهاش ذنب!

سلمى رفعت عينيها له، ولأول مرة من شهور طويلة ما خافتش من نبرة صوته.

— الناس اللي مالهاش ذنب دول، يا حسام، هما ولادي. البنت اللي عندها ست سنين واضطرت تجرّ إخواتها مسافة طويلة عشان تنقذهم، والطفلين اللي كانوا ممكن نخسرهم بسبب إهمالنا وخوفنا. إنت بتتكلم عن الناس اللي ممكن تتضرر، لكن عمرك ما سألت نفسك مريم اتعذبت قد إيه وهي بتحاول تصحيني!

مريم كانت واقفة جنب ريبيكا، وبتسمع الكلام وهي مش فاهمة كل التفاصيل، لكنها فهمت إن أمها أخيرًا بطلت تخاف.

سلمى فتحت الحقيبة، وطلعت منها ملفًا بنيًا قديمًا.

كان جواه صور من مستندات مالية، ورسائل مطبوعة، ونسخ من تحويلات بنكية، بالإضافة إلى خطاب مكتوب بخط إيد حسام.

ناولته لفؤاد وقالت:

— دي النسخ اللي احتفظت بيها من يوم ما اكتشفت إن فيه معاملات بتتعمل باستخدام بيانات غير صحيحة. وأنا رفضت أمضي على أي ورقة ما كنتش فاهمة محتواها.

فؤاد بدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة، والمحامي بتاعه كان بيدوّن ملاحظات.

بعد دقائق، رفع فؤاد عينيه ناحية حسام.

— إنت قلت لي إن كل المعاملات الخاصة بالمشروع تمت بموافقة قانونية، وإن كل المستندات سليمة. لكن الورق ده بيقول إن فيه تحويلات اتعملت من حساب المشروع لحسابات تانية، وإن فيه طلبات اتقدمت بأسماء أطفال قبل ما يتولدوا أصلًا!

حسام حاول يرد:

— الموضوع مش زي ما إنت فاهم. فيه إجراءات إدارية اتعملت، وأنا كنت بحاول أحمي المشروع من الخسارة.

المحامي تدخل بهدوء:

— الكلام ده لازم يتراجع من خلال الجهات المختصة. المستندات اللي قدامنا فيها تناقضات واضحة، ومش هنقدر نعتبرها دليلًا نهائيًا على المسؤولية قبل التحقيق.

فؤاد هز راسه بالموافقة.

— وأنا مش جاي أحكم على حد هنا. أنا عايز أعرف الحقيقة، وعايز أتأكد إن مفيش حد استغل أسماء الأطفال أو حقوقهم.

في اللحظة دي، سلمى أخرجت ورقة أخيرة من الملف.

كانت الورقة مختلفة عن باقي المستندات، ومكتوب في أعلاها اسم شركة خاصة مرتبطة بالمشروع الطبي.

وتحت الاسم، كان فيه بند بيشير إلى إنشاء حساب مالي مخصص لتغطية نفقات رعاية أطفال من أسر محدودة الدخل.

لكن الحساب ده، بحسب المستندات، اتقفل قبل موعده، والمبالغ المتبقية اتحولت إلى حساب آخر من غير ما يكون واضحًا سبب التحويل.

ريبيكا سألت سلمى:

— إنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟

سلمى ردت:

— كنت بساعد حسام في مراجعة بعض الملفات قبل ما تحصل المشاكل بينا. وفي يوم، لقيت أسماء أطفال وأرقام حسابات في مستندات ما كانش المفروض تكون موجودة بالشكل ده. لما سألته، قال لي إن الموضوع مجرد خطأ في التسجيل، وإنه هيتصلحه.

سكتت لحظة، ثم أضافت:

— لكن بعد كده، لقيت إنه بيطلب مني أوقّع على أوراق بأثر رجعي، وكأن كل الإجراءات تمت بموافقتي من البداية. ساعتها رفضت، واحتفظت بنسخ من الأوراق.

فؤاد قفل الملف وقال:

— أنا هسلّم كل المستندات للجهات المختصة، وهنطلب مراجعة مستقلة لكل الحسابات المرتبطة بالمشروع.

حسام ما ردش.

ولأول مرة، ما كانش عنده كلام جاهز يخرج بيه من الموقف.

لكن الحقيقة ما كانتش خلصت لسه.

### السر اللي ما كانتش سلمى قادرة تقوله

بعد وقت قصير، رجعت ريبيكا لغرفة سلمى، وطلبت منها تحكي كل اللي تعرفه عن علاقة حسام بالتوأم.

سلمى بصت ناحية مريم، اللي كانت قاعدة جنبها وبتلعب بطرف البطانية.

ثم قالت:

— فيه حاجة لازم تعرفوها عن التوأم، وعن سبب خوفي من حسام.

ريبيكا قعدت جنبها.

— إحنا بنسمعك يا سلمى.

سلمى بدأت تحكي إن حسام كان مصرّ على تسجيل بعض البيانات الخاصة بالتوأم في أوراق المشروع، لكنه ما كانش بيشرح لها سبب طلبه.

كانت بتشك إن فيه محاولة لاستغلال بيانات الأطفال في معاملات مالية، لكنها ما كانتش تملك دليلًا كافيًا يثبت كل مخاوفها.

وعشان كده، احتفظت بالمستندات ورفضت التوقيع.

أما حسام، فكان بيضغط عليها باستمرار، ويقول لها إن رفضها ممكن يسبب مشاكل كبيرة للأسرة كلها.

وبعد ولادة التوأم، زادت الخلافات بينهما، وانتهى الأمر بانفصالهما عن بعض.

لكن سلمى اعترفت بحاجة تانية.

قالت وهي بتبص للأرض:

— أنا غلطت لما فضلت ساكتة كل الفترة دي. كنت خايفة أخسر البيت، وخايفة إن حد يصدق كلام حسام عني، وخايفة على ولادي من المشاكل. لكن خوفي خلاني أتحمل أكتر من اللازم، وفي النهاية مريم هي اللي دفعت الثمن.

ريبيكا ردت بحنان:

— إنتِ كنتِ بتمري بظروف صعبة، لكن المهم دلوقتي إنك تتعافي، وإن الأطفال يبقوا في أمان. لازم كمان نعرف سبب حالتك الصحية، ونتأكد إنك تقدري تعتني بنفسك وبأولادك بعد خروجك.

سلمى هزت راسها، ودموعها نزلت.

— أنا مش عارفة هقدر أبص في عيون مريم إزاي بعد اللي حصل.

في اللحظة دي، مريم قربت منها، وطلعت من جيبها ورقة صغيرة كانت محتفظة بيها.

كانت رسمة بسيطة، مرسومة بأقلام شمعية.

في الرسمة، كان فيه بيت صغير، وأم واقفة جنب بنتها، وطفلين في عربة حمراء.

وفوق الرسمة، كانت مريم كاتبة بمساعدة أمها قبل كده:

«إحنا عيلة واحدة، ولازم نفضل مع بعض».

سلمى أخدت الورقة وبدأت تعيط.

مريم طلعت على الكرسي بحذر، وحضنت أمها من رقبتها.

وقالت:

— أنا مش زعلانة منك يا ماما. أنا بس كنت عايزاكي تصحي.

سلمى ضمتها لصدرها، وفضلت تكرر:

— سامحيني يا بنتي… سامحيني.

مريم هزت راسها، ثم قالت:

— خلاص يا ماما، بس أوعديني لما تتعبي تاني، تقولي لحد كبير يساعدك. أنا صغيرة ومش هقدر أجرّ العربة كل يوم.

الجملة البسيطة دي خلت ريبيكا تبتسم وسط دموعها.

أما سلمى، فمسحت دموع بنتها وقالت:

— أوعدك يا حبيبتي. مش هخليكي تشيلي مسؤولية أكبر من سنك تاني.

### بعد أيام في المستشفى

الأيام اللي بعدها كانت صعبة، لكنها شهدت تحسنًا تدريجيًا.

الفريق الطبي تابع حالة التوأم، وبدأ الطفلان يستجيبان للرعاية، بينما خضعت سلمى للفحوصات اللازمة لمعرفة سبب فقدانها الوعي.

اتضح للأطباء إنها كانت تعاني من مشكلة صحية حادة احتاجت إلى العلاج والمتابعة، وإن الإرهاق الشديد وسوء التغذية والجفاف ساهموا في تدهور حالتها. لكن الأطباء أكدوا إن تحديد السبب الكامل احتاج إلى استكمال الفحوصات، وإنه ما ينفعش افتراض إن النوم الطويل وحده هو سبب كل ما حدث.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى