روايات وقصص

العربة الصغيرة الجزء الاخير بقلم محمد عبده

أما مريم، فكانت بتزور إخواتها كل يوم تحت إشراف الممرضات.

كانت تقف قدام سرير كل طفل، وتكلمهم كأنهم فاهمين كل كلمة.

— أنا مريم، أختكم الكبيرة. أنا اللي جبتكم هنا بالعربية الحمرا، بس المرة الجاية لما تحتاجوا حاجة، هننادي طنط ميادة، مش هنمشي ستة كيلو تاني!

الممرضة ميادة ضحكت، وقالت:

— اتفقنا يا ستي. العربة الحمراء هتاخد إجازة طويلة.

وفي أحد الأيام، دخلت ريبيكا الغرفة ومعاها صندوق صغير.

لما فتحته مريم، لقت جواه دمية جديدة، وكتاب تلوين، وحذاء مريح، وصورة للعربة الحمراء بعد ما اتنضفت واتصلح مقبضها.

مريم ابتسمت لأول مرة من يوم وصولها للمستشفى.

— إنتوا صلحتوها؟

ريبيكا هزت راسها.

— أيوه، بس مش عشان تستخدميها في الرحلات الطويلة. عشان تفتكري اليوم اللي أظهرتي فيه شجاعة كبيرة.

مريم حضنت ريبيكا وقالت:

— أنا ما كنتش شجاعة. أنا كنت خايفة.

ريبيكا ردت:

— الشجاعة مش معناها إنك ما تخافيش. ساعات الشجاعة معناها إنك تعملي الحاجة الصح رغم إنك خايفة. لكن ده مش معناه إنك لازم تواجهي الخطر لوحدك، يا مريم. إنتِ طفلة، ومن حقك تلاقي الكبار جنبك لما تحتاجيهم.

الكلام ده فضل في بال مريم وقت طويل.

### الحقيقة تظهر أمام الجميع

بعد أسابيع من مراجعة المستندات، بدأت الجهات المختصة تحقق في المعاملات المالية المرتبطة بالمشروع الطبي.

وكشفت المراجعة وجود مخالفات وتناقضات في عدد من السجلات، مع معاملات احتاجت إلى تفسير ومراجعة إضافية.

لكن التحقيق ما اعتمدش على كلام سلمى وحده، ولا على اتهامات حسام أو دفاعه عن نفسه؛ كل مستند كان لازم يتراجع، وكل توقيع كان لازم يتم التأكد من صحته.

فؤاد المنشاوي قرر التعاون الكامل مع التحقيق، وأوقف أي معاملات مالية مرتبطة بالملفات محل المراجعة لحد ما تتضح الحقيقة.

أما حسام، فتم استدعاؤه للإدلاء بأقواله وتقديم المستندات المطلوبة، وأصبح مطالبًا بتوضيح التناقضات الموجودة في الملفات.

ومع مرور الوقت، ظهرت تفاصيل أكتر عن الطريقة اللي كانت بتدار بيها بعض الحسابات، واتضح إن سلمى كانت محقة في رفض التوقيع على مستندات ما كانتش فاهمة محتواها.

لكن الأهم بالنسبة لها ما كانش مصير حسام المهني، ولا الأموال اللي اتكلم عنها الجميع.

كان الأهم إن ولادها بقوا في أمان، وإنها أخيرًا قدرت تتكلم من غير ما تخاف من التهديدات والضغوط.

فؤاد زارها في المستشفى قبل خروجها، وقال لها:

— أنا آسف إنك اضطرّيتي تمرّي بكل ده. مش هقدر أغيّر اللي حصل، لكن هساعد في ضمان إن حقوق الأطفال تتراجع بشكل قانوني، وإن أي دعم مخصص ليهم يوصل لمستحقيه.

سلمى شكرته، لكنها وضحت له إنها مش عايزة وعودًا كبيرة.

قالت:

— أنا كل اللي عايزاه إن ولادي يعيشوا في أمان، ومريم ترجع طفلة زي باقي الأطفال. مش عايزاها تحس إنها مسؤولة عن إنقاذ العالم كله.

فؤاد هز راسه باحترام.

— عندك حق.

وبمساعدة فريق المستشفى والجهات الاجتماعية المختصة، اتعملت خطة لمتابعة حالة سلمى الصحية، والتأكد من وجود شخص بالغ موثوق يقدر يساعدها في رعاية الأطفال خلال فترة التعافي.

كما جرى ترتيب الدعم المناسب للأسرة، بدلًا من ترك طفلة صغيرة تتحمل مسؤولية إخوتها وحدها.

### العودة إلى البيت

في يوم خروجهم من المستشفى، كانت مريم واقفة عند الباب، لابسة فستانًا أزرق جديدًا، وشايلة حقيبة صغيرة فيها ملابسها وألعابها.

سلمى كانت ماشية ببطء، والتوأم في عربتين مخصصتين للأطفال، تحت متابعة الفريق المسؤول عن خروجهم.

وقبل ما يغادروا، ميادة قربت من مريم، وانحنت قدامها.

— فاكرة أول يوم جيتي فيه هنا؟

مريم هزت راسها.

— أيوه. كنت تعبانة، والعجلة كانت بتعلق في كل حفرة.

ميادة ابتسمت.

— دلوقتي إنتِ راجعة مع ماما وإخواتك، وكل واحد فيكم هيلاقي حد يساعده لما يحتاج.

مريم حضنتها، وقالت:

— شكرًا يا طنط ميادة عشان ساعدتي إخواتي.

وبعدين جريت ناحية العربة الحمراء اللي كانت موجودة عند مدخل المستشفى.

لمست مقبضها الحديد، وابتسمت.

لكن المرة دي، ما حاولتش تسحبها.

سلمى قربت منها وسألتها:

— مش هتاخديها معانا؟

مريم بصت للعربة، وبعدين بصت لأمها.

— لأ يا ماما. خليها هنا، يمكن طفل تاني يحتاجها يوم من الأيام.

سلمى ابتسمت، وحضنت بنتها.

كانت عارفة إن مريم مش هتنسى اللي حصل، وإن الأيام الصعبة هتفضل جزءًا من ذكرياتها.

لكنها كانت عارفة كمان إن بنتها تستحق تعيش طفولتها، وتلعب وتتعلم وتضحك، من غير ما تضطر تشيل هموم الكبار.

وبعد فترة، رجعت الأسرة إلى حياتها بالتدريج.

التوأم كبروا، وسلمى التزمت بالمتابعة الطبية، وبدأت تعيد ترتيب حياتها بعيدًا عن الضغوط اللي عاشتها.

أما مريم، فبدأت تروح المدرسة بانتظام، وتحكي لزمايلها عن إخواتها الصغيرين، لكنها كانت بتغيّر نهاية الحكاية كل مرة.

مرة تقول إن العربة الحمراء كانت سريعة جدًا، ومرة تقول إن الطريق كان أقصر مما تتذكر.

لكنها كانت دائمًا تنهي كلامها بالجملة نفسها:

«أنا كنت صغيرة، بس كنت عارفة إن إخواتي محتاجين مساعدة… والحمد لله، لما وصلت للمكان الصح، لقيت ناس وقفت جنبنا».

وبعد مرور سنة، زارت مريم المستشفى مع أمها وإخواتها.

كانت العربة الحمراء موجودة في ركن صغير قرب قسم الأطفال، بعد ما اتصلحت واتحطت جنبها لوحة مكتوب عليها:

«لكل طفل يستحق الأمان والرعاية… لا تتردد في طلب المساعدة».

مريم وقفت قدامها، وابتسمت.

سلمى سألتها:

— بتفكري في إيه يا حبيبتي؟

مريم ردت وهي ماسكة إيد أمها:

— بفكر إن العربة دي تعبتني أوي، بس هي وصلتني للناس اللي ساعدونا.

سلمى انحنت وباست رأسها.

— وإحنا عمرنا ما هننسى اللي عملتيه.

مريم ابتسمت، وبصت ناحية إخواتها اللي كانوا بيضحكوا في عربتهم الصغيرة.

وبعدين قالت:

— أنا بحبكم يا ماما… بس المرة الجاية، لو حد فينا تعب، هنطلب المساعدة من بدري.

ضحكت سلمى وسط دموع الفرح.

وفي اللحظة دي، فهمت إن النجاة الحقيقية ما كانتش بس إن الأطفال وصلوا للمستشفى في الوقت المناسب، ولا إن الأسرار اتكشفت، ولا إن التحقيق بدأ.

النجاة الحقيقية كانت إن أسرة كاملة اتعلمت إن الحب مش معناه إننا نتحمل كل حاجة لوحدنا، وإن الطفل مهما كان شجاعًا، من حقه يلاقي كبار يحمُوه ويسندوه.

تمت القصة. ❤️

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى