روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير

— مفيش حاجة. مجرد أوراق عائلية.

لكن سارة رفعت رأسها فجأة، وقالت:

— لأ، فيه ملف تاني فعلًا.

الكل بص ناحيتها.

كملت وهي بتمسح دموعها:

— محمود قالي إن فيه ورقة قديمة بتثبت إن مريم ملهاش الحق في البيت كله، وإنه لو التنازل الأول فشل، هيستخدم الورقة دي.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

التفتُّ للأستاذ عادل.

— حضرتك تعرف أي حاجة عن الكلام ده؟

ملامحه بقت جادة جدًا.

قال بعد لحظة صمت:

— مريم، أنا راجعت وصية والدتك ومستندات الملكية قبل كده، لكن لو فيه مستند تاني بيتم تقديمه، لازم نشوفه ونتحقق من مصدره.

وبعدين بص لمحمود وقال:

— الأفضل إنك تقدم أي مستند بتستند إليه بشكل رسمي، بدل ما تفضل تحاول تمرر أوراق مش واضحة.

محمود رفض يتكلم.

أما أنا، فكنت متأكدة من حاجة واحدة.

البيت مش هو السر الوحيد اللي أبويا بيحاول يخبيه.

لأن أمي، قبل وفاتها، كانت قد أخبرتني إن البيت هو أغلى ما تملكه، وإنها رتبت كل شيء حتى يظل حقي محفوظًا.

فما هو الملف الثاني؟

وليه كان أبويا واثق إنه يقدر يستخدمه عشان يسلبني حقي، حتى لو فشلت خطته الأولى؟

ما كنتش أعرف إن الإجابة هتكون مرتبطة بسر قديم، سر أمي فضلت محتفظة بيه سنين طويلة، وسر لو ظهر للنور، ممكن يقلب حياة العيلة كلها رأسًا على عقب…

يتبع في الجزء الثالث والأخير.
### الجزء الثالث والأخير: السر اللي أمي خبّته عن الكل!

فضلت واقفة في مكتب التوثيق، وببص لأبويا اللي كان بيحاول يهرب من أي سؤال يخص الملف التاني.

لأول مرة في حياتي، مكنتش شايفاه الأب اللي كنت بستنى منه كلمة حلوة، ولا الراجل اللي كنت بحاول أرضيه مهما عمل فيا.

كنت شايفة شخص مستعد يستخدم أي وسيلة عشان يوصل للي عايزه، حتى لو كان الثمن إنه يضيع مستقبل بنته.

الأستاذ عادل طلب من الموظف المسؤول إثبات اعتراضنا على المعاملة، وأكد إننا هنقدم المستندات اللازمة للجهات المختصة للتحقق من صحة التوقيع والهوية.

وبعدها أخدني على جنب وقال:

— مريم، لازم نعرف إيه حكاية الملف التاني ده. لكن الأهم إننا نتحرك رسميًا ونحافظ على كل الأدلة اللي معاكي.

هزيت راسي، وطلعت الموبايل القديم من شنطتي.

قلت له:

— معايا تسجيلات لأبويا وسلمى وهما بيتكلموا عن إجبارى على التنازل عن البيت، وعن تزوير إمضتي لو رفضت. كل حاجة موجودة هنا.

بص للموبايل باهتمام.

— ممتاز. هنحتفظ بنسخة من التسجيلات، وهنعرضها على الجهة المختصة بالطريقة القانونية المناسبة.

في اللحظة دي، سارة رفعت راسها وقالت:

— أنا مستعدة أقول كل حاجة أعرفها.

محمود لف ناحيتها بعصبية.

— إنتِ عارفة إنتِ بتعملي إيه؟!

لكنها المرة دي مبصتش له.

قالت وهي بتعيط:

— أنا وافقت أساعدك عشان كنت محتاجة فلوس، وإنت استغليت ظروفي. قلتلي إن بنتك موافقة على البيع، وإن كل المطلوب مني إني أحضر معاكي وأساعد في الإجراءات. لكن لما شفت مريم واقفة قدامي، فهمت إنك كنت بتكذب عليا.

سألتها:

— والملف التاني؟

اترددت لحظة، وبعدين قالت:

— موجود في خزنة بمكتبك، على حد علمي. شفتك بتحطه هناك بنفسك.

أبويا سكت.

والسكون ده كان كفاية يخليني أعرف إن الموضوع أكبر من مجرد ورقة تنازل.

بعد ما خرجنا من مكتب التوثيق، رجعنا لمكتب الأستاذ عادل.

قعدنا ساعات بنتكلم، وراجعنا كل المستندات اللي تخص البيت.

المحامي أكد لي إن وصية أمي ومستندات الملكية هي الأساس اللي هنستند إليه في حماية حقي، وإن أي مستند جديد لازم يتفحص بعناية قبل ما نقدر نحدد تأثيره القانوني.

لكن قبل ما نمشي، فتح درجًا قديمًا وأخرج ظرفًا بنيًا.

قال:

— والدتك سابت الظرف ده عندي من فترة طويلة، وطلبت مني ما أفتحوش إلا لو ظهر نزاع على ملكية البيت أو حاول حد يتصرف فيه من غير موافقتك.

بصيت له بدهشة.

— أمي كانت متوقعة إن ده ممكن يحصل؟

رد بهدوء:

— والدتك كانت حريصة جدًا على مستقبلك، وكانت بتاخد احتياطاتها. مش معنى كده إنها كانت متأكدة إن أبوكي هيعمل كده، لكن واضح إنها كانت عايزة تضمن إن حقوقك تفضل محفوظة.

فتح الظرف، وطلع منه مستندات قديمة ورسالة مكتوبة بخط أمي.

مد لي الرسالة.

كانت قصيرة، لكن أول سطر فيها خلاني أحس إن قلبي وقف.

«إلى ابنتي مريم، لو حاول أي شخص إقناعك إن البيت مش من حقك، افتكري إن الحقيقة الكاملة موجودة في الأوراق الأصلية، مش في الكلام اللي ممكن يتقال عني بعد وفاتي».

كملت القراءة.

أمي كانت بتشرح إن البيت اتشترى بفلوس من مدخراتها الخاصة، وإن ملكيته اتسجلت باسمها، وإنها رتبت وصيتها بشكل واضح حتى ما يحصلش خلاف على حقها بعد وفاتها.

لكن الجزء الأهم كان في آخر الرسالة.

«يا بنتي، فيه مستند قديم ممكن يحاول والدك استخدامه عشان يشكك في حقك. المستند ده اتعمل في ظروف مختلفة، ومش معناه إنك تنازلتي عن أي حق. لو ظهر يومًا، متخافيش منه، وخلي المحامي يراجع كل تفاصيله».

رفعت عيني للأستاذ عادل.

— هو ده الملف التاني؟

هز راسه ببطء.

— غالبًا، لكن لازم نشوف المستند نفسه قبل ما نحكم.

في اللحظة دي، رن تليفوني.

كان رقم خالتي نادية.

رديت بسرعة.

— أيوه يا خالتي؟

قالت بصوت قلق:

— مريم، أبوكي اتصل بيا، وطلب يعرف إنتِ فين. وبعدها قال كلام غريب عن إن أمك كانت مخبية عنه مستندات تخص البيت.

سألتها:

— قالك إيه بالضبط؟

ردت:

— قال إن فيه اتفاق قديم بينه وبين أمك، وإنها وعدته بحاجة قبل ما تتوفى. وأنا مش فاهمة هو يقصد إيه.

بصيت للأستاذ عادل، وبعدها قلت لخالتي:

— متقلقيش، أنا مع المحامي، وبنراجع كل حاجة.

قفلت المكالمة، وفضلت أفكر.

هل أبويا كان بيحاول يستند لاتفاق قديم فعلًا؟ ولا كان بيحاول يخلق حجة جديدة بعد ما فشلت خطته الأولى؟

ما كانش عندي إجابة، لكن كنت مصممة أعرف الحقيقة.

في اليوم التالي، اتفق الأستاذ عادل معايا على مقابلة أبويا في مكتبه، بشرط إن الكلام يكون واضح، وإننا نحتفظ بكل المستندات ذات الصلة.

وصل محمود في الموعد المحدد، ومعاه سلمى.

أول ما دخل، بصلي وقال:

— إنتِ مبسوطة دلوقتي؟ فضحتيني قدام الناس كلها!

رديت بهدوء:

— أنا مفضحتش حد يا بابا. أنا بس رفضت أتنازل عن حقي بورقة ممضيتهاش.

سلمى تدخلت بسرعة:

— محدش كان عايز ياخد منك حاجة. إحنا كنا بنحاول نحل مشاكل العيلة.

بصيت لها مباشرة.

— وإيه علاقة حل مشاكل العيلة بتزوير إمضتي؟

ما ردتش.

أما أبويا، ففتح شنطته وأخرج ملفًا أسود.

حطه على المكتب وقال:

— اتفضلي. ده الملف اللي بتدوري عليه.

الأستاذ عادل طلب منه يسيب المستندات، وبدأ يراجعها واحدة واحدة.

كان بينها اتفاق قديم متعلق بمصاريف البيت وبعض الترتيبات المالية اللي تمت بين أبويا وأمي خلال فترة زواجهما.

لكن مفيش في الأوراق اللي قدامنا ما يثبت إن أمي تنازلت عن ملكية البيت، أو إن أبويا بقى صاحب الحق في التصرف فيه.

الأستاذ عادل رفع عينيه وقال:

— المستندات دي لازم تتراجع في سياقها الكامل، لكن الورق الموجود هنا لوحده مش دليل على إن مريم تنازلت عن ملكيتها.

محمود ضرب بإيده على المكتب.

— يعني أنا عشت معاها السنين دي كلها، وفي الآخر أطلع من غير حاجة؟!

قلت له:

— محدش قال إنك هتطلع من غير حاجة. إحنا بنتكلم عن بيت أمي، اللي هي قررت تسيبهولي. إنت ليك حياتك وبيتك، لكن مش من حقك تاخد حقي.

بصلي بغضب وقال:

— إنتِ بقيتي واحدة تانية يا مريم!

رديت عليه، ودموعي بدأت تتجمع في عيني:

— لأ يا بابا. أنا نفس مريم اللي كانت بتستنى منك تسألها يومها كان عامل إزاي. نفس البنت اللي كانت بتفرح لما تمدحها، واللي كانت بتدافع عنك قدام أي حد يتكلم عليك.

سكت لحظة، وبعدها كملت:

— أنا اللي اتغيرت لما اكتشفت إنك شايفني مجرد عقبة في طريقك. لما عرفت إنك مستعد تطردني من البيت، وتخليني أصدق إني فشلت، بس عشان تقدر تاخد الحاجة الوحيدة اللي أمي سابتهالي.

محمود بص للأرض.

لأول مرة، مكنش عنده رد جاهز.

لكن سلمى حاولت تغير اتجاه الكلام.

قالت:

— طيب، خلينا ننسى اللي حصل. إحنا عيلة واحدة، ومش لازم ندخل المحاكم في كل حاجة.

الأستاذ عادل رد بحزم:

— المصالحة ممكنة لو الأطراف اختارتها، لكن ده مش معناه إننا نتجاهل مستندات مشكوك في صحتها أو نتنازل عن حق أي طرف في التحقق منها.

وبالفعل، بدأنا الإجراءات الرسمية اللازمة لمراجعة الأوراق، والتحقق من التوقيع، وتوثيق أقوال سارة بشأن دورها في الواقعة.

سارة قدمت إفادتها، وأوضحت الظروف اللي خلتها توافق على المشاركة، وتركت للجهات المختصة تحديد مسؤولية كل شخص.

أما أنا، فاحتفظت بنسخ من كل المستندات والتسجيلات، وبقيت على تواصل مع المحامي لحد ما اتضحت الصورة القانونية.

وبعد فترة من المراجعات والإجراءات، اتأكد إن مفيش تنازل صحيح صادر مني عن البيت، وإن وصية أمي ومستندات الملكية بتدعم حقي فيه.

البيت فضل من حقي، وخطة الاستيلاء عليه فشلت.

لكن اللي حصل بعد كده كان أصعب من أي معركة قانونية.

لأن أصعب حاجة مش إنك تسترد حقك من شخص غريب.

الأصعب إنك تكتشف إن الشخص اللي كنت مستعد تعمل أي حاجة عشان ترضيه، هو نفسه اللي كان مستعد يضيعك عشان مصلحته.

بعد انتهاء الأزمة، رجعت أنا وخالتي نادية لبيت أمي القديم في الإسكندرية.

فتحت الباب بمفتاحي، ودخلت ببطء.

ريحة المكان كانت زي ما هي تقريبًا.

الستائر اللي اختارتها أمي بنفسها، والكرسي اللي كانت بتحب تقعد عليه جنب الشباك، والرف اللي كانت بتحط عليه صور العيلة.

مشيت لحد أوضتها، وفتحت الدرج اللي كانت بتحتفظ فيه بحاجاتها الخاصة.

لقيت صندوقًا صغيرًا، جواه بعض الخطابات القديمة وصورة ليا وأنا طفلة.

قعدت على طرف السرير، وحضنت الصورة.

وقلت بصوت واطي:

— أنا رجعت يا ماما.

ولأول مرة من شهور، عيطت من غير ما أحاول أخبي دموعي.

خالتي نادية دخلت الأوضة، وقعدت جنبي.

قالت:

— أمك كانت هتبقى فخورة بيكي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى