قصص وروايات

الجزء الثاني

أما جاسر، فكان واقف بعيد شوية، حاطط إيده على راسه. قربت منه وقلت:

— دلوقتي مش وقت لوم ولا خناق. مراتك محتاجاك تبقى جنبها، حتى لو من بعيد. ولما الأزمة تعدي، لازم تفهم إن اللي حصل النهارده ما ينفعش يتكرر.

هز راسه، ودموعه بدأت تنزل. قال:

— أنا غلطت يا حماتي. كنت فاكر إن طاعة أبويا واحترامه معناهم إني لازم أعمل كل اللي هو يقوله. حتى لو مراتي تعبانة. عمري ما تخيلت إن الموضوع يوصل لكده.

بصت له الحاجة سعاد وقالت:

— أنا مش عايزاك تعيش طول عمرك حاسس بالذنب. لكن عايزاك تتعلم من اللي حصل. أنا سكتّ سنين طويلة، والسكوت ما رجّعش ابني اللي فقدته، وما خلانيش أنسى اللي حصل.

وبعدين مسحت دموعها وقالت:

— ما تخلّيش نهى تعيش نفس حياتي.

جاسر نزل راسه، وما قدرش يرد.

بعد ساعة من الانتظار
كانت الساعة قربت من نص الليل، وكل دقيقة كانت بتمر عليّ كأنها ساعة كاملة. وفجأة، خرجت الدكتورة. قمت من مكاني بسرعة، وسألتها:

— طمنيني يا دكتورة، نهى عاملة إيه؟

قالت:

— الحمد لله، قدرنا نسيطر على الوضع الأولي، لكن بسبب خطورة الحالة، قررنا إجراء الولادة. الفريق بيتعامل مع الوضع بكل حرص، والطفل هيحتاج تقييم ورعاية متخصصة بعد الولادة بسبب إنه لسه في الأسبوع التالت والتلاتين.

حطيت إيدي على قلبي، وقلت:

— ربنا يقومها بالسلامة يا رب.

بعد فترة من التوتر والانتظار، سمعنا صوت بكاء طفل صغير من جوه الغرفة. وقفت مكاني، وبصيت للحاجة سعاد. دموعها نزلت فورًا. همست:

— سمعتوا؟ ده صوت طفل!

كنت بعيط من غير ما أحس. بعد دقائق، خرجت طبيبة الأطفال وقالت إن نهى ولدت ولدًا، وإنه بيتلقى الرعاية اللازمة في وحدة حديثي الولادة بسبب ولادته المبكرة، وإن حالته محتاجة متابعة دقيقة.

سألتها:

— طيب، هو هيعيش؟

ردت بهدوء:

— لسه بدري نحكم على كل حاجة، لكن الطفل بيتلقى الرعاية المناسبة، وهنفضل نتابع تنفسه وباقي علاماته الحيوية.

جاسر غطى وشه بإيديه وفضل يعيط. وبعد شوية، سمحوا لي أشوف نهى. كانت مرهقة جدًا، لكنها أول ما شافتني سألتني:

— ماما، ابني فين؟

قلت لها:

— في حضّانة الأطفال يا حبيبتي، والدكاترة بيراعوه. إنتِ ركزي في نفسك دلوقتي، وإن شاء الله ربنا يطمنّا عليه.

غمضت عينيها، ودمعة نزلت على خدها.

— كنت فاكرة إني لو طلبت نقف، جاسر هيزعل مني. كنت خايفة يقول إني بوظت عيد ميلاد أبوه.

مسكت إيدها وقلت:

— يا بنتي، مفيش مناسبة تستاهل إنك تخافي تطلبي المساعدة. واللي بيحبك بجد، لازم يهتم بسلامتك قبل أي حاجة تانية.

بصت لي وقالت:

— أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أرجع أعيش مع جاسر زي الأول.

ما ضغطتش عليها ولا حاولت أديها قرار جاهز. قلت لها:

— مش مطلوب منك تقرري أي حاجة دلوقتي. إنتِ محتاجة تتعافي، وطفلك محتاج رعايتك. لما تبقي أقوى، هتفكري بهدوء في اللي يناسبك.

السر اللي ظهر في نص الليل
خرجت من غرفة نهى عشان أجيب لها شوية حاجات من العربية، فلقيت الحاجة سعاد واقفة جنب الشباك، بتتكلم في الموبايل بصوت واطي. أول ما شافتني، قفلت المكالمة بسرعة.

سألتها:

— خير يا حاجة سعاد؟ في حاجة حصلت؟

اترددت شوية، وبعدين قالت:

— أنا اتصلت بواحدة ست كبيرة كانت تعرفني من زمان. اسمها أمينة، وكانت ممرضة في المستشفى اللي دخلتها يوم ولادتي من خمسة وتلاتين سنة.

استغربت.

— ولسه فاكرة تفاصيل اللي حصل؟

قالت:

— أمينة كانت معايا في أصعب يوم في حياتي. وبعد اللي حصل، حاولت أكلمها أكتر من مرة، لكن صلاح كان بيرفض إني أرجع أفتح الموضوع. من كام سنة، عرفت إنها لسه عايشة، لكن ما قدرتش أواجهها.

سألتها:

— وإيه اللي خلاكي تتصلي بيها دلوقتي؟

بصت لي وعينيها مليانة دموع.

— عشان النهارده فهمت إن السكوت مش بيحمي حد. أنا عايزة أعرف الحقيقة، حتى لو هتوجعني.

بعد أقل من ربع ساعة، رن موبايلها. كانت أمينة. فتاحت مكبر الصوت، وسمعنا صوت ست كبيرة بتقول:

— سعاد؟ إنتِ فعلًا بتتّصلي بيا بعد السنين دي كلها؟

ردت الحاجة سعاد:

— أيوه يا أمينة. أنا محتاجة أسألك عن اللي حصل يوم ولادتي. هل كان ممكن إنقاذ طفلي لو وصلت المستشفى بدري؟

سكتت أمينة فترة طويلة. وبعدين قالت:

— يا سعاد، أنا عمري ما نسيت اليوم ده. إنتِ وصلتي المستشفى في حالة صعبة جدًا، وكل الفريق حاول يساعدك. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها: أنا ما كنتش موجودة وقت ما حصلت كل التفاصيل، ومش هقدر أقول لك إن التأخير وحده هو اللي تسبب في فقدان الطفل.

الحاجة سعاد مسحت دموعها وقالت:

— أنا فاهمة. بس هل فيه سجلات أو أوراق ممكن توضح اللي حصل؟

ردت أمينة:

— ممكن يكون فيه سجل طبي قديم، لكن لازم المستشفى يراجع الأرشيف، خصوصًا إن السنين دي كلها عدت. وأنا مستعدة أساعدك توصلي للمعلومات المتاحة.

شكرتها الحاجة سعاد، وبعد ما قفلت المكالمة، فضلت ساكتة. قلت لها:

— على الأقل، دلوقتي عندك فرصة تعرفي اللي ممكن يتعرف، بدل ما تفضلي طول عمرك أسيرة أسئلة من غير إجابات.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى