
ضغط زر التشغيل.
خرج صوت والدتي من الهاتف.
صوتها الذي لم أسمعه منذ سنوات.
تجمدت في مكاني.
«كمال… أنا عارفة إنك وقعت على الأوراق.»
شهقت دون أن أشعر.
كان تسجيلًا قديمًا.
وتابعت والدتي:
«لكن لو حاولت تكمل الاتفاق مع فؤاد، هضطر أقول كل حاجة لسلمى.»
توقف التسجيل.
نظرت إلى فؤاد.
«التسجيل ده عندك منين؟»
قال:
«أمك بعتهولي قبل ما تموت.»
«ليه؟»
«علشان كانت عايزة تضمن إن الحقيقة تفضل موجودة حتى لو حصل لها حاجه.»
جلست ببطء.
لأول مرة منذ دخول الفندق، شعرت أنني لا أعرف أي شيء عن حياتي.
سألته:
«إيه الاتفاق اللي كان بينك وبين أبي؟»
قال:
«كان المفروض الأرض تتباع لي من سبع سنين.»
«وليه؟»
«لأن والدك كان غارق في ديون.»
صمت قليلًا ثم أضاف:
«وكان عايز ينقذ الفندق.»
قلت:
«ببيع الأرض؟»
«أيوه.»
«وأمي؟»
«اكتشفت الموضوع.»
قلت:
«فمنعته؟»
هز رأسه.
«وألغت كل شيء.»
نظرت إلى العقد أمامي.
«طيب العقد ده؟»
ابتسم.
«ده محاولة والدك الأخيرة.»
فهمت فجأة.
أبي لم يكن يحاول حماية الفندق.
كان يحاول بيع جزء من إرث والدتي قبل أن أصل إلى سن الثامنة والعشرين وأصبح المالك القانوني.
لكن السؤال الأصعب كان:
لماذا كان يحتاج المال بهذه السرعة؟
رن هاتفي.
كان أبي.
نظرت إلى الشاشة ولم أجب.
بعد ثوانٍ وصلت رسالة:
«سلمى، لازم نتكلم قبل ما تسمعي أي حاجة من فؤاد.»
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم كتبت:
«أنا عرفت.»
جاء الرد سريعًا:
«عرفتي إيه؟»
كتبت:
«كل حاجة.»
لم يرد.
بعد دقيقة وصلت رسالة جديدة:
«تعالي البيت القديم. لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة.»
البيت القديم.
بيت أمي.
المكان الذي لم أدخله منذ وفاتها.
نظرت إلى فؤاد.
«إنت كنت عارف إن أبويا هيطلب مني أروح هناك؟»
هز رأسه.
«لا.»
«يبقى فيه حاجة تانية.»
قال:
«غالبًا.»
أخذت الملف وغادرت.
وصلت إلى البيت قبل المغرب بقليل.
كان كل شيء كما تركته والدتي.
نفس الباب الخشبي.
نفس الشرفة.
حتى شجرة الياسمين التي كانت أمي تعتني بها ما زالت موجودة.
دخلت.
وجدت أبي جالسًا في الصالة.
لكن هذه المرة لم يكن يبدو كرجل الأعمال القوي الذي رأيته في الفندق.
كان يبدو عجوزًا ومتعبًا.
قلت:
«اتكلم.»
رفع عينيه إليّ.
«أمك كانت تعرف إني غلطت.»
«غلطت بس؟»
خفض رأسه.
«كنت مديون.»
«بكام؟»
صمت.
صرخت:
«بكام يا بابا؟!»
قال:
«أكتر من 30 مليون دولار.»
تراجعت خطوة.
ثلاثون مليونًا؟
قلت:
«إزاي؟»
«استثمارات فشلت.»
«والفندق؟»
«كنت بحاول أنقذه.»
«ببيع أرض أمي؟»
لم يجب.
اقتربت منه.
«ونوال؟»
هنا تغير وجهه.
قلت:
«هي كانت تعرف؟»
أجاب بعد صمت:
«هي اللي أقنعتني أوقّع.»
ضحكت من شدة الصدمة.
«طبعًا.»
ثم سألته:
«والـ8 ملايين اللي خرجوا من حسابات الفندق؟»
لم ينظر في عيني.
وهنا عرفت.
«كانت بتسد ديونك؟»
قال:
«جزء منها.»
«والباقي؟»
ظل صامتًا.
ثم قال:
«نوال كانت بتحول فلوس لحساب خاص.»
«ليه؟»
رفع عيني إليّ.
«علشان تهرب.»
تجمدت.
«تهرب من مين؟»
قال:
«من فؤاد.»
ثم أضاف:
«لأن فؤاد مش كان بيطالب بفلوسه بس.»
اقتربت منه.
«أمال كان عايز إيه؟»
قال بصوت منخفض:
«كان عايز الفندق كله.»
سكتُّ.
ثم تذكرت كلام نوال ليلة أمس:
“إنتِ مش فاهمة إنتِ لعبتي مع مين.”
فجأة فهمت.
لم تكن نوال خائفة من خسارة الفندق فقط.
كانت خائفة من أن أكتشف شيئًا آخر.
قلت:
«إيه اللي نوال مخبياه؟»
أبي لم يجب.
فأخرجت هاتفي وفتحت تسجيلًا.
«أنا هسألك مرة واحدة.»
وضعت الهاتف على الطاولة.
«ولو ما قلتليش، هخلي المحامي يفتح كل الحسابات القديمة.»
نظر أبي إليّ طويلًا.
ثم قال:
«نوال كانت ببتزني.»
توقفت.
«بإيه؟»
قال:
«كان معاها مستندات تثبت إنني وقعت على أوراق غير قانونية.»
«وأمي كانت تعرف؟»
«أيوه.»
«وعملت إيه؟»
ابتلع ريقه.
«أمك هددت إنها هتبلغ عن كل حاجة.»
سألته:
«وليه ما عملتش؟»
هنا رفع أبي عيني إليّ.
وكانت نظراته مليئة بالندم.
«لأنها كانت مريضة.»
سكت.
ثم قال:
«وققبل وفاتها بأسبوع… طلبت مني وعدًا واحدًا.»
«إيه هو؟»
قال:
«إني أحافظ عليكِ.»
ضحكت وأنا أشعر بالدموع في عيني.
«تحافظ عليّ؟»
ثم قلت:
«إنت ما قدرتش حتى تمنع مراتك من طردي قدام الناس.»
لم يجد ما يقوله.
لكن قبل أن أغادر، قال:
«سلمى… استني.»
التفت إليه.
مد يده إلى درج قديم وأخرج ظرفًا بنيًا.
«أمك قالت لي ما أفتحه إلا لو حصل اللي حصل الليلة دي.»
أخذت الظرف.
كان اسمي مكتوبًا عليه بخط أمي.
سلمى.
وتحت اسمي جملة قصيرة:
“لو بتقري الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة كاملة.”
فتحت الظرف بيدين مرتعشتين.
وكان أول سطر في الرسالة:
“يا بنتي… أبوكي مش أخطر شخص في الحكاية.”
توقفت أنفاسي.
وفي السطر التالي كتبت أمي اسم الشخص الذي كانت تخشاه طوال سنوات.
اسم لم أتوقعه أبدًا.
نوال.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الصفحة…
حيث كتبت أمي:
“ولو حاولت نوال الوصول إليك بعد موتي، لا تثقي فيها مهما قالت، لأنها تعرف أين أخفيت الشيء الوحيد الذي يمكنه إسقاطها.”
رفعت رأسي ببطء.
وفجأة…
سمعت صوت سيارة تتوقف أمام البيت.
نظرت من النافذة.
كانت نوال قد وصلت.
لكنها لم تكن وحدها.
كان معها رجلان.
وفي يد أحدهما…
حقيبة سوداء كبيرة.
وعندما رأتني واقفة خلف النافذة، رفعت رأسها وابتسمت.
ثم أشارت إلى الباب.
وكأنها جاءت هذه المرة…
لتأخذ شيئًا محددًا كانت أمي قد أخفته قبل وفاتها.
لم أتحرك من مكاني.
كنت أراقب نوال من خلف الستارة.
كانت واقفة أمام البيت بثقة غريبة، وكأنها صاحبة المكان.
أما الرجلان اللذان معها، فكانا يقفان على جانبيها، أحدهما يحمل حقيبة سوداء كبيرة.
التفتُّ إلى أبي.
«إيه اللي هي بتعمله هنا؟»
لم يجب.
قلت:
«بابا!»
قال بصوت منخفض:
«هي عارفة إن أمك كانت بتخبي مستندات مهمة هنا.»
نظرت إليه.
«وإنت عرفت منين؟»
خفض عينيه.
«نوال كانت بتسألني عنها من فترة.»
«وإنت قلت لها؟»
هز رأسه.
«لا.»
ثم أضاف:
«بس هي كانت بتراقب البيت.»
وضعت الرسالة داخل حقيبتي.
أمي قالت بوضوح:
لا تثقي فيها مهما قالت.
رن جرس الباب.
ثم بدأ الطرق.
«سلمى! افتحي.»
كان صوت نوال.
اقتربت من الباب، لكنني لم أفتحه.
قالت:
«أنا مش جاية أعمل مشكلة.»
ضحكت.
«غريبة.»
ساد الصمت.
ثم قالت:
«أنا جاية أقول لك الحقيقة.»
قلت من خلف الباب:
«الحقيقة اللي كان ممكن تقوليها في الفندق؟»
لم ترد.
ثم قالت:
«أمك كانت عارفة إن كمال هيخسر كل حاجة.»
نظرت إلى أبي.
كان وجهه شاحبًا.
تابعت نوال:
«وكانت عارفة إن الفندق عليه التزامات ضخمة.»
قلت:
«وعشان كده سرقتوا منه ملايين؟»
صرخت:
«أنا ما سرقتش حاجة!»
قلت:
«يبقى ليه جايبة معاكي اتنين رجال وحقيبة في نص الليل؟»
لم تجب.
ثم سمعت صوت الرجل الموجود معها:
«افتحي الباب أحسن لك.»
هنا تغير كل شيء.
أخرجت هاتفي واتصلت بالمحامي.
«ياسر، نوال موجودة هنا ومعاها شخصين وبيحاولوا يدخلوا البيت.»
قال فورًا:
«اقفلي كل الأبواب. ما تفتحيش لهم. أنا هتصرف.»
لكن قبل أن ينهي المكالمة، سمعت صوت مفتاح يدور في الباب.
التفتُّ بسرعة.
نظرت إلى أبي.
«إنت اديتها مفتاح؟»
هز رأسه.
«لا.»
انفتح الباب.
دخلت نوال.
كانت تحمل حقيبة صغيرة بيدها.
قالت:
«أنا مش محتاجة إذنك علشان أدخل بيت جوزي.»
قلت:
«البيت ده مش بتاعك.»
ابتسمت.
«ولا الفندق بتاعك، زي ما كنتِ فاكرة.»
رفعت حاجبي.
«الفندق باسمي قانونيًا.»
تغيرت ملامحها.
«مؤقتًا.»
«إيه؟»
اقتربت مني.
«إنتِ فاكرة إن إجراءات المحامي خلصت كل حاجة؟»
قلت:
«خلصت نقل الملكية.»
ضحكت.
«بس ما خلصت الدين.»
توقفت.
قالت:
«الفندق عليه ديون وتعهدات. ولو سددتيهاش، البنك يقدر يحجز عليه.»
نظرت إلى أبي.
«ده صحيح؟»
لم يجب.
ابتسمت نوال.
«طبعًا صحيح.»
ثم وضعت الحقيبة على الطاولة وفتحتها.
كانت مليئة بالمستندات.
«دي كل العقود.»




