روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

ا.

لكنها في الحقيقة كانت مرهقة وخايفة، ومحتاجة حد يقول لها إن طلب المساعدة مش ضعف.

بعد انتهاء الحفل، خرجت من المدرج وأنا ماسكة إيد ليلى، وهي شايلة مريم.

كان فيه صحفيون واقفين عند البوابة، وناس كتير عايزة تعرف تفاصيل اللي حصل.

لكن ليلى رفضت تتكلم عن أي تفاصيل تخص التحقيقات.

كل اللي قالته كان جملة واحدة:

– أنا مش عايزة بنتي تكبر وهي فاكرة إن وجودها كان سببًا في خجل حد منها. أنا عايزاها تعرف إنها اتولدت تستحق الحب والاحترام، زي أي طفل في الدنيا.

ثم ركبت معايا العربية، وسندت رأسها على كتفي.

بعد دقائق من الصمت، همست:

– ماما، أنا كنت خايفة أوي.

بصيت لها وابتسمت وسط دموعي.

– عارفة يا بنتي.

قالت:

– كنت خايفة أخسرك، وخايفة أخسر مستقبلي، وخايفة الناس تشوفني ضعيفة. كنت كل يوم أصحى وأقول لنفسي لازم أكمل، حتى لو مش قادرة.

مسكت إيدها وقلت:

– إنتِ مش مطالبة تثبتي لأي حد إنك تستحقي تعيشي. ولا لازم تكوني الأولى على دفعتك علشان الناس تحترمك. إنتِ بنتي، وكنت هافضل جنبك حتى لو ما أخدتيش شهادة واحدة.

ليلى بصت لي، ثم ارتمت في حضني.

فضلنا نبكي سوا، بينما مريم كانت نايمة بهدوء بيننا.

في اللحظة دي، حسيت إن كل سنين التعب اللي عشتها ما راحتش هدر.

مش لأن بنتي بقت طبيبة متفوقة، ولا لأن عيلة غنية خسرت قدرتها على التحكم في حياتها.

لكن لأن بنتي أخيرًا فهمت إنها مش لوحدها.

مرت ستة شهور.

خلال الفترة دي، بدأت الجهات المختصة تراجع المستندات المقدمة، وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقق من الادعاءات المتعلقة بالضغط على ليلى ومحاولة التأثير على مستقبلها الأكاديمي.

أما ليلى، فبدأت برنامجها البحثي، مع استكمال متطلبات تأهيلها الطبي وفق القواعد المعمول بها.

وكانت كل يوم بتتعلم حاجة جديدة، مش بس عن الطب، لكن عن الحياة كمان.

تعلمت إنها مش مضطرة ترد على كل إهانة، وإن مش كل معركة تستحق إنها تدخلها.

وتعلمت إن القوة مش معناها إنها ما تعيطش، لكن معناها إنها تعرف تقوم من جديد بعد كل مرة تقع فيها.

أما آدم، فبدأ يتواصل معها من خلال الترتيبات القانونية المناسبة، والتزم بخطوات عملية علشان يتحمل مسؤولياته تجاه مريم.

ليلى ما رجعتش لعلاقتها القديمة بيه، وما وعدتوش إنها هتسامحه.

لكنها سمحت له، تدريجيًا، إنه يثبت جديته في علاقته ببنته، مع وضع حدود واضحة تحميها وتحمي الصغيرة.

أما نادية، فاضطرت تواجه نتائج قراراتها، وظلت الاتهامات المتعلقة بتصرفاتها محل مراجعة وتحقيق. ولم يعد بإمكانها ببساطة أن تفرض إرادتها على الجميع كما كانت تفعل من قبل.

لكن أكبر تغيير حصل ما كانش في حياة نادية أو آدم.

كان في حياة ليلى.

في صباح يوم مشمس، كنت قاعدة في شقتنا الصغيرة، بجهز الفطار، لما سمعتها بتناديني من أوضتها:

– ماما، تعالي بسرعة!

دخلت عليها، لقيتها واقفة قدام المراية، لابسة بالطو أبيض، ومريم قاعدة في سريرها الصغير بتلعب بإيديها.

على مكتب ليلى كانت فيه صورة من يوم التخرج، لكنها ما كانتش الصورة اللي الناس اتكلمت عنها.

كانت صورة ليا أنا وهي، بعد الحفل، وإحنا واقفين جنب بعض، ومريم بيننا.

تحت الصورة، كتبت ليلى بخط إيدها:

«المرأة اللي علمتني إن الكرامة مش بتتقاس بالفلوس، وإن الفقر مش عار، وإن الإنسان يقدر يبدأ من جديد مهما كانت الظروف».

بصيت لها ودموعي نزلت.

قالت ليلى وهي بتقرب مني:

– فاكرة لما كنتِ بترجعي من شغلك وإنتِ تعبانة، وتفضلي تذاكري معايا رغم إنك كنتِ محتاجة تنامي؟

ضحكت وقلت:

– فاكرة طبعًا. كنتِ بتطلعي عينيّ في المذاكرة!

ضحكت هي كمان.

ثم مسكت إيدي وقالت:

– أنا عايزاكي تعرفي إن كل حاجة عملتيها عشاني كانت تستاهل. وأنا مهما بقيت، مش هنسى إن أول درس في الطب اتعلمته منك إنتِ.

استغربت وسألتها:

– أنا؟ إزاي يعني؟

قالت:

– لأنك طول عمرك كنتِ بتساعدي الناس، حتى وإنتِ محتاجة حد يساعدك. علمتيني إن المريض مش مجرد حالة، وإن الإنسان مش مجرد اسم أو فلوس أو منصب. علمتيني إن كل واحد يستحق حد يقف جنبه.

حضنتها، وقلت لها:

– يبقى كده أنا نجحت في أهم امتحان.

بعد سنة، رجعت ليلى إلى قاعة كبيرة في الجامعة، لكن المرة دي ما كانتش واقفة قدامها كطالبة بتدافع عن نفسها.

كانت مدعوة تتكلم في لقاء عن دعم الطلاب المتفوقين اللي بيواجهوا ظروفًا صعبة، وعن أهمية توفير بيئة تسمح للأمهات الشابات باستكمال تعليمهن من غير تمييز.

وقفت على المنصة، ومريم في حضني أنا في الصف الأول.

ليلى بصت للحاضرين، وقالت:

– في يوم من الأيام، وقفت هنا وأنا فاكرة إن مستقبلي كله ممكن يضيع بسبب خطأ ناس تانية في حقي. كنت شايفة إن لازم أكون مثالية علشان أستحق الاحترام.

سكتت قليلًا، ثم أكملت:

– لكنني فهمت إن قيمتي مش مرتبطة برأي عيلة غنية فيّ، ولا بنظرة المجتمع لظروفي. أنا مسؤولة عن اختياراتي، لكن مش مسؤولة عن أحكام الناس الظالمة.

ثم نظرت ناحيتي.

– أمي كانت بتشتغل في النظافة، وكانت ترجع البيت منهكة، لكنها عمرها ما خلتني أحس إن شغلها يقلل منها. هي اللي علمتني إن الشغل الشريف مصدر فخر، وإن الإنسان ممكن يكون بسيطًا في مظهره، لكنه عظيم في قلبه وأخلاقه.

بدأ الحاضرون يصفقون.

ليلى ابتسمت، ثم قالت آخر جملة في كلمتها:

– في يوم تخرجي، حد قال إن بنتي دليل على فشلي. النهارده، أنا واقفة قدامكم علشان أقول إن بنتي كانت سببًا إني أكتشف قوتي الحقيقية. هي ما عطلتش مستقبلي؛ هي خلتني أفهم أنا عايزة أستخدم مستقبلي في إيه.

وقف الحاضرون يصفقون لها.

وأنا، في الصف الأول، كنت بعيط من الفرحة.

بعد انتهاء اللقاء، جريت ليلى ناحيتي، وشالت مريم من حضني، وباستها في جبينها.

ثم بصت لي وقالت:

– يلا يا ماما، نروح البيت.

وفي طريقنا للخروج، افتكرت اليوم اللي وقفت فيه في آخر صف، بفستاني البسيط وجزمتي اللي كانت بتوجع رجلي، وأنا حاسة إننا أصغر ناس في المكان كله.

وفهمت وقتها إننا ما كناش محتاجين نثبت إننا نستحق نقف وسط الناس الأغنياء.

إحنا كنا نستحق الاحترام من البداية، حتى قبل ما حد يعرف اسمنا، أو يشوف شهاداتنا، أو يسمع قصتنا.

لأن الكرامة مش جائزة بياخدها الإنسان لما ينجح.

الكرامة حق، والفقر مش عيب، والأمومة مش جريمة، والإنسان الحقيقي بيتقاس بأخلاقه، مش بحجم ثروته.

تمت ❤️

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى