روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

قلت: “محتاجة أراجع معاكي ملف مشروع قديم. مشروع اتقدم من شركة آدم الشاذلي، وكان متعلقًا بأرض المؤسسة.”

سكتت للحظة. ثم قالت: “مشروع آدم؟”

توقفت عند نبرة صوتها. “إنتِ تعرفي عنه حاجة؟”

ردت بحذر: “كنت مستنية إنك تسأليني عنه في يوم من الأيام.”

حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع. “تقصدِي إيه؟”

قالت: “مش مناسب نتكلم في التفاصيل على التليفون. تعالي مكتبي بكرة الصبح، وهجهز لك كل المستندات اللي عندي.”

قفلت المكالمة، وأنا عارفة إن اللي اكتشفته مجرد بداية. لكن قبل ما أقدر أستوعب الموضوع، سمعت صوت عربية آدم وهي بتدخل الجراج. رجع البيت أبكر من المعتاد.

وبعد ثوانٍ، اتفتح باب مكتبي بعنف. دخل وهو ماسك موبايله، ووشه متغير. “إنتِ كلمتي نادية منصور؟”

رفعت عيني من الشاشة. “أيوه.”

“بخصوص إيه؟”

قفلت الملف ببطء. “بخصوص أوراق المؤسسة.”

اتقدم ناحية المكتب، وحط إيده عليه بقوة. “إنتِ بتدوري في ملفات قديمة ليه؟”

السؤال نفسه كان اعترافًا ضمنيًا إنه عارف بالضبط أنا بتكلم عن إيه.

قلت بهدوء: “لأني اكتشفت إن فيه مستندًا باسم المؤسسة، عليه توقيع مش بتاعي.”

للحظة واحدة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه. وبعدها اختفى، وحل محله الغضب. “إنتِ فاهمة الموضوع غلط.”

سألته: “يبقى وضح لي.”

بص ناحية الباب، وكأنه بيتأكد إن مفيش حد بيسمعنا. ثم قال: “فيه أمور مالية وقانونية إنتِ ما كنتيش متابعة تفاصيلها وقتها.”

ضحكت بمرارة. “كنت مشغولة بدفن بنتي يا آدم، مش بتفويضك إنك تستخدم اسمي.”

ضرب المكتب بكفه. “أنا كنت بحاول أنقذ شركتي!”

سكتُّ. لأن الجملة دي كانت أول اعتراف حقيقي منه. ما قالش إن التوقيع صحيح. ما قالش إنه ما يعرفش الورقة. قال إنه كان بيحاول ينقذ شركته.

وبعدين أضاف بسرعة: “وكل حاجة كانت هترجع لطبيعتها. مفيش حد اتضرر.”

بصيت له طويلًا. “إنت مش عارف مين اتضرر، لأنك عمرك ما سألت.”

اتغيرت ملامحه. ثم حاول يستعيد هدوءه، وقال: “اسمعي يا ليلى. لو فتحنا الملفات دي، مش أنا بس اللي هتأذى.”

رفعت رأسي. “دي كانت نصيحتك، ولا تهديدك؟”

ما ردش. لكن قبل ما يخرج، قال جملة واحدة خلتني أتأكد إن الموضوع أكبر من مجرد توقيع مزور. “فكري كويس قبل ما تكملي. لأنك لو عرفتي كل حاجة حصلت بعد وفاة مريم، مش هتقدري ترجعي زي الأول.”

خرج وقفل الباب وراه. فضلت قاعدة مكاني، وببص للباب المقفول. كان ممكن أصدق إنه بيحاول يخوفني علشان أحميه. لكن فيه حاجة واحدة ماقدرتش أتجاهلها.

آدم قال: «كل حاجة حصلت بعد وفاة مريم». مش قال كل حاجة حصلت في المؤسسة. ولا كل حاجة حصلت في شركته. قال كل حاجة حصلت بعد وفاة بنتنا.

ولأول مرة، بدأت أسأل نفسي سؤالًا كنت بهرب منه من سنين: هل كان فيه شيء عن الأيام الأخيرة في حياة مريم، ماحدش قاله لي؟ وهل زوجي اللي خاني، واستغل حزني، وحاول يذلني قدام عشيقته، كان مخبي عني سرًا يتعلق بأغلى إنسانة في حياتي؟

في اللحظة دي، رن موبايلي. رسالة من الأستاذة نادية. فتحتها، فلقيت صورة لمستند قديم، وتحتها جملة واحدة: «ليلى، قبل ما تقابِليني بكرة، لازم تعرفي إن آدم ماكانش الشخص الوحيد اللي وقّع على الأوراق دي.»

فضلت باصة للرسالة، وإيدي بدأت ترتعش. لأن الاسم اللي ظهر في آخر المستند ماكانش اسم آدم. كان اسم شخص من عيلتي… شخص كنت واثقة فيه أكتر من أي حد تاني في الدنيا.

يتبع…

الجزء قبل الأخير: السر اللي اتدفن مع بنتي
ما نمتش طول الليل. فضلت قاعدة في مكتبي، قدامي صورة المستند اللي بعتتهالي الأستاذة نادية، وبحاول أستوعب الاسم المكتوب في آخر الصفحة.

محمود الرفاعي… أخويا الكبير.

أخويا اللي وقف جنبي يوم وفاة مريم، واللي كان بيقعد معايا بالساعات لما كنت أرفض أتكلم مع أي حد. الشخص اللي كنت بعتبره سندي الوحيد بعد ما خسرت بنتي.

إزاي اسمه يظهر في ورقة ممكن تكون مزورة؟ وليه آدم كان بيحذرني من معرفة الحقيقة اللي حصلت بعد وفاة مريم؟

مسكت موبايلي واتصلت بمحمود. رد بعد رنتين، وكان صوته طبيعي جدًا. “صاحية لحد دلوقتي ليه يا ليلى؟ في حاجة؟”

بلعت ريقي وسألته مباشرة: “فاكر مشروع آدم القديم اللي كان متعلق بأرض الحديقة؟”

سكت ثانيتين. ثانيتين بس، لكنهم كانوا كفاية علشان أحس إن فيه حاجة مش طبيعية.

قال بعدها: “أيوه، فاكره. ليه بتسألي؟”

“لقيت مستند عليه اسمك وتوقيعك، متعلق بالمشروع ده.”

اتغير صوته. “إنتِ بتفتحي الملفات دي ليه دلوقتي؟”

السؤال وجعني أكتر من أي إجابة ممكن يقولها.

قلت بهدوء: “علشان اكتشفت إن فيه أوراق باسم المؤسسة، عليها توقيع مش بتاعي.”

محمود اتنهد وقال: “اسمعيني يا ليلى، الموضوع قديم، وآدم وقتها كان بيمر بأزمة مالية. إحنا حاولنا نساعده، وكل حاجة كانت هتتحل.”

“إحنا مين يا محمود؟”

ما ردش فورًا. كررت السؤال: “إنت وآدم عملتوا إيه؟”

قال بنبرة متوترة: “مش هقدر أشرح لك على التليفون. نتقابل بكرة ونتكلم.”

قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتي. أخويا كان عارف. ويمكن كان عارف من البداية. لكن ليه؟ إيه اللي يخلي أقرب شخص ليا يشارك في حاجة زي دي، وبعدين يفضل ساكت كل السنين دي؟

تاني يوم الصبح، رحت مكتب الأستاذة نادية. كانت قاعدة ورا مكتبها، وقدامها صندوق أرشيف قديم، وملفات متقسمة بعناية.

أول ما دخلت، قامت وسلمت عليَّ، وبعدها قفلت باب المكتب. قالت: “كنت أتمنى إننا نتكلم في ظروف أحسن من دي.”

قعدت قدامها وقلت: “أنا مش عايزة مقدمات يا نادية. عايزة أعرف الحقيقة.”

فتحت الصندوق، وطلعت مجموعة مستندات. “من أربع سنين، شركة آدم الشاذلي كانت داخلة في مشروع عقاري كبير. المشروع كان محتاج ضمانات مالية، وشركته وقتها كانت مديونة بمبالغ ضخمة.”

“وإيه علاقة مؤسسة الرفاعي بالموضوع؟”

حطت قدامي نسخة من عقد. “فيه طلب اتقدم لاستخدام جزء من أرض الحديقة كضمان مؤقت ضمن ترتيبات المشروع. الطلب كان مرفقًا بموافقة منسوبة ليكِ، وموافقة تانية من محمود.”

بصيت للورقة. “أنا ما وقعتش على ده.”

قالت بحزم: “أنا عارفة. لأن توقيعك الموجود في النسخة دي مختلف عن التوقيع الأصلي الموجود في سجلات المؤسسة. وعشان كده رفضت اعتماد المستند وقتها.”

رفعت عيني لها. “يعني الأرض ما اتباعتش؟”

“لا. الأرض ما اتباعتش، وما اتنقلتش ملكيتها. لكن فيه مشكلة تانية.”

قلبي بدأ يدق بسرعة. “إيه هي؟”

نادية فتحت ملفًا تاني. “بعد رفض الطلب، ظهر مستند جديد بيقول إن المؤسسة وافقت على ترتيب مالي بديل، وإن مبلغًا كبيرًا اتدفع مقابل حقوق انتفاع مؤقتة. المشكلة إن المبلغ ده ما دخلش حساب المؤسسة.”

حسيت إن نفسي اتقطع. “راح فين؟”

نادية بصت لي بجدية. “ده اللي كنا بنحاول نعرفه. لكن الحساب اللي استقبل التحويل كان مرتبطًا بشركة وسيطة، والشركة دي كانت بتتعامل مع شركة زوجك.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى