روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

وفجأة، رفعت عينيها إلى العميد، وكأنها مش مصدقة اللي بتشوفه.

لأن الخطاب ما كانش مجرد تهنئة بتفوقها.

كان يحمل قرارًا استثنائيًا يتعلق بمستقبلها الطبي، ومعه اسم شخص لم تكن ليلى تتوقع أبدًا أن يظهر في حياتها من جديد…

يتبع في الجزء القادم والأخير.

ليلى فضلت باصة للورقة اللي في إيديها، وكأنها بتحاول تستوعب كل كلمة مكتوبة فيها.

إيديها كانت بتترعش، والطفلة الصغيرة نايمة على صدرها، مش عارفة إن اللحظة دي ممكن تغيّر حياة أمها إلى الأبد.

رفعت ليلى عينيها ناحية العميد وسألته بصوت متقطع:

– هو الكلام ده حقيقي يا دكتور؟

العميد هز رأسه وقال:

– أيوه يا ليلى. الخطاب جاي من مؤسسة طبية دولية متخصصة في تدريب الأطباء الموهوبين، وبيأكد إنك اتقبلتِ في برنامج استثنائي للأبحاث الطبية، بعد ما راجعوا أبحاثك ونتائجك العلمية.

القاعة بدأت تتهامس من جديد.

لكن ليلى ما اهتمتش بالناس. كانت عينيها بتجري على السطور، لحد ما وصلت للاسم الموجود في آخر الخطاب.

وهنا اتجمدت مكانها.

الاسم كان للدكتور حسن البدري، الطبيب اللي وقف يدافع عنها قبل دقائق.

لكن المفاجأة إنه ما كانش مجرد طبيب مشهور.

كان مؤسس المؤسسة الطبية اللي أرسلت الخطاب، وكان بيتابع أبحاث ليلى من شهور، بعد ما وصلته دراسة علمية قدمتها عن رعاية الأطفال المولودين قبل موعدهم.

الدراسة دي كانت سبب اهتمام المؤسسة بيها، لأنها تضمنت أفكارًا تستحق مزيدًا من البحث حول تحسين رعاية الأطفال حديثي الولادة.

ليلى بصت للدكتور حسن وقالت:

– حضرتك كنت عارف كل ده؟

ابتسم الرجل بهدوء.

– كنت عارف إن عندك موهبة كبيرة، لكن ما كنتش أعرف إنك هتوصلي للمرحلة دي وإنتِ بتواجهي كل الظروف الصعبة دي لوحدك.

ثم أضاف:

– إحنا مش بنختار الأطباء على أساس اسم عيلتهم، ولا على أساس حجم ثروتهم. إحنا بنختارهم على أساس علمهم وأمانتهم وقدرتهم على خدمة الناس.

الكلمات دي كانت كفاية إنها تخلي ليلى تنزل دموعها أخيرًا.

لكن وسط التصفيق والفرحة، كان فيه شخص واحد مش قادر يتحمل اللي بيحصل.

نادية الشافعي.

الست اللي دخلت الحفل وهي متأكدة إنها تقدر تتحكم في كل شيء، بقت واقفة في مكانها، والناس اللي كانت بتتنافس على التقرب منها بدأوا يبتعدوا عنها.

حاولت تستعيد سيطرتها، فرفعت صوتها وقالت:

– كل ده تمثيل! البنت دي رتبت لكل حاجة علشان تفضحنا قدام الناس!

الدكتور حسن التفت ناحيتها.

– يا مدام نادية، محدش هنا بيحكم على عيلتك من كلام طالبة. فيه مستندات لازم تتراجع، وفيه جهات مختصة هتتحقق من صحتها. لكن اللي شوفناه النهارده قدامنا واضح: طالبة متفوقة اتعرضت لضغوط، ومع ذلك قدرت تكمل طريقها.

ثم أشار إلى آدم.

– وأنت يا آدم، لازم تقرر إذا كنت هتفضل تهرب من مسؤوليتك، ولا هتواجه الحقيقة أخيرًا.

آدم كان واقفًا ووشه شاحب.

بص إلى ليلى، ثم إلى الطفلة الصغيرة.

لأول مرة، شاف بنته بوضوح.

ما شافهاش باعتبارها مشكلة هتسبب له إحراجًا، ولا باعتبارها سرًا لازم يتخبى.

شاف طفلة صغيرة ملهاش ذنب في أي حاجة حصلت.

اقترب خطوتين من المنصة، وقال بصوت مكسور:

– ليلى… أنا آسف.

ليلى ما ردتش.

أكمل آدم:

– أنا عارف إن كلمة آسف مش هتصلح اللي عملته. أنا خفت من أمي، وخفت أخسر حياتي اللي اتعودت عليها. فاخترت أهرب بدل ما أقف جنبك.

سكت لحظة، ثم نظر إلى الطفلة.

– ممكن أعرف اسمها؟

ليلى ضمت الصغيرة إلى صدرها وقالت بهدوء:

– اسمها مريم.

كرر آدم الاسم بصوت خافت:

– مريم…

ثم رفع عينيه إليها.

– أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي، ومش هطلب منك ترجعي لي. لكن لو سمحتِ، عايز أتحمل مسؤوليتي تجاه بنتي.

ليلى فضلت ساكتة للحظات.

كانت نفسها تسمع الكلام ده من شهور، في الليالي اللي قضتها في المستشفى، وفي الأيام اللي كانت بتحاول فيها توازن بين الدراسة والخوف على بنتها.

لكن سماعه دلوقتي ما محاش الألم.

قالت له:

– يا آدم، مريم مش وسيلة علشان تصلح صورتك قدام الناس. لو عايز تكون أب ليها، لازم تثبت ده بأفعالك، مش بكلامك. وده هيكون من خلال الطرق القانونية، وبما يضمن مصلحتها وأمانها.

هز آدم رأسه.

– أنا فاهم.

أما نادية، فاقتربت منه وهي بتهمس بغضب:

– إنت فقدت عقلك؟ هتسمح للبنت دي تتحكم فيك؟!

آدم التفت إليها، وقال للمرة الأولى بنبرة حاسمة:

– كفاية يا أمي. إنتِ قررتي عني كتير، لكن مش هتقرري عن بنتي.

شهقت نادية.

كانت معتادة إن ابنها ينفذ كلامها، حتى لو كان على حساب نفسه.

لكن المرة دي، وقف أمامها ورفض.

ومع ذلك، ما كانش معنى ده إن كل شيء انتهى.

المحامي المسؤول عن مراجعة المستندات أوضح إن التسجيلات والرسائل هتخضع للفحص، وإن أي اتهامات مالية أو إدارية لازم يتم إثباتها وفق الإجراءات القانونية.

لم يصدر أي حكم ضد نادية في القاعة، ولم يكن من حق أحد أن يعتبر الاتهامات حقائق مؤكدة قبل انتهاء التحقيق.

لكن المؤكد إن نفوذها ما بقاش كافيًا علشان تمنع الأسئلة من الظهور.

وبينما كانت الأحداث دي بتحصل، اقترب الدكتور حسن من ليلى مرة تانية.

قال لها:

– أنا عندي اقتراح، لو إنتِ موافقة.

ليلى مسحت دموعها وسألته:

– اقتراح إيه؟

– المؤسسة مستعدة توفر لكِ منحة تدريب وبحث علمي، مع ترتيبات تساعدك تكملي دراستك وتعتني ببنتك. مش هنوعدك إن الطريق هيكون سهل، لكن مش هتضطري تختاري بين مستقبلك وبين أمومتك.

ليلى بصت إليه بعدم تصديق.

– يعني أقدر أكمل؟

ابتسم.

– طبعًا تقدري. لكن لازم نوضح نقطة مهمة: التفوق وحده مش معناه إنك لازم تشيلي العالم كله على كتافك. إنتِ كمان من حقك ترتاحي، وتطلبي المساعدة، وتكوني أم من غير ما تحسي بالذنب.

الكلمات دي لمست قلبها بطريقة ما قدرتش تقاومها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى