
كان عبارة عن تقرير طبي يوضح حالة الطفلة عند الولادة، ومدى احتياجها للرعاية العاجلة بسبب ولادتها المبكرة.
ثم ظهرت صورة لليلى وهي خارجة من المستشفى، مرهقة، شايلة حقيبة صغيرة، وبتحاول تحمي طفلتها من كاميرات المصورين اللي وصلتهم أخبار عن وجود أزمة داخل عيلة الشافعي.
ما كانش المشهد دليلًا على ضعفها.
كان دليلًا على إنها واجهت كل ده لوحدها.
أنا كنت واقفة أسفل المنصة، والدموع بتنزل من عينيّ.
افتكرت الليالي اللي قضتها ليلى تذاكر تحت نور لمبة ضعيفة، والمرات اللي كانت بتقسم فيها آخر وجبة بيني وبينها، علشان نقدر نكمل لآخر الشهر.
افتكرت إزاي كانت بتضحك لما أرجع من شغلي تعبانة، وتقول لي:
– استحملي يا ماما. يوم ما أبقى دكتورة، هخليكي ترتاحي.
والنهارده، بدل ما تحتفل بنجاحها، كانت واقفة قدام مجتمع كامل بيحاول يحاكمها.
لكن بنتي ما كانتش بتبكي.
كانت واقفة بثبات، وبتواجه كل اللي حاولوا يكسروا إرادتها.
وفجأة، حصل شيء غير متوقع.
رجل مسن كان جالسًا في الصف الأول، بجوار رئيس مجلس أمناء الجامعة، وقف ببطء.
كان الدكتور حسن البدري، واحدًا من أشهر الأطباء في مصر، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الطبية التي كانت عائلة الشافعي تسعى للسيطرة عليها.
رفع إيده، وطلب من الجميع الهدوء.
ثم نظر إلى ليلى وقال:
– يا بنتي، قبل ما نسمع أي أحكام، أنا عايز أسألك سؤال واحد.
ليلى التفتت إليه.
– اتفضل يا دكتور.
قال الرجل:
– المستندات اللي على الشاشة دي، هل عندك النسخ الأصلية، وهل مستعدة تسلميها لجهة مستقلة علشان يتم التحقق منها؟
ردت من غير تردد:
– أيوه يا دكتور. كل المستندات محفوظة، وعندي النسخ الأصلية، والتسجيلات كاملة بسياقها. وأنا مستعدة أقدمها للجهات المختصة.
هز رأسه باحترام.
– إذن محدش من حقه يحكم عليكِ قبل ما الحقيقة تظهر كاملة.
ثم التفت إلى عميد الكلية، وقال بنبرة حازمة:
– والطالبة دي من حقها تكمل حفل تخرجها من غير ما حد يتعرض لها.
بدأ بعض الحاضرين يصفقون.
تصفيق خفيف في البداية، ثم أخذ يزداد تدريجيًا.
لكن نادية الشافعي ما كانتش مستعدة تستسلم.
اقتربت من المنصة، ووجهها محمر من الغضب.
– إنتوا مش عارفين بتعملوا إيه! عيلتي هتخلي كل واحد فيكم يندم على اللي حصل النهارده!
الدكتور حسن بص لها بهدوء.
– لو فيه مخالفات، القانون هو اللي هيحدد المسؤول عنها. لا اسم عيلة، ولا حساب بنكي، ولا نفوذ يقدر يغيّر الحقيقة.
في اللحظة دي، انطلقت شهقة من ناحية المدخل الرئيسي للقاعة.
دخل رجل يرتدي بدلة رسمية، ومعاه سيدة تحمل ملفًا كبيرًا.
كان الرجل محاميًا معروفًا، والسيدة ممثلة عن جهة رقابية مستقلة.
تقدم المحامي نحو المنصة، وبعد ما تبادل كلمات سريعة مع الدكتور حسن، التفت إلى الحاضرين وقال:
– أنا هنا بناءً على طلب موثق قُدم للتحقق من وقائع تتعلق بالضغط على طالبة جامعية، واحتمال إساءة استخدام النفوذ للتأثير على مستقبلها الأكاديمي.
ثم نظر إلى ليلى.
– آنسة ليلى منصور، إحنا استلمنا بالفعل جزءًا من المستندات اللي قدمتيها، وهنبدأ مراجعتها رسميًا.
نادية تراجعت خطوة.
لأول مرة، بدا عليها الخوف الحقيقي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
المحامي فتح الملف، وأخرج ورقة مختومة، ثم قال:
– وفيه نقطة تانية لازم تتوضح قبل ما نكمل.
توقف لحظة، ونظر مباشرة إلى آدم.
– السيد آدم الشافعي، هل أنت على علم بالمستند اللي وقعت عليه والدتك، واللي يتعلق بمحاولة نقل ملكية أسهم من حسابك الشخصي إلى شركة خاصة قبل الإعلان عن حمل الآنسة ليلى؟
آدم رفع رأسه بسرعة.
– إيه؟! أنا ما وقعتش على أي حاجة بالشكل ده!
نادية صرخت:
– ده مش مكان الكلام ده!
لكن المحامي أكمل:
– الورقة موجودة، والتوقيع محل مراجعة، والتحقيق هيحدد إذا كان فيه تزوير أو مخالفة مالية.
في اللحظة دي، آدم بص لأمه بصدمة.
– ماما… إنتِ عملتي إيه؟
نادية ما ردتش.
كانت عينيها مثبتتين على الورقة، وملامحها بتتغير مع كل ثانية.
أما ليلى، فكانت واقفة في مكانها، ضامة بنتها إلى صدرها.
لم تكن سعيدة بانهيار الآخرين، ولم تكن تسعى إلى الانتقام لمجرد الانتقام.
كل اللي كانت عايزاه هو حقها في مستقبلها، وحق بنتها في إنها تعيش من غير ما حد يعتبرها خطأ لازم يتخبى.
وبينما كان الجميع ينتظرون رد نادية، رفعت ليلى عينيها ناحية لجنة التخرج، وقالت:
– أنا مش عايزة حد يتخرج بدلًا مني، ولا عايزة حد يشفق عليّا. أنا تعبت علشان أوصل للحظة دي، وبنتي كانت معايا في أصعب أيام حياتي.
ثم أضافت بصوت أكثر قوة:
– لو شايفين إني أستحق أقف هنا، ادّوني شهادتي. ولو شايفين إن الأمومة تقلل من قيمة الطبيب، يبقى لازم نراجع معنى الطب نفسه.
ساد صمت عميق.
وبعد ثوانٍ، وقف الدكتور حسن البدري وبدأ يصفق.
ثم وقف أحد الأساتذة.
وبعده طالب، ثم طالبة، ثم عشرات الأشخاص.
وفي أقل من دقيقة، تحول المدرج كله إلى عاصفة من التصفيق.
حتى بعض أفراد هيئة التدريس وقفوا احترامًا لها.
أما أنا، فلم أقدرش أتمالك نفسي.
غطيت وشي بإيديا وفضلت أعيط.
لكن المرة دي، ما كانتش دموع خوف أو انكسار.
كانت دموع أم شافت بنتها تقف شامخة بعد ما الدنيا كلها حاولت تخليها تنحني.
ليلى ابتسمت، وقربت بنتها من خدها، وهمست لها:
– شايفة يا حبيبتي؟ إحنا مش محتاجين نكون أغنى ناس في المكان علشان نستحق الاحترام.
وبينما التصفيق كان مستمرًا، تقدم عميد الكلية نحو المنصة.
وقف أمام ليلى، ونظر إلى الطفلة الصغيرة، ثم إلى وجهها المتعب.
وبصوت خافت قال:
– آنسة ليلى… قبل ما نعلن النتيجة النهائية للحفل، فيه أمر لازم تعرفيه.
ليلى عقدت حاجبيها.
– أمر إيه؟
العميد تردد لحظة، ثم أخرج ظرفًا رسميًا من جيبه.
– من أسبوعين، وصل للجامعة خطاب من جهة طبية دولية بخصوصك. الخطاب كان سريًا، وما اتعرضش على لجنة التخرج لحد النهارده.
ليلى بصت للظرف باستغراب.
– خطاب بخصوصي أنا؟
أومأ العميد.
– أيوه. واللي مكتوب جواه ممكن يغير مستقبلك بالكامل.
ثم مدّ لها الظرف.
لكن قبل ما ليلى تفتحه، دوّى صوت نادية الشافعي من الصف الأول:
– ممنوع تفتحوا الخطاب ده!
التفت الجميع ناحيتها.
كان واضحًا إنها تعرف شيئًا عن محتواه.
وشّ ليلى شحب للحظة، وضمّت طفلتها بقوة أكبر.
ثم فتحت الظرف ببطء.
قرأت السطر الأول، وبعده السطر الثاني.




