
### الجزء الثاني: البنت اللي كانت بتنتحل شخصيتي!
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
بنت تانية بتدّعي إنها أنا، وأبويا معاها في مكتب التوثيق!
يعني الموضوع مكنش مجرد محاولة للاستيلاء على بيت أمي، ده كان مخطط كامل، وكل خطوة فيه محسوبة بعناية.
قلت للأستاذ عادل بصوت مرتعش:
— حضرتك متأكد من الكلام ده؟ مين البنت دي؟ وإزاي تقدر تثبت إنها مش أنا؟
رد بسرعة:
— أنا وصلتني معلومة من موظف أعرفه في مكتب التوثيق. أبوكي مقدم أوراق عشان يعمل توكيل يسمح له بالتصرف في البيت، والبنت اللي معاه بتقدم نفسها باعتبارها مريم بنت المرحومة فاطمة.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
— بس إزاي؟ ما هي لازم تقدم بطاقة شخصية!
قال المحامي:
— وده بالضبط اللي مخليني قلقان. واضح إن معاهم مستندات مش سليمة. اسمعيني يا مريم، متتصرفيش لوحدك، ومتواجهيش أبوكي قبل ما نوصل للمكتب ونتأكد من كل حاجة.
بصيت ناحية القاعة.
أبويا كان لسه واقف وسط الضيوف، بيضحك وبيستقبل التهاني، وكأن مفيش حاجة بتحصل.
أما سلمى، فكانت قاعدة جنب ليلى، وبتوريها صورًا على موبايلها، وكل شوية يبصوا لبعض ويضحكوا.
وفجأة، فهمت إن الحفلة دي نفسها ممكن تكون جزءًا من الخطة.
أبويا عايز الناس كلها تصدق إن ليلى هي بنتُه الوحيدة اللي تستحق الفخر، وإن أنا مجرد بنت فاشلة خرجت من حياته.
وبعدها، لما يستولي على بيت أمي، هيبقى عنده كل اللي محتاجه عشان يحقق أحلام ليلى.
لكن كان فيه حاجة واحدة نسيها.
أنا مش البنت اللي كان فاكر إنه يقدر يكسرها بكلمتين.
قلت للمحامي:
— أنا جاية لحضرتك دلوقتي.
قفلنا المكالمة، وخرجت من الفندق من غير ما حد يلاحظني.
ركبت سيارة أجرة، وطلبت من السائق يتجه لمكتب الأستاذ عادل.
طول الطريق، كنت ببص للصورة الصغيرة اللي حطيتها في محفظتي.
أمي كانت واقفة قدام بيتنا القديم، حاضناني وبتبتسم.
افتكرت آخر مرة اتكلمت فيها معايا قبل وفاتها.
كانت تعبانة جدًا، لكن رغم كده مسكت إيدي وقالت:
— يا مريم، البيت مش أهم حاجة في الدنيا. المهم إنك متسمحيش لحد ياخد منك حقك أو يخليكي تشكي في نفسك. ولو في يوم حسيتِ إن الدنيا كلها ضدك، افتكري إن الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها مش بتضيع طول ما فيه حد متمسك بيها.
وقتها مكنتش فاهمة معنى كلامها.
دلوقتي فهمته كويس.
وصلت مكتب الأستاذ عادل بعد حوالي نص ساعة.
أول ما شافني، قام من مكانه وطلب من السكرتيرة تقفل الباب.
كان راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض من الجنبين، وملامحه هادية، لكنه في اللحظة دي كان واضح عليه القلق.
حط قدامي صورة مطبوعة من مستند.
وقال:
— بصي كويس يا مريم. دي صورة الورقة اللي اتقدمت النهارده.
مسكت الورقة، وبدأت أقرأ.
كان مكتوب فيها إقرار بتنازلي عن حقوقي في البيت لصالح والدي، محمود عبد الرحمن، مقابل مبلغ مالي زهيد.
لكن المبلغ المكتوب كان صادمًا.
خمسة آلاف جنيه فقط!
خمسة آلاف جنيه مقابل بيت أمي اللي كانت قيمته وقتها ملايين الجنيهات.
رفعت عيني للمحامي وقلت:
— ده جنون! أنا ممضيتش الورقة دي، ومشفتهاش قبل كده أصلًا!
هز راسه وقال:
— وأنا عارف. لكن المشكلة إن الورقة عليها توقيع منسوب ليكي، ومعاها صورة بطاقة شخصية بيقولوا إنها بطاقتك.
قربت الورقة من عيني.
التوقيع كان شبه توقيعي فعلًا.
نفس شكل الحروف تقريبًا، ونفس الانحناءة اللي كنت بعملها في آخر اسمي.
لكن كان فيه اختلاف صغير.
أنا كنت دايمًا بحط نقطة زيادة تحت آخر حرف في توقيعي، عادة اكتسبتها من أيام المدرسة.
التوقيع اللي قدامي مكنش فيه النقطة دي.
أشرت للمحامي وقلت:
— بص هنا. ده مش توقيعي الحقيقي.
رد بهدوء:
— ملاحظتك مهمة، لكن لازم نثبت ده بشكل رسمي. هنحتفظ بنسخة من المستند، ونطلب فحص التوقيع، ونتحقق من هوية الشخص اللي قدم الورقة.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ملفًا قديمًا.
قال:
— قبل ما والدتك تتوفى، طلبت مني أحتفظ ببعض المستندات المتعلقة بالبيت. وكانت حريصة جدًا على إن حقك يكون محمي.
فتح الملف وطلع نسخة من الوصية الأصلية، ومعاها مستندات الملكية.
لكن المفاجأة كانت في الورقة الأخيرة.
كانت رسالة مكتوبة بخط أمي، وموجهة ليا.
تاريخها كان قبل وفاتها بشهرين.
مسكتها بإيدين مرتعشتين وبدأت أقرأ.
«مريم حبيبتي،
لو وصلتي للرسالة دي في يوم من الأيام، فده معناه إنك كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي حاجات كتير كنت بحاول أحميكي منها.
أنا عارفة إنك بتحبي أبوكي، وعارفة إنك نفسك يفضل موجود في حياتك. وعشان كده، يمكن تستغربي إني طلبت من الأستاذ عادل يحتفظ بالرسالة دي بعيد عن البيت.
أنا مش عايزاكي تكرهي حد، ولا عايزاكي تعيشي عمرك خايفة من الناس.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.
البيت اللي سبتُهولك مش مجرد جدران وذكريات. فيه حق لازم يتحافظ عليه، ومستقبل لازم يكون بإيدك إنتِ.
ولو حد حاول يقنعك يومًا إنك مش قادرة تحافظي على حقك، متصدقيهوش.
إنتِ أقوى مما تتخيلي.
بحبك يا بنتي، وهفضل أتمنى أشوفك واقفة على رجلك، مهما حصل».
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت على الورقة، لكن المرة دي مكنتش دموع ضعف.
كانت دموع اشتياق، ووجع، وإحساس غريب إن أمي كانت لسه بتحاول تحميني حتى بعد رحيلها.
مسحت وشي، وبصيت للأستاذ عادل.
— عايزة أعرف البنت دي مين، وعايزة أوقف اللي بيحصل قبل ما أبويا يقدر يعمل أي حاجة بالبيت.
رد بحزم:
— هنبدأ فورًا. لكن لازم نتحرك بالقانون، ومش هنسيب أي مستند مزور من غير ما نطالب بالتحقيق فيه.
في اللحظة دي، موبايله رن.
بص للشاشة، ورد.
سمعته بيقول:
— أيوه، أنا الأستاذ عادل منصور… أيوه، أنا محامي صاحبة العقار.
سكت وهو بيسمع الطرف التاني.
وبعدين ملامحه اتغيرت.
— إيه؟ هو لسه موجود عندكم؟
وقف من مكانه، وطلب مني أستعد.
بعد ما قفل، بصلي وقال:
— أبوكي لسه في مكتب التوثيق. والإجراء اللي كان بيحاول يعمله اتوقف مؤقتًا بسبب مشكلة في مطابقة البيانات.
تنفست براحة بسيطة.
لكن الأستاذ عادل كمل:
— المشكلة إن البنت اللي معاه قالت إنها مستعدة تحلف إنها مريم، وإنها وقعت بنفسها على التنازل.
حسيت بالغضب بيغلي جوايا.
إزاي حد يقبل يدخل نفسه في جريمة زي دي عشان يساعد شخص يسرق حق بنت؟
سألته:
— نقدر نروح هناك؟
قال:
— نقدر نروح، لكن هنخلي كل خطوة رسمية. ولو فيه شبهة تزوير أو انتحال شخصية، لازم الجهات المختصة هي اللي تتحقق من ده.
خرجنا من المكتب، واتجهنا لمكتب التوثيق.
طول الطريق، كنت بحاول أتخيل شكل البنت اللي قررت تنتحل شخصيتي.
هل هي واحدة من معارف أبويا؟
هل وعدها بفلوس؟
ولا هي شخص من الماضي، يعرف عني حاجات محدش يعرفها؟
كل الاحتمالات كانت بتدور في دماغي، لحد ما وصلنا.
دخلنا المبنى، وطلب الأستاذ عادل مقابلة المسؤول عن المعاملة.
بعد دقائق، خرج موظف وطلب مننا الانتظار.
وبعدين فتح باب إحدى الغرف.
وهناك، شفت أبويا.
كان قاعد على كرسي، وقدامه مجموعة أوراق.
جنبُه كانت قاعدة بنت في أوائل العشرينات، شعرها طويل ووشها شاحب.
أول ما رفعت عينيها وشافتني، اتجمدت مكانها.
أما أبويا، فوقف فجأة.
بصلي بصدمة، وبعدها بص للبنت اللي جنبه، وكأنه مش قادر يصدق اللي شايفه.
قال بصوت متقطع:
— مريم؟!
تقدمت خطوة.
— أيوه يا بابا، أنا مريم. البنت اللي إنت قلت إنها فاشلة، وطردتها من بيتك لأنها اترفضت من الأكاديمية العسكرية.
وشه اتغير، وحاول يستعيد هدوءه.
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟ وإزاي عرفتي مكاني؟
ما رديتش على سؤاله.
بدلًا من كده، بصيت للبنت اللي جنبه وسألتها:
— إنتِ مين؟ وليه بتستخدمي اسمي؟
البنت بدأت ترتعش، وبصت لمحمود.
هو رد بسرعة:
— فيه سوء تفاهم. البنت دي كانت جاية تساعدني في إجراءات تخص العيلة، وإنتِ فاهمة الموضوع غلط.
الأستاذ عادل تدخل وقال:
— إحنا هنا علشان نتحقق من مستند بيتقدم باعتباره تنازلًا صادرًا عن موكلتي، وهي بتنكر توقيعه، وكمان بتنكر إنها حضرت الإجراء من الأساس.
الموظف المسؤول طلب من الجميع الهدوء، وأكد إن المعاملة مش هتكتمل قبل التحقق من الهوية وصحة المستندات.
أبويا بصلي بنظرة غاضبة.
— إنتِ فاكرة إنك لما تيجي هنا مع محامي هتقدري تهدديني؟ أنا أبوكي، والبيت ده ملك العيلة كلها!
قلت بهدوء:
— لأ يا بابا. البيت مش ملك العيلة كلها. البيت مسجل باسم أمي، ووصيتها بتقول إنه من حقي أنا.
صرخ:
— إنتِ مش فاهمة حاجة!
في اللحظة دي، البنت اللي كانت قاعدة جنبه بدأت تعيط.
وقالت بصوت منخفض:
— أنا مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده.
بص محمود ناحيتها بعصبية:
— اسكتي!
لكنها المرة دي موقفتش كلامها.
رفعت عينيها وبصتلي، وقالت:
— أنا اسمي سارة. محمود قالي إنك مسافرة بره مصر، وإنك وافقتي تبيعي البيت، وإن كل اللي مطلوب مني إني أساعده في إنهاء الإجراءات.
حسيت إن فيه حاجة أكبر لسه مستخبية.
سألتها:
— وإزاي معاكي ورقة عليها توقيعي؟ وإزاي قدمتي نفسك على إنك أنا؟
انهارت في العياط.
— هو اللي اداني الورق، وقال لي إن المحامي عارف كل حاجة، وإن الموضوع قانوني. أنا وافقت أساعده مقابل مبلغ من الفلوس، لكن مكنتش أعرف إنك مش موافقة.
بصيت لأبويا.
كان واقف ساكت، وملامحه اتبدلت من الغضب للارتباك.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
لكن قبل ما أقدر أسأل سارة أي سؤال تاني، موبايل أبويا رن.
بص للشاشة، واتردد قبل ما يرد.
وبعدين خرج من الغرفة، وهو بيقول:
— أيوه يا سلمى، أنا في مشكلة دلوقتي… لأ، مريم وصلت.
سكت لحظة، وبعدها قال بصوت واطي:
— لا، هي لسه متعرفش موضوع الملف التاني.
الملف التاني!
أول ما سمعت الجملة دي، بصيت للأستاذ عادل.
هو كمان سمعها.
ولما محمود رجع للغرفة، كان واضح إن فيه حاجة اتغيرت.
اقترب الأستاذ عادل منه وقال:
— أستاذ محمود، إيه المقصود بالملف التاني؟
أبويا حاول يضحك، لكنه فشل.




