روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

— الاختلافات دي ممكن تحصل بسبب أخطاء إدارية. أي مستشفى كبير عنده تعديلات على الملفات، وده مش معناه إن فيه تزوير.

رد المسؤول القانوني:

— وده بالضبط سبب إجراء التحقيق. إحنا مش بنعتبر كل تعديل مخالفة، لكن لازم نعرف سبب كل تغيير، ومين أجراه، وهل كان مصرحًا به أم لا.

فتح محمود مستندًا آخر.

— في الحالة دي، فيه تعديل اتعمل بعد وفاة المريض بوقت طويل، والملاحظة الجديدة اتستخدمت لاحقًا لتبرير قرار طبي سابق.

آدم شبك إيديه، وحاول يحافظ على هدوئه.

— أنا مش مسؤول عن كل تعديل بيحصل في النظام الإداري للمستشفى.

سأله محمود:

— هل كنت على علم بوجود اختلافات في الملفات؟

— لا.

— هل طلبت من أي موظف تعديل تقرير طبي بعد وفاة مريض؟

— إطلاقًا.

كتب المسؤول القانوني إجابته في محضر الجلسة.

وبعدها طلب من خبير المعلومات يعرض نتائج فحص سجلات الدخول.

ظهرت مجموعة من التوقيتات على الشاشة، ومعاها أسماء الحسابات المستخدمة.

وأوضح الخبير إن بعض الحسابات كانت مشتركة الصلاحيات، وإن تحديد الشخص الذي أجرى كل تعديل يحتاج إلى مراجعة إضافية للبيانات وسجلات الدخول المتاحة.

لكن في إحدى الحالات، ظهر إن تعديلًا مهمًا تم من خلال حساب مرتبط مباشرة بمكتب إدارة المستشفى.

هنا رفع آدم رأسه فجأة.

قال:

— الحساب ده مش دليل على إن المدير نفسه هو اللي استخدمه!

رد الخبير:

— صحيح. وعلشان كده إحنا بنفحص كل الأدلة المرتبطة بالواقعة، ومش بننسب أي تصرف لشخص لمجرد إن الحساب الإداري استُخدم فيه.

لاحظت نادية إن آدم كان متوترًا بصورة أكبر من بداية الاجتماع.

وللمرة الأولى، بدأ يفهم إن التحقيق مش قائم على كلام متبادل أو خلاف قديم.

كل سؤال كان بيتبعه مستند.

وكل إجابة كانت بتتقارن بسجلات قابلة للفحص.

—

بعد استراحة قصيرة، رجع محمود ومعاه تقرير إضافي.

قال:

— وصلنا مستند من أسرة أحد المرضى، وتم تسليمه رسميًا للجهة المختصة. المستند لسه بيخضع للفحص، لكن البيانات الموجودة فيه بتشير إلى اختلاف بين توقيت تغيير الخطة العلاجية والتوقيت المسجل في الملف الرسمي.

آدم بص له بحدة.

— أي أسرة ممكن تقدم ورقة وتقول إنها من المستشفى. هل تم التأكد من مصدرها؟

أجاب محمود:

— الفحص مستمر، ومحدش هيعتمد عليها وحدها قبل التأكد من صحتها.

كانت نادية بتتابع الكلام في صمت.

هي نفسها كانت بتؤمن إن العدالة مش معناها إننا نصدق أول رواية نسمعها، حتى لو كانت الرواية مؤلمة أو متوافقة مع شكوكنا.

بعد دقائق، عرض الخبير نتيجة الفحص الأولي للمستند.

اتضح إن الورقة تحتاج إلى مقارنة فنية إضافية، وإنها تتضمن بيانات متوافقة مع جزء من السجلات المتاحة، لكن ده وحده لا يكفي لإثبات كل ما ورد فيها.

طلب المسؤول القانوني استكمال الفحص، ثم انتقل إلى نقطة أخرى.

— فيه سؤال مهم بخصوص التقرير الداخلي الذي صدر بعد وفاة المريض. مين اللي راجع التقرير قبل اعتماده؟

أجاب آدم:

— أنا راجعت الجزء الطبي المتعلق بالحالة.

— وهل طلبت تعديل أي بيانات فيه؟

— لا أتذكر إني طلبت تعديل أي بيانات غير دقيقة.

سجل المسؤول إجابته.

ثم أخرج محمود نسخة من مراسلة إدارية قديمة، كانت محفوظة ضمن المستندات التي جرى جمعها من مصادر رسمية.

لم تكن الرسالة وحدها دليلًا على وقوع مخالفة، لكنها أشارت إلى وجود نقاش بين عدد من المسؤولين حول صياغة التقرير النهائي.

وكان من بين المشاركين في المراسلات شخص يدعى الدكتور شريف البدري، المدير التنفيذي للمستشفى وقت وقوع بعض الحالات.

آدم اتغير لون وشه.

لاحظت نادية رد فعله، لكنها لم تتكلم.

سأل المسؤول القانوني:

— هل الدكتور شريف كان مسؤولًا عن إدارة الملفات الطبية وقتها؟

أجاب آدم بعد تردد:

— كان مسؤولًا عن الإدارة التنفيذية، لكن الملفات الطبية كانت من اختصاص الفريق الطبي.

— وهل كان له صلاحية طلب تعديلات إدارية على السجلات؟

— ماقدرش أحدد صلاحياته بالتفصيل.

تبادل أعضاء اللجنة النظرات.

لم يكن اسم شريف دليلًا على ارتكابه مخالفة، لكن ظهوره في المراسلات فتح مسارًا جديدًا للتحقيق.

طلبت اللجنة استدعاءه رسميًا، ومراجعة الصلاحيات الإدارية التي كانت متاحة له وقت وقوع الحالات.

وقبل انتهاء الجلسة، وجّه المسؤول القانوني سؤالًا مباشرًا لآدم:

— هل عندك أي مستندات إضافية تعتقد إنها تساعد في توضيح اللي حصل؟

آدم سكت طويلًا.

كان قد دخل الاجتماع وهو مقتنع إن بإمكانه إنكار كل شيء، والخروج من المكان من غير ما تتغير صورته أمام الناس.

لكن الأمور لم تعد كما كانت.

أخيرًا قال:

— فيه مراسلات قديمة بين الإدارة الطبية والإدارة التنفيذية. أعتقد إن مراجعتها ممكن توضح مين كان مسؤولًا عن بعض التعديلات.

سأله المسؤول:

— هل المستندات دي موجودة في سجلات المستشفى؟

— بعضها موجود، وبعضها في أرشيف الإدارة القديمة.

— إذن، سنطلب حفظها وتسليمها من خلال الإجراءات الرسمية.

انتهت الجلسة الأولى من دون صدور حكم أو قرار نهائي.

لكن التحقيق لم يعد مجرد مراجعة لملفات طبية متناقضة.

لقد أصبح فحصًا واسعًا لطريقة إدارة السجلات، والقرارات التي اتُخذت بعد وفاة المرضى، ومدى مسؤولية كل شخص شارك في إعداد التقارير أو اعتمادها.

—

في الأيام التالية، بدأت نتائج التحقيق تظهر تدريجيًا.

تم حفظ النسخ الإلكترونية المتاحة من الملفات، وطلبت الجهة المختصة مستندات إضافية من المستشفى.

كما جرى التواصل مع أسر المرضى الذين ارتبطت حالاتهم بالمراجعة، لإبلاغهم بالإجراءات المتاحة للحصول على السجلات الطبية، وتقديم أي مستندات أو معلومات لديهم.

أما الدكتورة نادية، فاستمرت في تقديم تقاريرها من دون تصريحات صحفية أو اتهامات علنية.

رفضت أكثر من مقابلة تلفزيونية، رغم إن بعض البرامج حاولت التواصل معها بعد انتشار خبر التحقيق.

كانت عارفة إن كلمة واحدة غير محسوبة ممكن تؤثر على حقوق المرضى، أو تضر بإجراءات التحقيق.

لكن آدم لم يكن قادرًا على التعامل مع الصمت بنفس الطريقة.

فبعد أيام من بدء التحقيق، انتشرت أخبار عن مراجعة عدد من الحالات في المستشفى الذي يحمل اسمه.

بدأ الصحفيون يطرحون أسئلة عن الإجراءات المتبعة في حفظ السجلات الطبية، وعن طبيعة التعديلات التي يجري فحصها.

وبعض العائلات التي فقدت أحباءها بدأت تطلب مراجعة ملفاتها.

لم تكن كل الحالات مرتبطة بآدم، ولم يكن كل اختلاف في المستندات دليلًا على خطأ طبي، لكن حجم التساؤلات كان كافيًا لدفع الجهات المختصة إلى توسيع نطاق الفحص.

وفي الوقت نفسه، ظهرت مشكلة أخرى.

عدد من كبار المتبرعين الذين ساهموا في حملة التوسعة طلبوا الاطلاع على نتائج المراجعة قبل استكمال مساهماتهم المالية.

إدارة المستشفى أعلنت أنها تتعاون مع التحقيق، وأنها ستلتزم بأي توصيات رسمية تصدر بعد انتهاء الفحص.

لكن الضرر الذي أصاب سمعة آدم كان قد بدأ بالفعل.

فالرجل الذي اعتاد أن يظهر في البرامج باعتباره نموذجًا للنجاح الطبي، أصبح مضطرًا للإجابة عن أسئلة لم يتوقع أن يطرحها عليه أحد.

—

بعد أسبوع، تلقت الدكتورة نادية اتصالًا من الدكتور محمود.

قال لها:

— دكتورة، وصلنا تقرير فني جديد.

جلست نادية قبل أن تسأله:

— التقرير بيقول إيه؟

— الفحص أكد وجود تعديلات على عدد من الملفات، وبعضها تم بعد التوقيت المسجل للوفاة. كمان فيه اختلافات في سجلات الموافقات الطبية.

— وهل اتحدد مين المسؤول؟

— اتحدد عدد من الحسابات المستخدمة، لكن لسه فيه أجزاء محتاجة تحقيق إضافي. والأهم إننا لقينا مراسلات بتوضح إن بعض التعديلات تمت استجابة لطلبات إدارية، مش مجرد تصحيحات روتينية.

أغمضت نادية عينيها للحظة.

كانت دي خطوة مهمة، لكنها لم تكن النهاية.

سألته:

— وآدم؟

— تم استدعاؤه لجلسة إضافية، وهيُطلب منه توضيح دوره في مراجعة التقارير الطبية واعتمادها. والجهة الرقابية هتحدد بعد استكمال التحقيق إذا كانت فيه مسؤولية مهنية أو قانونية تستوجب اتخاذ إجراءات.

أنهت نادية المكالمة.

لم تشعر بالانتصار.

كل ما شعرت به هو الحزن على المرضى وعائلاتهم، وعلى سنوات كان من الممكن أن تمر من دون أن يعرف أحد إن كانت بعض الأخطاء قد أُخفيت بدلًا من التعامل معها بشفافية.

—

في اليوم التالي، ذهب آدم إلى المستشفى في موعده المعتاد.

لكنه لاحظ إن نظرات الموظفين اتغيرت.

بعضهم كان بيتجنب الكلام معاه، والبعض الآخر كان بيتعامل بشكل رسمي أكثر من المعتاد.

دخل مكتبه، فوجد خطابًا من إدارة المستشفى.

كان الخطاب يوضح أنه تقرر، كإجراء احترازي مؤقت، مراجعة بعض صلاحياته الإدارية المتعلقة باعتماد التقارير والسجلات محل التحقيق، لحين انتهاء الفحص.

لم يكن الخطاب حكمًا بإدانته، لكنه كان أول تغيير ملموس في حياته المهنية.

جلس على كرسيه، وفضل يبص للخطاب.

افتكر الحفل.

افتكر ضحكته وهو بيهين نادية قدام ثلاثمائة شخص.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى