روايات وقصص

الجزء الاول

فارس ابتسم. أما آسر ففضل باصص لمريم فترة طويلة. وبعدين وقف. رجع لهيبته المعتادة، لكنه قال لي: “خليها هنا.”
اتجمدت مكاني: “حضرتك؟”
“خلي مريم هنا.”
بلعت ريقي: “بس أنا آسفة، أنا عارفة إن وجودها مخالف لقواعد البيت…”
قاطعني: “القواعد اتعملت عشان الناس، مش عشان الأطفال.”
وبص لي: “من النهارده، لو ماعندكيش حد تسيبيها معاه، هاتيها.”
ماقدرتش أصدق اللي سمعته: “بس حضرتك…”
رفع إيده: “خلصنا.”

وبعدين رجع لمكتبه. لكن قبل ما يقفل الملف، مريم نادت عليه: “يا عمو آسر.”
وقف. كلنا بصينا لها. آسر لف ببطء: “نعم؟”
قالت: “اعمل الوش تاني.”
فارس حط إيده على وشه. والحارس بص للأرض. وأنا تمنيت أموت من الإحراج.
لكن آسر… فعلها. قطب حواجبه، وضَم شفايفه، ومال رأسه بنفس الطريقة. مريم عملت نفس الوش. ثانيتين فقط، ثم الاثنين انفجروا في الضحك.

ومن يومها، حصل شيء لم أتخيله أبدًا. الطفلة الصغيرة التي دخلت قصر الجبالي بالصدفة… كانت أول شخص يقدر يكسر الجدار الذي بناه آسر حول قلبه. لكنني لم أكن أعرف أن وجود مريم في هذا البيت لن يغير آسر وحده، بل كان سيكشف سرًا قديمًا داخل العائلة… سرًا جعل آسر يعيش بهذا وجه الغاضب طوال حياته، وسرًا آخر سيجعلني أتساءل: هل الرجل الذي أخاف منه الجميع كان في الحقيقة هو الشخص الوحيد الذي يمكنه حماية ابنتي؟

مرت الأيام التالية بشكل غريب. مريم بقت جزء من روتين البيت من غير ما حد يقرر ده رسميًا. الصبح تدخل معايا، تروح معايا غرفة الغسيل، وبعد شوية تختفي. وفي كل مرة كنت ألاقيها في مكان مختلف؛ مرة قاعدة جنب فارس وهو بيشتغل على اللابتوب، ومرة قاعدة على السلم بتلون في كراسة الرسم، ومرة، ودي كانت أكتر مرة بتخوفني، ألاقيها قاعدة في مكتب آسر.

والأغرب إن آسر نفسه ماكانش بيعترض، بالعكس. في يوم دخلت المكتب وأنا شايلة القهوة، لقيت مريم قاعدة على الكرسي الكبير قدام مكتبه، ورجليها مش واصلة للأرض، وماسكة قلم أحمر وكانت بترسم على ورقة من ملف مهم. شهقت: “مريم!”
آسر رفع عينه من الورق: “سيبيها.”
بصيت له: “بس دي ملفات حضرتك!”
قال بهدوء: “هي مش بتفهم يعني إيه ملف مهم.”
مريم رفعت الورقة: “بص يا عمو آسر.”

قربت منه. كان على الورقة رسمة بيت كبير، وشخص طويل لابس بدلة، وطفلة صغيرة واقفة جنبه. آسر بص للرسم فترة وسألها: “دي مين؟”
مريم أشارت لنفسها: “دي أنا.”
وأشارت للشخص الطويل: “وده إنت.”
وبعدين أشارت لامرأة صغيرة مرسومة جنبهم: “ودي ماما.”
فضل ساكت. مريم قالت: “إحنا عيلة.”

الكلمة نزلت على آسر كأنها حاجة تقيلة. أنا لاحظت التغيير في عينيه. أخذ الورقة منها بحذر، وكأنه خايف يقطعها، وبعدين قال: “حلوة.”
مريم ابتسمت: “هعلقها؟”
آسر هز راسه: “آه.”
“فين؟”
أشار إلى الحائط خلف مكتبه: “هنا.”
بصيت له بدهشة. هو نفسه كان عنده لوحات أصلية غالية جدًا على الحيطان، لكنه شال واحدة منهم بإيده، وعلق رسمة مريم مكانها. ماحدش اتكلم. ومن يومها، الرسمة فضلت هناك.

لكن بعد أسبوع تقريبًا، بدأت ألاحظ حاجة غريبة. كل مرة حد من عيلة الجبالي يدخل البيت، آسر يتغير، خصوصًا لما يكون عمه كمال الجبالي موجود. كمال كان رجلًا في أواخر الخمسينات، هادي جدًا، وبيتكلم بأدب زيادة عن اللزوم. لكن مريم ماكانتاش بتحبه. أول مرة شافته، استخبت ورا رجلي. سألتها: “مالك؟”
قالت: “الراجل ده عينيه وحشة.”
ضحكت: “مريم، عيب نقول كده.”
لكنها فضلت باصة له. كمال ابتسم لها: “دي بنتك؟”
قلت: “أيوه.”
مد إيده ناحيتها. مريم رجعت خطوة. في اللحظة دي، آسر ظهر من آخر الممر: “سيبها.”
كمال بص له: “أنا كنت بس بسلم عليها.”
آسر رد ببرود: “هي قالت لأ.”

كمال سكت، وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة: “من إمتى وإنت بتسمع كلام الأطفال؟”
آسر قرب منه: “من إمتى وإنت بتقرب من حاجة أنا قلت محدش يقرب منها؟”
التوتر انتشر في المكان. أنا أخدت مريم بسرعة ومشيت. لكن قبل ما أبعد، سمعت كمال بيقول: “واضح إن وجود الخادمة وبنتها غيرك يا آسر.”
آسر رد: “وجودهم مش موضوعك.”

دخلت غرفة الغسيل وأنا بحاول أهدّي مريم. لكنها فجأة قالت: “ماما.”
“نعم؟”
“عمو آسر بيخاف من عمو كمال.”
اتوترت: “مين قالك كده؟”
“وشه.”
بصيت لها: “إيه؟”
قالت: “لما كمال بييجي، عمو آسر بيعمل وش تاني.”
حاولت أضحك، لكن قلبي ما ارتاحش. وفي الليلة نفسها، وأنا خارجة من المطبخ، سمعت صوتين جايين من المكتب: صوت آسر وصوت كمال. وقفت من غير ما أقصد. آسر كان بيقول: “أنا حذرتك قبل كده.”
كمال رد: “وأنا قلتلك إن اللي حصل زمان انتهى.”
“لأ، ما انتهيش.”
“إنت لسه بتدور ورا الموضوع؟”
سكت آسر ثواني، وبعدين قال بصوت منخفض: “أبويا ما ماتش في حادثة.”

اتجمدت مكاني. كمال ما ردش. آسر أكمل: “وأنا عارف إنك كنت موجود الليلة دي.”
سمعت صوت حاجة اتخبطت جوه المكتب. وبعدين كمال قال: “خلي بالك يا آسر… فيه أسرار لو اتفتحت، مش هتقدر تقفلها تاني.”
سكت آسر، ثم قال: “عشان كده أنا هفتحها.”

رجعت للخلف بسرعة قبل ما حد يشوفني. لكن وأنا بمشي، سمعت صوت صغير ورايا: “ماما.”
لفيت. كانت مريم واقفة عند باب غرفة الغسيل. بصيت لها: “إنتِ سمعتي؟”
هزت راسها، وبعدين قالت جملة خلت الدم يبرد في عروقي:
“عمو كمال كان بيكلم واحد في التليفون الصبح… وقال له إن لازم ماما تمشي من هنا.”
اتسعت عيناي: “إنتِ سمعتي الكلام ده؟”
هزت راسها: “أيوه.”
“وقال إيه كمان؟”
مريم فكرت شوية، وبعدين قالت: “قال إن وجودك هنا هيبوظ كل حاجة.”

في اللحظة دي فهمت إن الموضوع ماكانش مجرد خلاف عائلي. وجودي أنا ومريم في قصر الجبالي… كان بدأ يهدد سرًا عمره سنين. والمشكلة الأكبر؟ إن الشخص اللي كان عايزنا نمشي… كان واحدًا من أقرب الناس لآسر.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى