روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

الجزء الثاني والاخير
الدكتورة نادية ماكنتش متخيلة إن اللي هتكتشفه في الملفات هيكون أخطر من مجرد تزوير… لكن لما وصلها اتصال في نص الليل، عرفت إن فيه حد بيحاول يمنع الحقيقة من الظهور بأي تمن!

في صباح اليوم التالي للحفل، صحيت الدكتورة نادية منصور بدري، وحضّرت قهوتها، وقعدت قدام المكتب الصغير الموجود في شقتها القديمة في مصر الجديدة.

قدامها كانت فيه مجموعة من الأوراق، وتقارير طبية، ونسخة من المستند اللي اكتشفت فيه إن موافقة أحد المرضى على العملية اتضافت إلى ملفه بعد وفاته بسبع عشرة ساعة.

فضلت تبص للتاريخ المكتوب أعلى الصفحة.

كانت بتحاول تفهم إزاي حاجة بالحجم ده ممكن تحصل في مستشفى المفروض إنه بيخضع لرقابة صارمة.

لكنها كانت عارفة إن الورقة دي لوحدها مش كفاية.

كانت محتاجة تثبت مين اللي عدّل الملف، وإمتى حصل التعديل، وهل كان مجرد خطأ إداري، ولا محاولة متعمدة لإخفاء حقيقة اللي حصل للمريض.

فتحت اللابتوب، وبدأت تراجع الملاحظات اللي سجلتها أثناء التحقيق.

ثلاث حالات وفاة.
خمس حالات مضاعفات خطيرة.
تعديلات غير مبررة في توقيتات بعض الإجراءات.
وتوقيعات متكررة باسم الدكتور آدم الشافعي.

لكن فيه حاجة كانت بتتكرر في كل الملفات.

كلما اقتربت من اكتشاف تناقض واضح، كانت تلاقي مستندًا آخر بيحاول يبرر القرار الطبي، وكأن حد كان بيراجع الملفات بعد كل واقعة عشان يتأكد إن مافيش حاجة ممكن تدين المسؤولين.

وفجأة، رن تليفونها.

كان الاتصال من الدكتور محمود فوزي، أحد أعضاء فريق المراجعة المستقل.

ردت بسرعة.

— صباح الخير يا دكتور محمود.

جاءها صوته متوترًا:

— دكتورة نادية، محتاج أقابلك النهارده. فيه تطور جديد في القضية.

اعتدلت في جلستها.

— خير؟ اكتشفتوا حاجة؟

سكت محمود للحظات، ثم قال:

— راجعنا النسخ القديمة من الملفات، ولقينا إن التعديلات ماحصلتش كلها في نفس الوقت. فيه تعديلات اتعملت بعد كل حالة وفاة بأيام، وفيه حساب إداري استخدمه أكتر من شخص.

— يعني مش بالضرورة آدم لوحده؟

— بالضبط. إحنا لسه ما نقدرش نتهم حد بشكل نهائي، لكن فيه حاجة أخطر من مجرد اختلاف في التوقيتات.

— إيه هي؟

— فيه ملف اختفى من الأرشيف الإلكتروني بالكامل، رغم إن سجلات النظام بتثبت إنه كان موجودًا.

حست نادية بقبضة باردة في صدرها.

— ملف مين؟

سمّى محمود اسم مريض.

أغمضت نادية عينيها للحظة.

كانت الحالة دي واحدة من الحالات اللي أثارت شكوكها من البداية.

مريض دخل المستشفى لإجراء عملية قلب، وبعدها حصلت مضاعفات انتهت بوفاته.

عائلته كانت مقتنعة إن كل حاجة حصلت بشكل طبيعي، وإن الأطباء عملوا اللي عليهم.

لكن لو الملف اختفى فعلًا، فده معناه إن فيه معلومات ممكن تكون مهمة جدًا لفهم اللي حصل.

قالت نادية:

— لازم نتحرك رسميًا. أي مستندات جديدة لازم تتأمن، ولازم نحافظ على النسخ الأصلية وسجلات التعديلات.

رد محمود:

— ده اللي بنعمله. بس فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.

— إيه؟

— إدارة المستشفى عرفت إن فيه مراجعة موسعة للملفات.

سكتت نادية.

كانت متوقعة إن الخبر يوصل لهم في وقت ما، لكن ماكانتش تتمنى إنهم يعرفوا قبل ما فريق التحقيق يجمع كل الأدلة اللازمة.

أنهى محمود المكالمة بعد ما اتفقوا على مقابلة في مقر الجهة المسؤولة عن المراجعة.

قفلت نادية التليفون، وبصت للشنطة اللي كانت حطاها جنب المكتب.

لأول مرة، بدأت تشعر إن الموضوع أكبر من مجرد كشف خطأ طبي.

—

في نفس الوقت، داخل المكتب الفخم للدكتور آدم الشافعي، كان الجو مختلف تمامًا.

آدم كان واقف قدام الحيطة الزجاجية المطلة على شوارع القاهرة، وبيتكلم في التليفون بعصبية.

— إزاي يعني فيه مراجعة جديدة؟ مش إحنا خلصنا الموضوع ده من شهور؟

جاءه صوت مدير الشؤون الإدارية:

— المراجعة المرة دي أوسع يا دكتور. شركة التأمين طلبت فحص عدد من الحالات، وفيه مستندات بيتم التحقق منها.

— ومين المسؤول عن المراجعة؟

تردد الرجل قبل ما يرد:

— الدكتورة نادية منصور.

اتجمد آدم في مكانه.

حس إن حد صب عليه مية ساقعة.

— نادية منصور؟!

— أيوه يا دكتور.

قفل آدم المكالمة من غير ما يقول كلمة، وبعدها ضرب بيده على المكتب.

عشرين سنة!

عشرين سنة وهو بيحاول يثبت لنفسه وللناس إن الست دي ماكانتش غير عقبة قديمة في طريق نجاحه.

والآن، رجعت تاني.

مش كأستاذة في الجامعة، ولا كست كبيرة في السن ممكن يتجاهلها أو يحرجها قدام الناس.

المرة دي كانت مسؤولة عن مراجعة ملفات ممكن تحدد مستقبله المهني كله.

دخلت داليا مكتبه بعد ما سمعت صوته العالي.

— مالك يا آدم؟ إيه اللي حصل؟

لف ناحيتها، وكانت ملامحه متوترة.

— الدكتورة نادية هي اللي بتراجع الملفات.

اختفت ابتسامتها.

— نادية؟ اللي كانت في الحفل امبارح؟

— أيوه.

قربت منه وقالت:

— بس إنت قلت إنها مجرد أستاذة قديمة، وإن موضوعكم انتهى من زمان!

رد بعصبية:

— هو انتهى بالنسبة لي. لكن واضح إنها لسه مصممة ترجع تفتح حاجات قديمة.

داليا سكتت شوية، وبعدها سألت:

— هل فيه حاجة في الملفات ممكن تعمل لك مشكلة؟

بصلها آدم بسرعة.

— إنتِ بتسأليني السؤال ده ليه؟

— عشان لازم نفهم حجم المشكلة قبل ما نتصرف.

ما ردش.

وكان صمته كافيًا عشان يخلي داليا تفهم إن الموضوع مش بسيط.

قعد آدم وفتح درج مكتبه، وأخرج ملفًا ورقيًا قديمًا.

كان الملف خاصًا بإحدى الحالات اللي حصلت فيها مضاعفات خطيرة.

قلب صفحاته بسرعة، ووقف عند ورقة معينة.

فضل يبص لها للحظات، وبعدها رجعها مكانها وقفل الملف.

قال بصوت منخفض:

— لازم أعرف هي معاها إيه بالضبط.

—

في مقر المراجعة، اجتمعت الدكتورة نادية مع الدكتور محمود وبقية أعضاء الفريق.

كان الاجتماع مغلقًا، وحضره مسؤول قانوني وخبير في أنظمة حفظ السجلات الطبية.

عرض محمود على الشاشة مجموعة من البيانات المستخرجة من النظام الإلكتروني للمستشفى.

وقال:

— دي النسخة الأولى من الملف. اتسجلت وقت دخول المريض، واتكتبت فيها تعليمات محددة قبل العملية.

ضغط على زر، فظهرت نسخة تانية.

— ودي النسخة اللي اتقدمت بعد الوفاة.

نادية قربت من الشاشة.

التوقيتات مختلفة.

وفيه ملاحظات جديدة ظهرت في النسخة الثانية، رغم إن سجل النظام بيشير إلى إنها اتكتبت بعد انتهاء الإجراءات الطبية.

سأل الخبير:

— هل نقدر نثبت مين اللي أجرى التعديلات؟

رد محمود:

— بعض التعديلات مرتبطة بحسابات مستخدمين محددة، لكن لازم نراجع سجلات الدخول والصلاحيات المشتركة قبل ما ننسب أي تعديل لشخص بعينه.

أومأت نادية بالموافقة.

— لازم نفرّق بين اللي نقدر نثبته واللي لسه محتاج تحقيق. إحنا مش هنا عشان ننتقم من حد، ولا عشان نثبت إننا كنا صح. إحنا هنا عشان نعرف الحقيقة.

ساد الصمت للحظات.

ثم فتح محمود ملفًا آخر.

— فيه كمان حاجة. أسرة المريض اللي اختفى ملفه اتقدمت بطلب رسمي للحصول على نسخة كاملة من السجل الطبي.

رفعت نادية عينيها.

— والأسرة عرفت إن فيه مشكلة؟

— لسه ماعندهمش كل التفاصيل، لكن ابن المريض بيقول إن والده دخل المستشفى وهو بيتكلم بشكل طبيعي، وإنه اتبلغ بعد ساعات إن حالته اتدهورت فجأة.

سألت نادية:

— هل اتعمل تحقيق وقتها؟

— اتعملت مراجعة داخلية مختصرة، وانتهت إلى إن الوفاة كانت نتيجة مضاعفات معروفة.

— مين اللي وقّع على النتيجة؟

فتح محمود المستند.

ظهر اسم آدم الشافعي ضمن الأسماء المسؤولة عن اعتماد التقرير النهائي.

نادية ما اتكلمتش.

كانت عارفة إن وجود اسمه مش دليل كافٍ لإدانته، لكنه كان سببًا قويًا لمواصلة التحقيق.

طلبت من الفريق حفظ كل النسخ المتاحة، وتأمين سجلات الدخول، والتواصل مع الجهة الرقابية المختصة، مع إخطار أسرة المريض بالإجراءات الرسمية للحصول على مستنداتها.

وقبل ما الاجتماع ينتهي، قال الخبير:

— فيه نقطة أخيرة. أحد المستندات اتفتح من حساب إداري بعد ما بدأت المراجعة بأقل من ساعة.

سأله محمود:

— هل نعرف مين كان مستخدم الحساب؟

— لسه بنراجع البيانات. الحساب له صلاحيات واسعة، واستخدامه مشترك بين عدد محدود من الموظفين.

نادية بصت لمحمود.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى