روايات وقصص

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

وافتكر الجملة اللي قالها لها عن إن نجاحه كان رغم العقبات اللي حطتها في طريقه.

وقتها، كان مقتنع إنه انتصر عليها.

أما الآن، فقد أصبح مضطرًا إلى مراجعة قراراته، وتقديم إجابات عن وقائع لم يعد قادرًا على تجاهلها.

رن تليفونه.

كانت داليا.

— آدم، الأخبار كلها بتتكلم عن التحقيق. الناس بتسألني إذا كنت أعرف حاجة عن الموضوع.

رد بضيق:

— قولي لهم إن التحقيق لسه مستمر، وإن مافيش قرار نهائي صدر.

— وأنا قلت كده. لكن فيه حاجة لازم تعرفها.

— إيه؟

— الدكتور شريف البدري طلب يقابلني.

اتجمد آدم.

— شريف؟ عايز منك إيه؟

— ماقالش بالتفصيل. لكنه قال إن عنده معلومات مهمة عن الملفات القديمة.

سكت آدم.

كان شريف واحدًا من الأشخاص الذين شاركوا في إدارة المستشفى خلال السنوات الماضية، وكان يعرف تفاصيل كثيرة عن طريقة حفظ السجلات واعتماد التقارير.

لكن آدم لم يكن يعرف ما الذي سيقوله إذا استُدعي للتحقيق.

لأول مرة، شعر إن كل شخص كان يعتقد أنه جزء من دائرة تحميه، قد يصبح شاهدًا على ما حدث.

—

بعد يومين، انعقدت جلسة جديدة.

حضر الدكتور شريف البدري، وقدّم للجهة المختصة مجموعة من المستندات الإدارية التي كانت محفوظة في أرشيفه.

وأوضح في إفادته أن بعض التقارير خضعت لمراجعات متكررة بعد وقوع الحالات، وأنه تلقى طلبات لتوحيد صياغة بعض المستندات.

لكنه لم يستطع وحده تحديد المسؤولية عن كل تعديل، وأكد أن الأمر يحتاج إلى مقارنة المراسلات بسجلات النظام والملفات الطبية.

تم تسجيل إفادته، وأُضيفت المستندات إلى ملف التحقيق.

وفي الجلسة نفسها، سُئل آدم عن المراسلات التي ظهر فيها اسمه، وعن سبب اعتماد بعض التقارير بعد إجراء تغييرات على محتواها.

قدم آدم تفسيراته، وأنكر تعمد إخفاء أخطاء طبية.

لكن الجهة المختصة قررت استكمال التحقيق في عدد من الوقائع، مع إحالة المسائل التي قد تنطوي على مخالفات مهنية أو قانونية إلى الجهات المعنية لاتخاذ ما يلزم.

وبمرور الوقت، بدأت تتضح الصورة.

بعض الملفات تضمنت تعديلات غير مبررة لم تستطع الإدارة تقديم تفسير مقنع لها.

وبعض التقارير لم تتوافق مع التسلسل الزمني للأحداث.

أما مسؤولية كل شخص عن تلك التعديلات، فكانت تحتاج إلى تقييم مستقل لكل واقعة، بدلًا من تحميل شخص واحد مسؤولية كل ما حدث.

وبعد انتهاء المراجعة الأولية، أصدرت إدارة المستشفى قرارًا بإيقاف آدم مؤقتًا عن بعض مهامه الإدارية والسريرية المرتبطة بالحالات محل التحقيق، لحين استكمال الإجراءات المهنية اللازمة.

لم يكن القرار إعلانًا بأنه مذنب، لكنه كان كافيًا لإنهاء الصورة التي اعتاد الناس رؤيتها عنه باعتباره طبيبًا لا يُسأل عن قراراته.

—

بعد مرور عدة أسابيع، تلقت الدكتورة نادية دعوة لحضور جلسة استماع رسمية أخيرة ضمن مرحلة المراجعة.

دخلت القاعة، فوجدت آدم جالسًا في الصف الأول.

لم يعد يرتدي الساعة اللامعة نفسها، ولم تكن على وجهه الابتسامة الواثقة التي ظهر بها في الحفل.

كان يبدو مرهقًا.

بدأت الجلسة بعرض نتائج الفحص، وأكد المسؤولون أن التحقيق توصل إلى وجود مخالفات في إجراءات حفظ وتعديل بعض السجلات، وأن هناك ملفات تستوجب إحالتها إلى الجهات المختصة لمزيد من الفحص.

كما أوضحوا أن مسؤولية كل شخص ستُحدد وفق الأدلة المتعلقة بدوره، وأن النتائج لا تعني تلقائيًا أن جميع المضاعفات أو الوفيات كانت نتيجة أخطاء طبية.

ثم التفت المسؤول إلى نادية.

— دكتورة نادية، هل عندك أي إضافة تحبي تسجليها في محضر الجلسة؟

وقفت نادية ببطء.

بصت إلى أعضاء اللجنة، ثم إلى آدم.

وقالت:

— أنا مش موجودة هنا عشان أنتصر على طالب قديم، ولا عشان أثبت إن حد فشل. أنا موجودة لأن فيه عائلات فقدت أحبابها، ومن حقها تعرف الحقيقة.

سكتت للحظة، ثم أكملت:

— الطبيب ممكن يخطئ، لأننا في النهاية بشر. لكن الخطأ لازم يتراجع، ويتوثق، ويتعالج، وصاحب القرار لازم يتحمل مسؤوليته. إنما إخفاء المعلومات أو تغيير السجلات بطريقة تمنع فهم اللي حصل، ده بيحرم المرضى وأسرهم من حقهم في المعرفة.

كانت كلماتها هادئة، لكنها وصلت إلى كل شخص في القاعة.

ثم أضافت:

— أنا ماطلبتش من أي جهة إنها تعاقب الدكتور آدم لمجرد إنه أهانني. ولو ماكنش فيه اختلافات في الملفات، ماكنتش هقف هنا أصلًا. اللي يهمني إننا نعرف الحقيقة، ونمنع تكرار اللي حصل، ونحافظ على ثقة الناس في الأطباء اللي بيشتغلوا بأمانة.

جلست نادية.

ولأول مرة منذ بداية القضية، رفع آدم عينيه إليها مباشرة.

لم يكن في نظراته غضب واضح، ولا سخرية.

كان فيه شيء أقرب إلى الارتباك.

ربما لأنه بدأ يفهم إن المرأة التي حاول إحراجها أمام الجميع لم تكن تسعى إلى تدميره.

كانت تسعى إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه.

أن يتحمل كل شخص مسؤوليته.

—

بعد انتهاء الجلسة، خرج آدم إلى الممر.

كانت نادية تقف بالقرب من الباب، تجمع أوراقها استعدادًا للمغادرة.

اقترب منها ببطء.

— دكتورة نادية.

رفعت عينيها.

— أيوه يا دكتور آدم؟

تردد، ثم قال:

— كنت عايز أتكلم معاكي.

— اتفضل.

بص إلى الأرض للحظات، وبعدها قال:

— أنا غلطت في حقك يوم الحفل.

نادية ما ردتش.

أكمل:

— كنت عايز أظهر قدام الناس إني وصلت لكل حاجة بنفسي، وإن محدش كان له فضل عليّ. يمكن عشان طول عمري كنت شايل جوايا إحساس إنك ظلمتيني لما خليتيني أعيد التدريب.

قالت بهدوء:

— أنا ماحرمتكش من مستقبلك يا آدم. أنا طلبت منك تتحمل مسؤولية قرارك. كان عندك فرصة تتعلم من اللي حصل، وتثبت إنك بقيت طبيبًا أفضل.

رفع عينيه إليها.

— كنت فاكر إن النجاح معناه إني لازم أثبت إني أقوى من كل اللي اختلفوا معايا.

— والنجاح الحقيقي يا آدم إنك تعرف إمتى تكون غلطان، وتقدر تعترف بده من غير ما تخاف إن اعترافك يقلل منك.

سكت طويلًا.

ثم قال:

— أنا مش عارف إيه اللي هيحصل بعد كده.

ردت نادية:

— ده شيء هتحدده التحقيقات والجهات المختصة. لو أخطأت، لازم تتحمل نتيجة خطئك. ولو فيه حاجة تقدر تصلحها، ابدأ بإصلاحها.

آدم هز رأسه ببطء.

كان واضحًا إنه عايز يقول كلامًا أكثر، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة.

قبل ما تمشي، قالت له نادية:

— افتكر حاجة واحدة. يوم ما دخلت كلية الطب، ماكنتش محتاج شهرة عشان تبقى طبيب كويس. كنت محتاج ضمير صاحي، واستعداد إنك تتعلم كل يوم.

ثم تركته ومضت.

لم تنتظر اعتذارًا آخر.

ولم تطلب منه أن يعترف أمام الصحفيين بأنه كان مخطئًا في حقها.

كانت تعرف أن الاعتذار الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بما يفعله الإنسان بعدها.

—

مرت ستة أشهر.

استمرت الإجراءات المتعلقة بالملفات التي ثبت وجود مخالفات في طريقة التعامل معها، وأُحيلت الوقائع التي تستوجب مزيدًا من التحقيق إلى الجهات المختصة.

أما المستشفى، فأعلن عن تطبيق نظام أكثر صرامة لحفظ السجلات الطبية، وتوثيق كل تعديل، وتحديد صلاحيات الوصول، مع مراجعة مستقلة للحالات التي تستدعي ذلك.

كما بدأت الإدارة التواصل مع أسر المرضى المعنيين لتوضيح الإجراءات المتاحة لهم، وتقديم المستندات المطلوبة وفق القواعد المنظمة.

لم تكن كل الأسئلة قد أُجيب عنها، ولم يكن كل من ارتبط اسمه بالملفات قد حُسمت مسؤوليته نهائيًا.

لكن شيئًا مهمًا تغير.

لم يعد ممكنًا تجاهل الأسئلة لمجرد أن الشخص المعني مشهور، أو صاحب نفوذ، أو يتحدث بثقة أمام الكاميرات.

أما آدم الشافعي، فقد خسر جزءًا كبيرًا من الثقة التي كان يتمتع بها، واضطر إلى الابتعاد عن بعض مهامه حتى انتهاء الإجراءات المتعلقة به.

الطبيب الذي كان يعتقد أن اسمه وحده كفيل بطمأنة المرضى، أصبح مطالبًا بأن يثبت التزامه بالمعايير المهنية، وأن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بقراراته.

وبالنسبة إلى نادية، عادت إلى الجامعة.

في صباح أحد الأيام، دخلت قاعة المحاضرات، فوجدت مجموعة من طلاب الطب الجدد ينتظرونها.

وضعت كتبها على المكتب، وكتبت على السبورة:

«الطبيب الشاطر مش هو اللي عمره ما بيغلط… الطبيب الشاطر هو اللي ما بيهربش من مسؤوليته لما يغلط».

التفتت إلى الطلاب.

— النهارده مش هنتكلم عن عملية جراحية، ولا عن دواء جديد. هنتكلم عن حاجة أهم من الاتنين.

رفع أحد الطلاب إيده وسأل:

— إيه هي يا دكتورة؟

ابتسمت نادية.

— الأمانة. لأن المريض بيسلمكم أغلى حاجة عنده، وهي حياته. ومهما كانت شهاداتكم أو مهاراتكم، من غير أمانة مش هتقدروا تكونوا أطباء يستحقوا الثقة.

ساد الصمت في القاعة.

ثم بدأت المحاضرة.

كانت نادية تعرف أن قصتها مع آدم انتهت، لكن الدرس الذي خرجت به من تلك التجربة سيظل يتكرر مع كل جيل جديد.

—

وفي نهاية الفصل الدراسي، وصلتها رسالة من أحد طلابها السابقين، كتب فيها:

«يا دكتورة نادية، أنا كنت حاضر في حفل المستشفى اللي حصل فيه الموقف. وقتها شوفت إزاي الدكتور آدم أهان حضرتك قدام الناس، واستغربت إنك ما رديتيش عليه بنفس الطريقة.

بعد ما عرفت تفاصيل القضية، فهمت إن الهدوء مش معناه الضعف، وإن مش كل معركة محتاجة صوت عالي عشان تكسبها.

حضرتك علمتينا إن الإنسان ممكن يدافع عن الحق من غير ما يفقد احترامه لنفسه أو لغيره».

قرأت نادية الرسالة، وابتسمت.

وضعتها في درج مكتبها، بجوار صورة قديمة لدفعة من الأطباء الذين درّست لهم على مدار سنوات طويلة.

لم تكن تملك مستشفى يحمل اسمها.

ولم تكن لديها إعلانات في الشوارع، ولا مقابلات تلفزيونية كل أسبوع.

لكنها كانت تملك شيئًا لم تستطع الشهرة أن تشتريه، ولم تستطع الإهانة أن تنتزعه منها.

كانت تملك ضميرًا تستطيع أن تنظر إليه كل صباح من غير ما تخجل من نفسها.

أما آدم، فكان أمامه طريق طويل ليواجه نتائج ما كشفته التحقيقات، ويثبت من خلال أفعاله مدى استعداده لتحمل المسؤولية.

لم تكن نادية هي التي حطمت مستقبله، كما ظل يردد طوال عشرين سنة.

الحقيقة أن اللحظة التي بدأ فيها يخسر ثقة الناس كانت عندما اعتقد أن مكانته تسمح له بأن يتجاوز القواعد التي يُفترض أن يلتزم بها الجميع.

وفي النهاية، لم تنتصر نادية لأنها أحرجته أمام الناس.

بل لأنها رفضت أن تسمح لشهرته أو لإهانته بأن يمنعاها من أداء واجبها.

فالكرامة الحقيقية مش إنك ترد الإهانة بإهانة أكبر… الكرامة إنك تفضل متمسكًا بالحق، حتى لو كنت واقفًا وحدك قدام مئات الأشخاص.

والحقيقة مهما اتأخرت، لازم تفضل لها فرصة إنها تظهر.
تمت

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى