روايات وقصص

الجزء الاول

كان فنجان القهوة يهتز بالفعل في يدي عندما سمعت صوت ابنتي الصغيرة ذات الثلاث سنوات وهي تتحدث إلى أكثر رجل مهيب وصارم عملت معه في حياتي. كنت قد قطعت نصف الطريق في الممر الشرقي لقصر آسر الجبالي، أحمل صينية فضية نسيت أصلًا أنها في يدي، عندما وصلني صوت مريم الصغير من باب مكتبه المفتوح:
“إنت شكلك زعلان.”

 

توقفت. كل العاملين في بيت الجبالي كانوا يعرفون قاعدتين: ممنوع دخول مكتب الأستاذ آسر من غير ما يستدعيك، وممنوع تمامًا إحضار طفل إلى العمل. وفي الصباح ده، أنا كسرت القاعدتين من غير ما أقصد. جليسة الأطفال اتصلت بي الساعة 5:54 الصبح وقالت إنها تعبانة ومش هتقدر تيجي. أختي كانت في نوبة شغل في المستشفى ومقدرتش ترد عليا. والحضانة طلبت مبلغ كبير مقابل مكان طارئ لمريم في نفس اليوم، وأنا ماكانش معايا الفلوس دي، وغيابي عن الشغل يوم واحد كان معناه إني هخسر جزء من المرتب اللي محتاجاه عشان أدفع الإيجار.

لبست مريم فستانها الأصفر الصغير، وحطيت في شنطتي ألوان وبسكويت، وسقت العربية لحد ما دخلت من البوابة الحديدية الكبيرة لقصر الجبالي الساعة سبعة وربع الصبح، وأنا بدعي إن آسر الجبالي يقضي اليوم كله في مكتبه في القاهرة. لكنه رجع الساعة تمانية وأربعين دقيقة. ومحدش حذرني. وبحلول الساعة تسعة، كانت مريم اختفت من غرفة الغسيل. ودلوقتي كانت جوه مكتبه.

حطيت الصينية بسرعة على الترابيزة لدرجة إن معلقة القهوة نطت وخبطت في الطبق. وبعدين بصيت من فتحة الباب. كان آسر واقف ورا مكتبه الخشب الضخم، لابس بدلة رمادي غامق من غير كرافتة، وإيده مستندة على ملف مفتوح قدامه. وكان فارس المنشاوي، مدير أعماله وأقرب رجاله، واقف جنب الشباك وماسك التابلت. ورجلين من الحراسة كانوا واقفين جنب المدفأة. أما مريم، فكانت واقفة مباشرة قدام آسر. كان طولها بالكاد يوصل لحافة مكتبه.

كان بيبصلها بنفس النظرة اللي كانت بتخلي رجال الأعمال وأصحاب الشركات وحتى ناس أخطر بكتير منهم يبصوا فجأة في الأرض. آسر الجبالي ماكانش محتاج يزعق. هو كان بيعرف يخلي خيبة الأمل في عينيه أخوف من الغضب نفسه. نزل حواجبه. ضم شفايفه في خط مستقيم. ومال راسه نص سنتيمتر بس. مريم فضلت تبص له. وبعدين ملامح وشها الصغير اتغيرت.

قطبت حواجبها. وضمت شفايفها. وعقدت دراعاتها قدام صدرها. ومالت دقنها بنفس الطريقة اللي آسر عملها بالضبط. بالظبط. معدتي اتقبضت. عيني فارس اتفتحت على آخرها. وواحد من الحراس بص للسقف كأنه مش عايز يتحمل مسؤولية اللي هيحصل بعد كده. محدش اتنفس. مريم فضلت محافظة على تكشيرة وشها. وآسر فضل محافظ على تكشيرته. الاتنين فضلوا باصين لبعض. خمس ثواني. يمكن ستة. وبعدين آسر رفع حاجبه اليمين. مريم رفعت حاجبها هي كمان. طرف بقه اتحرك. وطرف بقها اتحرك هو كمان. فارس طلع صوت غريب كأنه بيحاول يبلع ضحكة. آسر بص له. فارس على طول بقى مركز جدًا مع التابلت اللي في إيده.

مريم بصت لفارس، وبعدين رجعت بصت لآسر. وقالت بكل براءة:
“إنت بتعمل الوش ده كتير.”
وأخيرًا رجلي قدرت تتحرك: “مريم!”
كل الموجودين في الأوضة بصوا ناحيتي. مريم ابتسمت لي: “هاي يا ماما.”
كنت نفسي الأرض تنشق وتبلعني. قلت بسرعة:
“أستاذ آسر، أنا آسفة جدًا. جليسة الأطفال اعتذرت، وماكانش عندي حد أسيبها معاه، وهي كانت المفروض تفضل في غرفة الغسيل. أنا بس بصيت بعيد لـ…”

آسر رفع صباع واحد فسكت. بص لمريم. وبعدين، بمنتهى الجدية، نزل على ركبته لحد ما بقى في نفس مستوى عينيها. بدلته اتكرمش عند ركبته. أنا عمري ما شفته بينزل على ركبته، وماكنتش متأكدة إن حد في البيت كله شافه بيعمل كده قبل كده. بص لمريم. ومريم بصت له. واللي حصل بعد كده خلّى كل اللي في القصر مش قادرين يمسكوا نفسهم من الضحك…

فضل آسر ساكت وهو في نفس مستوى مريم. كان باصص لها بجدية شديدة، وهي كمان كانت باصة له بنفس الجدية. وبعدين قال بصوت هادي:
“إنتِ كنتِ بتقلديني؟”
مريم هزت راسها بكل ثقة: “أيوه.”
فارس عض على شفايفه عشان ما يضحكش. واحد من الحراس لف وشه بعيد. أما أنا فكنت حاسة إن وشي اتحرق من الإحراج. قلت بسرعة:
“مريم! اعتذري للأستاذ آسر حالًا.”
بصت لي، وبعدين بصت له: “هو زعلان مني؟”
آسر رد: “لأ.”
مريم قربت منه خطوة: “طب إنت زعلان من مين؟”
سكت آسر لحظة. وبعدين قال: “من ناس كتير.”
مريم عقدت حواجبها: “ليه؟”
فارس كتم ضحكته بالعافية. آسر بص له بنظرة حادة فسكت فورًا. مريم فضلت مستنية الإجابة. آسر قال:
“عشان الناس ساعات بتعمل حاجات غبية.”
مريم فكرت شوية. وبعدين قالت بمنتهى البراءة:
“زي لما خالو فارس كسر الكوباية وقال إنها وقعت لوحدها؟”

الغرفة كلها سكتت. فارس فتح عينيه على آخرهم: “مريم!”
ضحكت. ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت ده، شفت حاجة غريبة جدًا. طرف شفايف آسر اتحرك. كان بيحاول يمنع نفسه من الضحك. قال:
“إنتِ بتعرفي كل حاجة بتحصل في البيت؟”
مريم هزت راسها: “آه.”
“مين علمك؟”
“ماما.”
فتحت بوقي بدهشة: “أنا؟!”
مريم بصت لي وقالت: “إنتِ بتتكلمي وإنتِ فاكرة إني نايمة.”

فارس انفجر ضاحكًا. حتى أحد الحراس اضطر يحط إيده على بقه. أما آسر ففضل ساكت ثواني، وبعدين أطلق ضحكة قصيرة. كل الموجودين بصوا له في صدمة. أنا نفسي ماصدقتش. آسر الجبالي بيضحك؟! الرجل اللي مجرد دخوله مكان كان كفيل إن الكل يسكت؟
مريم بصت له بانتصار وقالت:
“أهو كده أحلى.”
آسر رفع حاجبه: “إيه اللي أحلى؟”
“لما تضحك.”

سكت آسر. الكلمة البسيطة دي غيرت ملامح وشه للحظة. بص لمريم بطريقة مختلفة. وبعدين مد إيده وحطها فوق رأسها:
“إنتِ اسمك مريم؟”
“آه.”
“عندك كام سنة؟”
رفعت ثلاثة صوابع: “تلاتة.”
“وكبرتي إمتى؟”
فكرت شوية. وبعدين قالت: “لما بابا مات.”

الضحكة اختفت من الغرفة كلها. أنا حسيت قلبي اتقبض. مريم كانت بتتكلم بمنتهى البساطة، كأنها مش عارفة إن الجملة دي ممكن توجع. آسر بص لي. كانت أول مرة أشوف في عينيه حاجة غير القسوة. سألني بهدوء:
“والدها مات؟”
هزيت راسي: “من سنتين.”
“حادثة؟”
“أيوه.”
سكت. وبعدين رجع بص لمريم. كانت بتلعب في طرف فستانها. قال لها: “وأنتِ بتخافي من الرجالة اللي بتتكشر؟”
مريم هزت راسها: “لأ.”
“ليه؟”
قربت منه وقالت: “عشان ماما قالتلي إن الراجل اللي بيزعق كتير بيكون قلبه طيب بس محدش فهمه.”
أنا بصيت لمريم بصدمة: “أنا قلتلك كده إمتى؟”
ردت بكل براءة: “امبارح.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى