
— طيب، إزاي اختفى كل السنين دي؟
ردت:
— محمود قال لي إنه بعد خلاف كبير مع صلاح، قرر يسافر ويبعد عن المشاكل. حاول يبعت لي خطابات أكتر من مرة، لكنه ما كانش عارف إذا كانت بتوصلني ولا لأ. وبعد سنين، لما حاول يرجع، عرف إن صلاح نقلنا من بيتنا القديم، وما قدرش يوصل لنا.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
— هو ما عندوش دليل إن صلاح منع كل الخطابات بنفسه، لكنه متأكد إن علاقتنا اتقطعت بسبب الخلافات والظروف اللي حصلت وقتها.
بصيت لها بحزن. خمسة وتلاتين سنة كاملة ضاعت منها، وهي فاكرة إن أخوها اختفى، بينما الحقيقة إنها ما كانتش تعرف عنه حاجة.
لكنها فجأة افتكرت حاجة تانية. سألتني:
— تعرفي إيه أكتر حاجة وجعتني يا فاطمة؟
هزيت راسي. قالت:
— مش بس إني فقدت طفلي، ولا إني عشت سنين من غير أخويا. اللي وجعني إني فضلت ألوم نفسي، وأقول يمكن أنا اللي قصّرت، ويمكن أنا اللي ما استحملتش. بينما كان من حقي أطلب المساعدة من غير ما حد يقلل من خوفي.
مسكت إيدي بقوة.
— لما شفت نهى امبارح، حسيت إن التاريخ بيتكرر. لكن المرة دي، قررت ما اسكتش.
مواجهة أخيرة
في نفس اليوم، جه صلاح المستشفى عشان يزور نهى والطفل. دخل غرفة الانتظار، ولما شاف سعاد، وقف مكانه. قال لها:
— عرفت إنك قابلتي محمود.
ردت بهدوء:
— أيوه، قابلته. وعرفت إنه عايش، وإنه قضى سنين بعيد عني.
صلاح نزل عينيه، وبعد لحظات قال:
— أنا ما كنتش عايز أفرق بينكم. كنت شايف إن محمود بيتدخل في حياتنا، وإن كل مشكلة بيني وبينك بتكبر بسببه.
سعاد ردت:
— كان من حقك تختلف مع أخويا. لكن ما كانش من حقك تخليني أعيش وأنا فاكرة إنه اختفى، ولا من حقك تقلل من خوفي ووجعي كل مرة أطلب منك المساعدة.
صلاح سكت. وبعدين قال:
— أنا عارف إني غلطت في حاجات كتير. لكن ما كنتش عايز يحصل اللي حصل للطفل.
ردت سعاد وعينيها مليانة دموع:
— أنا مش هقدر أحكم على نيتك، ولا أقول إن التأخير وحده كان السبب في فقدان الطفل. دي حاجة ما نقدرش نجزم بيها بعد كل السنين دي. لكن اللي أعرفه إنك ما سمعتنيش لما كنت محتاجة لك، وبعدها فضلت أعيش من غير إجابات.
لأول مرة، صلاح ما حاولش يقاطعها. قعد على الكرسي المقابل لها، وقال بصوت منخفض:
— أنا كنت فاكر إن الرجولة معناها إني أسيطر على كل حاجة، وإن كلامي لازم يتنفذ. كنت بخاف من كلام الناس أكتر ما كنت بفكر في اللي بيحصل جوه بيتي.
بصت له سعاد وقالت:
— وده اللي لازم يتغير. مش عشان أنا بس، لكن عشان ابنك ومراته وابنهم كمان.
في اللحظة دي، جاسر خرج من غرفة نهى، وسمع آخر جملة. قرب من أبوه وقال:
— أنا كمان محتاج أعتذر. لما نهى طلبت مني أقف، كنت مهتم بكلامك وبمعاد عيد ميلادك أكتر من اهتمامي بوجعها. وأنا مش هبرر اللي عملته.
بص لصلاح وكمل:
— أنا بحبك وبحترمك، لكن ده مش معناه إني أكرر أخطاءك. نهى مش مطالبة تتحمل الألم عشان ترضي حد، ولا أنا هسمح لنفسي أضغط عليها بالطريقة دي تاني.
صلاح رفع عينيه لابنه، وبان عليه إنه لأول مرة بيسمع منه كلام بالشكل ده. قال بهدوء:
— عندك حق يا جاسر. أنا علّمتك إن الطاعة أهم من الفهم، وإن رأي الناس أهم من راحة البيت. وده كان غلط.
وبص لسعاد وقال:
— أنا مش طالب منك تنسي اللي حصل، ولا أقدر أرجع السنين اللي ضاعت. لكن لو تسمحي لي، أنا عايز أحاول أصلح اللي أقدر عليه.
سعاد ما سامحتوش في لحظتها، وما قالتش إن كل شيء انتهى. كل اللي قالته:
— الاعتذار بداية، مش نهاية. الثقة بترجع بالأفعال، مش بالكلام.
وصلاح هز راسه، من غير ما يعترض.
المفاجأة اللي استنيناها
بعد أيام من المتابعة الطبية، بدأ الطفل يستجيب للرعاية بشكل مطمئن، لكن الأطباء أكدوا إنه محتاج يفضل تحت الملاحظة لحد ما يتأكدوا إنه قادر يتنفس ويتغذى ويحافظ على حرارته بشكل مناسب.
نهى كانت بتزور طفلها كل ما حالتها تسمح، وكانت كل مرة تقرب من الحضانة تحط إيدها على الزجاج وتهمس:
— أنا هنا يا حبيبي، ومش هسيبك.
أما جاسر، فكان معاها في كل زيارة. ما بقاش يطلب منها تستحمل أو يقلل من تعبها، وبقى يسألها باستمرار إذا كانت محتاجة حاجة، ويتعلم إزاي يكون زوجًا وأبًا مسؤولًا.
وفي يوم، دخلت عليهم وأنا شايلة كيس فيه هدوم صغيرة للطفل. نهى ابتسمت وقالت:
— ماما، عايزة أسميه آدم.
سألتها:
— ليه آدم بالذات؟
بصت لابنها من ورا الزجاج وقالت:
— عشان يكون بداية جديدة. بداية من غير خوف، ومن غير ما أحس إني لازم أسكت عشان أرضي حد.
جاسر مسك إيدها وقال:
— وأنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أحافظ على البداية دي.
بعد أسابيع من الرعاية والمتابعة، سمح الأطباء لآدم بالخروج من المستشفى، بعد ما اطمأنوا إلى استقراره وقدرته على التغذية والتنفس بشكل مناسب.
اليوم اللي رجع فيه البيت كان من أسعد أيام حياتي. شفت نهى وهي حاضنة ابنها، وجاسر قاعد جنبها، والحاجة سعاد بتعيط من الفرحة. أما صلاح، فوقف بعيد شوية، وكأنه مش عارف إذا كان من حقه يقرب ولا لأ.
نهى بصت له وقالت:




