
لم أفتح الباب. وقفت في مكاني أستمع إلى صوت نوال وهي تطرق بعنف. «سلمى! أنا عارفة إنك جوه! افتحي الباب!» ثم جاء صوت أبي من خلفها. كان مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي وقف في الفندق قبل ساعات صامتًا أمام الجميع. «سلمى… افتحي يا بنتي. خلينا نتكلم بهدوء.» ضحكت في سري. دلوقتي افتكر إني بنته؟
جلست على طرف الأريكة، وأشرت إلى شاشة هاتفي.
كانت هناك رسالة جديدة من المحامي ياسر.
«كل الإجراءات تمت قانونيًا. لكن في نقطة لازم تعرفيها فورًا. اكتشفت تحويلات مالية غريبة من حسابات الفندق خلال آخر ستة أشهر.»
اعتدلت في جلستي.
كتبت له بسرعة:
«قد إيه؟»
جاء الرد:
«أكثر من 8 ملايين دولار.»
تجمدت يدي.
ثمانية ملايين؟
كنت أعرف أن نوال تحب المظاهر والإنفاق.
لكن هذا الرقم لم يكن إنفاقًا عاديًا.
سألته:
«الفلوس راحت فين؟»
تأخر في الرد.
ثم كتب:
«جزء منها خرج لشركة مسجلة باسم شخص اسمه فؤاد الشامي.»
رفعت رأسي.
الاسم لم يكن غريبًا.
كنت قد سمعته قبل سنوات.
فؤاد الشامي كان أحد رجال الأعمال الذين كانوا يعملون مع أبي في بداية توسع الفندق.
لكن والدتي طردته بنفسها قبل وفاتها.
لم أعرف السبب وقتها.
أرسلت للمحامي:
«عايز كل المستندات اللي عندك.»
ثم سمعت طرقًا جديدًا على الباب.
«سلمى!»
كان أبي.
«أنا عارف إن اللي حصل في الحفلة كان غلط.»
لم أرد.
قال:
«نوال اتصرفت بعصبية، وأنا… أنا غلطت لأني ما اتكلمتش.»
وضعت الهاتف جانبًا.
ظللت صامتة.
فقال:
«لكن الفندق مش مجرد فلوس. ده عمر أمك.»
هذه الجملة جعلتني أقف.
اقتربت من الباب، لكنني لم أفتحه.
قلت من خلفه:
«بالضبط.»
ساد الصمت.
ثم تابعت:
«عشان كده أنا مش فاهمة إزاي سمحت لحد يطردني منه.»
لم يرد أبي.
قلت:
«ماما بنت الفندق ده من الصفر. وكانت عارفة إنك مش قادر تحميه لو حد ضغط عليك.»
سمعت أنفاسه الثقيلة.
ثم قال:
«أنا آسف.»
أغمضت عيني.
كنت أنتظر هذه الكلمة منذ سنوات.
لكنها جاءت متأخرة جدًا.
وققبل أن أقول شيئًا، تدخلت نوال.
«آسفة على إيه يا كمال؟!»
ثم وجهت كلامها إليّ:
«إنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟»
لم أجب.
قالت:
«إنتِ مش فاهمة أنتِ لعبتي مع مين.»
فتحت عيني.
الجملة دي تحديدًا جعلتني أشك إن الموضوع أكبر من مجرد طردي من الحفل.
قلت:
«قصدك إيه؟»
لم ترد.
سمعت أبي يقول:
«نوال… كفاية.»
لكنها صرخت:
«لا! لازم تعرف!»
توقفت للحظة.
ثم قالت:
«إنتِ لو استلمتي الفندق فعلاً، هتكتشفي حاجات مش هتعجبك.»
نظرت إلى الباب.
«زي إيه؟»
لم تجب.
فقلت:
«فلوس اتسرقت؟»
صمت.
«حسابات اتفتحت باسمي؟»
صمت أطول.
«ولا في ديون مخبيينها عني؟»
سمعت صوت أبي.
«سلمى، الموضوع مش بالشكل ده.»
ابتسمت بسخرية.
«يبقى بالشكل إيه؟»
لم يجب.
عندها فهمت أن هناك سرًا.
سرًا كبيرًا.
قلت:
«ارجعوا بيتكم.»
ثم أضفت:
«من بكرة، كل حاجة هتتراجع من أول يوم أمي سلّمتكم الإدارة.»
صرخت نوال:
«إنتِ ما تقدريش!»
قلت بهدوء:
«أنا أقدر.»
ثم أضفت:
«لأن الفندق بقى باسمي.»
ساد الصمت.
ثم سمعت خطواتهما تبتعد.
لكن قبل أن يغادرا المبنى، رن هاتفي.
كان المحامي.
أجبت فورًا.
قال:
«سلمى، لازم تشوفي حاجة.»
«إيه؟»
«التحويلات اللي قلت لك عليها مش أكبر مشكلة.»
سألته:
«أمال إيه؟»
قال:
«لقيت عقدًا.»
«عقد إيه؟»
«عقد بيع مبدئي للأرض.»
توقفت أنفاسي.
«بيع؟»
«أيوه.»
«مين باعها؟»
قال:
«العقد عليه توقيع والدك.»
أغلقت عيني.
ثم سألت:
«ولمين؟»
قال اسمًا واحدًا.
فؤاد الشامي.
نظرت إلى الظلام أمامي.
الشخص الذي طردته والدتي قبل وفاتها…
كان يحاول الآن شراء الأرض التي بنت عليها حلمها.
والأخطر من ذلك…
أن أبي كان قد وقّع له.
لكن هناك شيء لم يكن المحامي قد اكتشفه بعد.
وفي صباح اليوم التالي، عندما وصلت إلى الفندق، اكتشفت أن العقد لم يكن مجرد محاولة لبيع الأرض.
كان هناك تاريخ محدد لإتمام الصفقة.
وكان الموعد…
بعد أقل من أربع وعشرين ساعة.
والشخص الذي كان من المفترض أن يوقّع بدلًا مني…
كان قد حضر بالفعل إلى الفندق.
وكان ينتظرني في مكتبي.
عندما دخلت، رفع رأسه ببطء.
وقال:
«أخيرًا وصلتِ يا سلمى.»
نظرت إليه.
ثم إلى الملف الموجود أمامه.
وقلت:
«إنت فؤاد الشامي.»
ابتسم.
«وأنتِ بنت المرأة اللي حرمتني من كل حاجة.»
وضعت حقيبتي على المكتب.
«لا.»
قلت له:
«أنا بنت المرأة اللي اكتشفت حقيقتك قبل ما تموت.»
اختفت ابتسامته.
ثم دفع الملف ناحيتي.
«إذن… افتحيه.»
فتحته.
وفي الصفحة الأولى…
وجدت توقيع والدتي.
لكن ما قرأته تحت التوقيع جعل الدم ينسحب من وجهي.
لأن والدتي لم تكن قد طردت فؤاد من الفندق بسبب سرقة أو خلاف تجاري.
لقد اكتشفت أنه كان شريكًا سريًا لشخص من داخل عائلتنا.
وكان اسم ذلك الشخص…
مكتوبًا في الصفحة التالية.
قلبت الصفحة ببطء.
في البداية، لم أستوعب ما رأيته.
حدقت في الاسم عدة ثوانٍ.
ثم رفعت عيني إلى فؤاد الشامي.
«ده… مستحيل.»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«للأسف، هو الحقيقة.»
نظرت مرة أخرى إلى الورقة.
كان الاسم واضحًا:
كمال منصور.
اسم أبي.
شعرت كأن الأرض تحركت من تحتي.
أبي لم يكن مجرد رجل ضعيف سمح لزوجته بالسيطرة عليه.
كان شريكًا لفؤاد.
وأمي كانت تعرف.
لكن لماذا أخفت الأمر؟
ولماذا تركت كل شيء باسمه حتى بعد وفاتها؟
دفعت الملف بعيدًا.
«إنت عايز إيه؟»
قال فؤاد:
«أنا عايز حقي.»
ضحكت بمرارة.
«حقك؟ أمي طردتك من هنا.»
«لأنها كانت بتعتقد إني سرقت منها.»
«وما سرقتش؟»
صمت.
ثم قال:
«اسألي والدك.»
وقفت.
«أنا مش هسأل أبي. أنا هعرف الحقيقة بنفسي.»
أخرج فؤاد هاتفه ووضعه على المكتب.
«قبل ما تمشي، اسمعي التسجيل ده.»




