
وبعدها سأل:
— قال لك إيه بالضبط؟
— قال إن فيه مستند جديد ظهر، وإنه ممكن يغير مسار التحقيق.
آدم حس إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه.
— وإنتِ رديتي عليه بإيه؟
— قلت له إنك مش موجود، وإنه يتواصل مع الإدارة.
أنهى المكالمة، وأخذ نفسًا عميقًا.
كان أمامه اختياران.
إما أن يواجه التحقيق رسميًا، ويقدم كل ما لديه من معلومات ومستندات، ويسمح للجهات المختصة بفحص الوقائع كاملة.
أو يستمر في إنكار كل شيء، ويخاطر بأن تتحول كل خطوة جديدة إلى دليل إضافي على محاولته إخفاء الحقيقة.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يعد واثقًا أن بإمكانه التحكم في النهاية.
—
في صباح اليوم التالي، وصل إخطار رسمي إلى إدارة المستشفى بضرورة الحفاظ على كل السجلات المتعلقة بالحالات محل المراجعة، وعدم حذفها أو تعديلها، مع إتاحة المستندات المطلوبة للجهة المختصة.
وفي الوقت نفسه، بدأ فريق المراجعة إجراءات فحص المستند الذي قدمه يوسف، والتحقق من مصدره وتاريخه ومدى مطابقته للبيانات المحفوظة.
أما الدكتورة نادية، فكانت تستعد لحضور جلسة استماع رسمية.
وضعت الأوراق في ملف مرتب، وأخذت معها ملاحظاتها، لكنها تركت أي استنتاج لم تثبته الأدلة خارج التقرير.
قبل ما تغادر، رن تليفونها.
كان الدكتور محمود.
قال بصوت جاد:
— دكتورة نادية، وصلنا رد أولي من فريق فحص السجلات.
— إيه اللي ظهر؟
— التعديلات اللي اكتشفناها مش كلها مرتبطة بحساب واحد. فيه أكتر من مستخدم، وفيه تغييرات تمت من داخل المستشفى بعد وقوع الحالات.
— وهل قدرتم تحددوا المسؤول؟
— لسه. لكن فيه تفصيلة مهمة جدًا ظهرت في إحدى النسخ المحفوظة.
نادية شدت على التليفون.
— إيه هي؟
سكت محمود لحظة، ثم قال:
— النسخة دي بتشير إلى إن القرار الطبي اللي اتسجل باسم الدكتور آدم، اتغير بعد وقت قصير من اعتماد التقرير الأولي. والأغرب إن فيه ملاحظة بتقول إن التغيير تم بناءً على طلب من الإدارة.
نادية حست إن قلبها بيدق بسرعة.
— هل اسم الشخص اللي طلب التعديل موجود؟
جاءها الرد:
— أيوه، لكن لازم نتأكد من صحة السجل قبل ما نعلن أي تفاصيل. تعالي الاجتماع، وهتعرفي كل حاجة من خلال الإجراءات الرسمية.
قفلت نادية المكالمة.
وقبل ما تخرج، بصت للحظة إلى صورة قديمة كانت محتفظة بيها من أيام الجامعة.
في الصورة، كان آدم شابًا صغيرًا واقفًا وسط زملائه، مبتسمًا بفخر، بينما هي واقفة في الصف الخلفي مع بقية أعضاء هيئة التدريس.
افتكرت اليوم اللي قال لها فيه إنه عايز يبقى جرّاحًا ينقذ حياة الناس، وإنه عمره ما هيسمح للخوف من الفشل إنه يتحكم في قراراته.
تنهدت بحزن.
ماكانتش عايزة تشوفه محطمًا، ولا كانت بتدور على انتقام من طالب قديم أهانها.
كل اللي كانت عايزاه هو إن الحقيقة تظهر، وإن أي شخص أخطأ يتحمل مسؤولية خطئه، وإن عائلات المرضى تعرف اللي حصل لأحبابها.
أغلقت باب الشقة خلفها، واتجهت إلى الاجتماع.
لكنها لم تكن تعرف أن الدليل التالي لن يكشف فقط من غيّر الملفات…
بل سيكشف أيضًا أن الشخص الذي حاول آدم إبعاد الشبهات عنه طوال السنوات الماضية قد يكون هو نفسه المفتاح الذي سيفتح أخطر أسرار المستشفى!
يتبع في الجزء الأخير…
الدكتور آدم الشافعي كان فاكر إن شهرته وفلوسه وعلاقاته كفيلة إنها تحميه من أي اتهام… لكن في اللحظة اللي دخل فيها قاعة التحقيق، اكتشف إن الدليل اللي كان بيحاول يخفيه سنين ممكن يكون موجود في مكان ماخطرش على باله أبدًا!
وصلت الدكتورة نادية منصور إلى مقر لجنة المراجعة في الموعد المحدد.
كانت شايلة ملفًا كبيرًا، وملامحها هادئة، رغم إنها كانت عارفة إن الاجتماع ده ممكن يحدد مصير قضية شغلت تفكيرها لأسابيع.
دخلت قاعة الاجتماعات، ولقت الدكتور محمود فوزي، والمسؤول القانوني، وخبير أنظمة المعلومات، بالإضافة إلى ممثل عن الجهة الرقابية المختصة.
بعد دقائق، دخل الدكتور آدم الشافعي.
كان لابس بدلة رمادية غالية، وساعته اللامعة بتعكس نور القاعة. حاول يظهر هادي وواثق، لكنه أول ما شاف نادية، وقف للحظة قبل ما يقعد في المكان المخصص له.
بص لها وقال بابتسامة متكلفة:
— واضح إننا هنرجع لأيام الجامعة تاني يا دكتورة.
نادية ما ردتش على سخريته.
اكتفت إنها فتحت الملف الموجود قدامها.
بدأ المسؤول القانوني الاجتماع، وأوضح إن الهدف هو مراجعة الوقائع والمستندات، وإنه لا توجد إدانة مسبقة لأي شخص، وإن جميع الأطراف من حقها تقديم ما لديها من معلومات.
وبعدها طلب من محمود يعرض نتائج الفحص الأولية.
ظهرت على الشاشة نسختان من أحد الملفات الطبية.
الأولى كانت النسخة المحفوظة وقت دخول المريض المستشفى.
والثانية كانت النسخة التي اعتمدت بعد الوفاة.
قال محمود:
— زي ما حضراتكم شايفين، فيه اختلافات بين النسختين. بعض الملاحظات الطبية ظهرت في النسخة المتأخرة، وفيه توقيتات اتغيرت. فريق الفحص راجع سجلات النظام، وبدأ يحدد الحسابات اللي استخدمت لإجراء التعديلات.
آدم اتكلم بسرعة:




