روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

— يبقى لازم نتحرك بسرعة، لكن من غير ما نضيّع أي دليل.

—

بعد الظهر، رجعت نادية لشقتها.

كانت مرهقة، لكنها حست إن الصورة بدأت تتضح.

رن جرس الباب.

استغربت، لأنها ما كانتش مستنية حد.

بصت من العين السحرية، وشافت شابًا في أواخر العشرينات، لابس قميصًا بسيطًا، وفي إيده ظرف بني.

فتحت الباب بحذر.

قال الشاب:

— حضرتك الدكتورة نادية منصور؟

— أيوه، مين حضرتك؟

— اسمي يوسف عبد الرحمن. والدي كان من المرضى اللي عملوا عملية قلب في مستشفى الدكتور آدم الشافعي.

تغيرت ملامح نادية.

— اتفضل يا ابني.

دخل يوسف وقعد في الصالة، لكنه فضل ماسك الظرف بقوة.

قال بصوت متردد:

— أنا سمعت إن حضرتك بتراجعي بعض الحالات اللي حصلت فيها وفيات ومضاعفات في المستشفى.

ردت نادية بحذر:

— فيه مراجعة رسمية بالفعل، لكن ماقدرش أتكلم عن تفاصيل أي حالة قبل ما الإجراءات تكتمل. إيه اللي جابك ليّ؟

فتح يوسف الظرف، وأخرج مجموعة من الأوراق.

— والدي توفى من سنة ونص. قالوا لنا إن العملية نجحت في البداية، وبعدها حصلت مضاعفات مفاجئة. لكن قبل وفاته، كان فيه حاجة قالها لي، وأنا ماقدرتش أفهم معناها وقتها.

نادية سألته:

— قال لك إيه؟

بلع يوسف ريقه، ثم رد:

— قال لي: «يا يوسف، لو حصل لي حاجة، ماتصدقش كل اللي هيتكتب في الورق».

نادية سكتت.

أكمل الشاب:

— وقتها افتكرت إنه خايف من العملية. لكن بعد وفاته، طلبت من المستشفى نسخة من ملفه، ولقيت إن فيه صفحات ناقصة. ولما سألتهم، قالوا إن دي النسخة الكاملة.

فتح الظرف وأخرج ورقة.

— وبعد فترة، لقيت الورقة دي وسط حاجات والدي القديمة. مش عارف إيه معناها، ولا إذا كانت مهمة أصلًا.

أخذت نادية الورقة، وبدأت تقرأ.

كانت عبارة عن ملاحظة قصيرة بخط اليد، فيها تاريخ ووقت، وإشارة إلى تغيير في الخطة العلاجية قبل العملية.

وفي أسفل الورقة، كان فيه توقيع مختصر.

ماكانش ممكن تجزم بهوية صاحبه من مجرد التوقيع، لكنها لاحظت إن التاريخ المذكور يسبق التوقيت الموجود في النسخة الرسمية من الملف.

رفعت عينيها إلى يوسف.

— الورقة دي كانت فين بالضبط؟

— في درج مكتبه في البيت. أنا ماعرفتش عنها غير من أسبوعين.

— هل حد تاني شافها؟

— لأ. أنا صورتها واحتفظت بالأصل، وجيت لحضرتك لأن اسمك اتذكر في تقرير منشور عن مراجعة الملفات.

نادية أعادت الورقة إليه مؤقتًا.

— يا يوسف، أنا فاهمة إنك عايز تعرف الحقيقة، وده حقك. لكن لازم نحافظ على الأصل، وما نغيّرش فيه أي حاجة. هوجّهك للطريقة الرسمية اللي تقدر بيها تسلّم المستند للجهة المختصة، وتطلب فحصه ومقارنته بسجلات المستشفى.

هز يوسف رأسه.

وبعدها قال جملة خلت نادية تحس إن القضية لسه مخبية مفاجآت تانية.

— فيه حاجة كمان يا دكتورة. قبل ما والدي يدخل العملية بيوم، شفت الدكتور آدم بيتكلم مع شخص في ممر المستشفى. ولما قربت منهم، سكتوا فجأة.

— فاكر الشخص التاني كان مين؟

فكر يوسف شوية.

— مش متأكد، لكن أعتقد إنه كان واحد من المسؤولين الإداريين في المستشفى.

سجلت نادية كلامه باعتباره معلومة تحتاج إلى التحقق، ثم شرحت له إن شهادته وحدها لا تثبت وجود مخالفة، وإن أي استنتاج لازم يعتمد على الأدلة المتاحة.

غادر يوسف الشقة بعد ما شكرها.

أما نادية، ففضلت واقفة عند الباب للحظات، ثم رجعت إلى مكتبها.

دلوقتي بقى فيه شاهد جديد، ومستند خارج الملف الرسمي، وحالات تانية محتاجة المراجعة.

لكنها كانت عارفة إن لازم كل خطوة تتم من خلال الجهات المختصة، لأن أي اتهام متسرع ممكن يضر بالقضية بدل ما يساعدها.

—

في تلك الليلة، كان آدم الشافعي قاعد في مكتبه، لوحده تقريبًا.

المبنى بدأ يفضى، وأصوات الموظفين في الممرات اختفت تدريجيًا.

فتح جهاز الكمبيوتر، ودخل على النظام الإداري للمستشفى.

فضل يتنقل بين الملفات، لحد ما وصل إلى قائمة الحالات اللي طلب فريق المراجعة فحصها.

كان عايز يعرف إيه اللي وصل لهم، وإيه اللي لسه ما اكتشفوهوش.

لكنه فوجئ برسالة بتظهر على الشاشة:

«لا تملك الصلاحية المطلوبة للوصول إلى هذا السجل. تم تسجيل محاولة الدخول».

تجمد مكانه.

حاول فتح ملف تاني، فظهرت الرسالة نفسها.

في اللحظة دي، فهم إن صلاحيات الوصول اتغيرت، وإن فريق المراجعة بدأ يحافظ على السجلات ويقيد الوصول إليها.

قفل الجهاز، وفضل قاعد في الظلام.

رن تليفونه.

كانت داليا.

رد بصوت متوتر:

— أيوه؟

قالت بسرعة:

— آدم، لازم تيجي البيت دلوقتي.

— فيه إيه؟

— فيه شخص اتصل بيا، وقال إنه محتاج يقابلنا بخصوص الملفات القديمة.

اعتدل في جلسته.

— مين الشخص ده؟

جاءها الرد مترددًا:

— قال إن اسمه محمود فوزي، وإنه من فريق المراجعة.

سكت آدم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى