
— ممكن تحكي لي إيه اللي حصل؟
بصت ناحية باب غرفة الفحص، وبعدها بدأت تتكلم.
— كنت في الشهر التاسع، وحسيت بوجع شديد. طلبت من صلاح ياخدني المستشفى، لكنه قال إن عندنا مناسبة مهمة، وإنه مش هيخليني أضيّعها عليه.
كانت بتتكلم بصعوبة، وكأنها بتعيد عيش كل لحظة.
— فضلت أترجاه ساعات. كنت خايفة على الطفل، وهو كان بيقول لي إن كل الستات بتولد، وإن مفيش داعي للخوف. ولما وافق أخيرًا ياخدني، كانت حالتي اتدهورت جدًا.
حطت إيديها على وشها، وبدأت تعيط.
— دخلوني المستشفى بسرعة، والدكاترة فضلوا يحاولوا ينقذوني وينقذوا الطفل. أنا نجيت، لكن حصلت مضاعفات خطيرة، وبعدها عرفت إن الطفل ما كملش.
اتجمدت مكاني. قلت بصوت خافت:
— يعني الطفل الأول ما كملش؟
هزت راسها وهي بتعيط.
— أيوه. وبدل ما صلاح يعترف إنه غلطان، قال لي إن دي إرادة ربنا، وإن مفيش داعي نرجع للماضي. وأنا كنت مكسورة، فصدقت إن السكوت هو الحل.
سألتها:
— وإنتِ ما عرفتيش أبدًا إذا كان التأخير هو السبب؟
ردت:
— ما حدش قال لي إننا نقدر نجزم بكده. لكن الطبيب وقتها قال إن حالتي كانت خطيرة، وإن الوصول بدري كان ممكن يفرق. وأنا فضلت طول عمري أسأل نفسي: لو كنت وصلت المستشفى قبلها بساعة، هل كان ابني ممكن يعيش؟
سكتت، وبعدين قالت جملة وجعتني أكتر من كل اللي فات:
— كنت فاكرة إن السنين هتخليني أنسى. لكن لما شفت نهى بتطلب المساعدة، وشفت صلاح بيكرر نفس الكلام، حسيت إني رجعت لنفس الليلة. كأني شايفة نفسي وأنا واقفة قدامه، بتترجاه وهو مش سامعني.
في اللحظة دي، باب غرفة الفحص اتفتح. خرجت الدكتورة، ووشها جاد. قمنا إحنا الاتنين بسرعة. سألتها:
— بنتي عاملة إيه يا دكتورة؟
قالت:
— إحنا بدأنا التعامل مع ارتفاع الضغط، وبنتابع حالة الجنين عن قرب. لكن الحالة محتاجة تدخل طبي سريع، وممكن نضطر لإنهاء الحمل لو استمرار الحمل بقى خطر على الأم أو الطفل.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. جاسر حط إيده على راسه، وفضل يردد:
— يا رب، يا رب، احفظها.
أما الحاجة سعاد، فمسكت إيدي بقوة، وقالت:
— يا رب ما تخليناش نعيش نفس الوجع مرتين.
بعد دقائق، طلبت الدكتورة تتكلم مع جاسر بخصوص الإجراءات والموافقة على خطة العلاج. دخل معاها، وأنا فضلت واقفة قدام الباب، بدعي ربنا يحفظ بنتي وحفيدتي أو حفيدي.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن أخطر مفاجأة في الليلة دي لسه ما حصلتش.
بعد حوالي عشرين دقيقة، خرج جاسر من غرفة الدكتورة، ووشه متغير تمامًا. قرب مني، وقال بصوت مخنوق:
— حماتي، أنا لازم أقولك حاجة.
بصيت له بقلق.
— إيه يا جاسر؟
بلع ريقه، وبص ناحية أمه، وبعدها قال:
— بابا كان عارف إن أمي فقدت طفلها بسبب اللي حصل زمان… لكنه طول عمره بيقول لنا رواية مختلفة.
الحاجة سعاد رفعت عينيها له بصدمة.
— رواية مختلفة إزاي؟
جاسر طلع موبايله، وفتح رسالة قديمة كان أبوه باعتها له قبل عيد الميلاد بيومين. قرأها بصوت مرتعش:
— «خلي بالك إن مراتك ما تتعودش إنها تمشي كل حاجة على مزاجها. أمك زمان كانت بتسمع الكلام، وعشان كده بيتنا فضل واقف. ما تخليش الحمل يغير نظام حياتك».
الحاجة سعاد حطت إيدها على بقها. وبعدين جاسر كمل:
— وفي رسالة تانية، قال لي إن أمي هي اللي رفضت تروح المستشفى بدري، وإنه حاول يساعدها من البداية.
بصت له أمه بذهول، وسألته:
— إنت صدقت الكلام ده طول السنين دي؟
جاسر ما عرفش يرد. وفي اللحظة دي، رن موبايله من جديد. كان أبوه بيتصل للمرة التالتة.
جاسر بص للشاشة، وبعدها رفع عينيه لينا وقال:
— المرة دي، مش هرد عليه غير لما أعرف الحقيقة كاملة.
لكن قبل ما يقدر يعمل أي حاجة، خرجت ممرضة من غرفة نهى وهي بتنادي بسرعة:
— أهل المريضة نهى؟ محتاجينكم حالًا!
جريت ناحيتها، وقلبي بيخبط بعنف. سألتها:
— بنتي حصل لها إيه؟!
ردت وهي بتفتح الباب:
— الدكتورة عايزة تبلغكم بقرار مهم بخصوص الولادة.
ولما دخلت الغرفة وشفت الدكتورة واقفة جنب سرير بنتي، عرفت إن الدقايق الجاية هتحدد مصير نهى وطفلها… وفي نفس الوقت، سر الحاج صلاح اللي خبّاه خمسة وتلاتين سنة كان على وشك ينكشف بالكامل.
يتبع…
الجزء الثالث: الحقيقة اللي قلبت حياة العيلة كلها
دخلت غرفة نهى وأنا حاسة إن قلبي هيقف من الخوف. كانت بنتي نايمة على السرير، وحواليها أجهزة متابعة، ووشها شاحب، وإيديها ماسكة طرف الملاية بقوة.
أول ما شافتني، مدت إيدها ناحيتي وقالت بصوت ضعيف:
— ماما، هو ابني هيعيش؟
قربت منها، وبوست جبينها، وحاولت أتماسك عشان ما أخوفهاش أكتر.
— إن شاء الله يا حبيبتي. إنتِ بس خليكي قوية، والدكاترة بيعملوا كل اللي يقدروا عليه.
الدكتورة طلبت مننا نسمعها كويس، وقالت إن ضغط نهى مرتفع بشكل مقلق، وإن الفحوصات أكدت وجود اشتباه قوي في تسمم الحمل، وإن استمرار الحالة ممكن يشكل خطرًا على حياتها وعلى الجنين.
وبعد تقييم حالتها، قرر الفريق الطبي إن الولادة المبكرة قد تكون الخيار الأكثر أمانًا، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأم والطفل.
جاسر وقف مكانه كأنه مش قادر يستوعب الكلام. سأل الدكتورة:
— يعني ابني ممكن يتولد دلوقتي؟ لسه بدري عليه!
ردت بحزم:
— إحنا مش بناخد القرار ده لمجرد إن الولادة بدري. إحنا بنوازن بين مخاطر استمرار الحمل ومخاطر الولادة المبكرة، وسلامة الأم عندنا أولوية أساسية. كل دقيقة مهمة، ولازم نتعامل مع الحالة بجدية.
نهى بدأت تعيط، وأنا مسكت إيدها. قالت لي:
— ماما، أنا خايفة.
رديت وأنا بحاول أخبي دموعي:
— وأنا كمان خايفة يا بنتي، لكن إنتِ مش لوحدك. أنا هنا، ومش هسيبك.
بعد شوية، دخل فريق التمريض لتجهيزها، وطلبوا مننا نخرج ونستنى. خرجت وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. لقيت الحاجة سعاد قاعدة على كرسي في الممر، بتردد الدعاء بصوت خافت.




