قصص وروايات

الجزء الثاني

هزت راسها، وقالت:

— عندك حق.

لكن قبل ما نكمل كلامنا، ظهر الحاج صلاح في آخر الممر. كان جاي بسرعة، وملامحه متوترة. بص لمراته وقال:

— إنتِ بتعملي إيه هنا؟ وعمالة تتصلي بمين في نص الليل؟

ردت بهدوء غريب:

— كنت بتكلم أمينة، الممرضة اللي كانت موجودة يوم ولادتي.

وشه اتغير في ثانية. قال بعصبية:

— إنتِ لسه مصممة تفتحي الموضوع ده؟ مش كفاية اللي حصل النهارده؟

الحاجة سعاد رفعت راسها وقالت:

— اللي حصل النهارده هو اللي خلاني أفهم إن لازم أواجه الماضي. مش هسمح إن خوفك من الكلام يخليني أسكت تاني.

صلاح قرب منها وقال بصوت منخفض:

— خليكي عاقلة يا سعاد. فيه حاجات لو اتفتحت، هتضر ناس كتير.

الجملة دي خلتني أبص له بتركيز. سألته:

— تقصد إيه بكلامك ده يا حاج صلاح؟ إيه اللي ممكن يضر ناس كتير؟

بص لي بغضب، وقال:

— الموضوع ما يخصكيش يا فاطمة.

رديت عليه:

— لما بنتي تبقى في المستشفى بسبب إن ناس ضغطت عليها عشان ما تتأخرش عن مناسبة، ولما أسمع إن نفس الأسلوب اتكرر في الماضي، يبقى من حقي أفهم اللي بيحصل.

جاسر، اللي كان واقف قريب مننا، تدخل لأول مرة. قال لأبوه:

— بابا، كفاية. نهى كانت ممكن تتعرض لخطر كبير، وإنت لحد دلوقتي بتتكلم عن عيد ميلادك وعن أسرار العيلة.

صلاح بص لابنه بحدة.

— إنت كمان هتقف ضدي؟

رد جاسر:

— أنا مش ضدك. لكن مش هسمح إن حد يطلب من مراتي تتحمل الخطر عشان يرضي الناس. ولو أنا كنت غلطان النهارده، فأنا هتحمل مسؤولية غلطتي.

الحاجة سعاد بصت لابنها، وكأنها لأول مرة تسمع منه الكلام ده. أما صلاح، ففضل ساكت ثواني، وبعدها قال جملة خلتنا كلنا نتبادل النظرات:

— إنتوا مش فاهمين حاجة. اللي حصل من خمسة وتلاتين سنة ما كانش زي ما سعاد متخيلة، وفيه سبب خلاني أتصرف بالطريقة دي.

سألته زوجته بصوت مرتعش:

— إيه السبب يا صلاح؟ قول الحقيقة!

لكنه لفّ وشه بعيد، ورفض يكمل. وفي اللحظة دي، رن موبايل جاسر. كانت رسالة من رقم غريب.

فتحها، فلقى صورة قديمة باهتة لورقة مكتوبة بخط اليد، وتحتها رسالة قصيرة:

«لو عايز تعرف الحقيقة عن اللي حصل يوم ولادة والدتك، لازم تدور على الملف القديم في المستشفى. فيه شخص واحد كان عارف كل التفاصيل، لكنه اختفى من حياتكم من سنين طويلة».

جاسر رفع عينيه لينا، وقال:

— مين اللي بعت الرسالة دي؟ وإزاي عارف إننا بنتكلم عن الموضوع دلوقتي؟

الحاجة سعاد قربت منه، وبصت للصورة. وفجأة، حطت إيدها على بقها، وبدأت تترعش. همست:

— الخط ده… أنا أعرف الخط ده كويس.

سألناها في نفس اللحظة:

— خط مين؟

رفعت عينيها، ودموعها بتنزل، وقالت:

— ده خط شخص كنت فاكرة إنه اختفى من زمان!

يتبع في الجزء الرابع والأخير…

الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي غيّرت مصير العيلة كلها
الحاجة سعاد كانت واقفة في نص الممر، ماسكة الموبايل بإيد بتترعش، وعينيها مثبتة على الصورة القديمة. جاسر قرب منها وسألها بقلق:

— ماما، إنتِ تعرفي صاحب الخط ده؟

ما ردتش فورًا. فضلت تبص للصورة كأنها بتحاول تتأكد إن عينيها مش بتخدعها. وبعد لحظات، قالت بصوت مخنوق:

— ده خط محمود… أخويا!

جاسر اتصدم.

— خالك محمود؟ مش إنتِ قلتي لنا إنه اختفى من أكتر من عشرين سنة؟

هزت راسها ببطء، وقالت:

— أيوه. أبوك هو اللي قال لنا إنه اختفى بعد ما سافر، وإن مفيش أي وسيلة نوصل له. لكن أنا عمري ما شفت ورقة رسمية تثبت انقطاع أخباره، ولا حد من العيلة حضر أي مراسم تخصه.

بصينا كلنا ناحية الحاج صلاح. كان واقف بعيد شوية، ووشه اتغير تمامًا. قال بعصبية:

— كفاية الكلام ده! إحنا في مستشفى، ومراتك لسه خارجة من عملية ولادة، ومش ناقصين نفتح حكايات قديمة!

لكن الحاجة سعاد المرة دي ما سكتتش. قالت له:

— طول عمري بسمع كلامك، وبخاف من زعلك، وبحاول أحافظ على البيت. لكن النهارده فهمت إن السكوت مش بيحمي العيلة، وإن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أهون من إني أعيش بقية عمري وأنا مش عارفة اللي حصل.

وبصت لجاسر وقالت:

— اتصل بالرقم اللي بعت الرسالة.

جاسر اتصل، لكن محدش رد. بعدها بعت رسالة يسأل فيها عن هوية صاحب الرقم، فجاله الرد بعد دقايق:

«أنا محمود، أخو سعاد. أنا عايش، ومحتاج أتكلم معاها. فيه حقيقة عن اللي حصل يوم ولادتها لازم تعرفها بنفسها».

الحاجة سعاد حطت إيديها على قلبها.

— محمود عايش؟ أخويا عايش طول السنين دي؟

جاسر حاول يتصل تاني، لكن محمود طلب منهم يقابلوه في مكان عام صباح اليوم التالي، وقال إنه مش هيحكي أي تفاصيل على الموبايل. أما صلاح، فكان ساكتًا، وده زوّد شكوكنا أكتر.

اللقاء اللي استنته سعاد خمسة وتلاتين سنة
الصبح، وبعد ما الدكاترة طمّنونا إن نهى مستقرة، وإن طفلها بيتلقى الرعاية اللازمة في وحدة حديثي الولادة، قررت الحاجة سعاد تقابل أخوها. أنا فضلت في المستشفى مع نهى، وجاسر راح معاها.

بعد ساعتين تقريبًا، رجعوا. أول ما شفت وش الحاجة سعاد، عرفت إنها سمعت كلامًا غيّر حياتها. قعدت جنبي، ومسكت إيدي، وقالت:

— محمود كان عايش فعلًا. لكنه ما اختفاش بإرادته زي ما كنت فاكرة.

سألتها:

— إيه اللي حصل؟

بدأت تحكي. قالت إن محمود كان موجودًا في المستشفى يوم ولادتها، وإنه كان غاضبًا جدًا من صلاح بسبب تأخره في نقلها للمستشفى رغم إنها كانت بتتألم وبتطلب المساعدة.

محمود وقتها دخل في مشادة مع صلاح، وقال له إنه مش هيقدر يسكت لو اكتشف إن إهماله عرّض حياة أخته للخطر. بعد الولادة، حصلت مضاعفات خطيرة، والطفل للأسف ما كملش.

لكن محمود، بحسب روايته، ما اتهمش صلاح بأنه تسبب وحده في فقدان الطفل؛ هو كان غاضبًا لأن أخته اتأخرت في تلقي الرعاية، ولأنه شعر إن خوفها ووجعها ما اتاخدوش بجدية.

وبعدها، بدأت الخلافات بينهم تكبر. قالت سعاد:

— محمود كان عايزني أسيب البيت وأرجع أعيش معاه فترة لحد ما أتعافى، لكن صلاح رفض، وقال لي إن أخويا بيحاول يهدّ بيتي. ومع الوقت، كل ما أطلب أكلم محمود، كان يحصل خلاف جديد.

سألتها:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى