
— وإيه اللي قالت لك؟
فتح درج مكتبه وأخرج ملفًا أسود.
— قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن الموضوع مش مجرد بيع بيت.
فتح الملف.
في الداخل كانت هناك صور لمستندات كثيرة.
قال:
— والدتك باعت البيت لسداد التزام مالي.
— التزام مين؟
نظر إليّ مباشرة.
— التزام مرتبط بشركة كانت مسجلة باسمك.
تراجعت في الكرسي.
— أنا معنديش شركة.
قال بهدوء:
— دلوقتي لأ.
قلب صفحة.
— لكن من حوالي سنة ونصف، تم تأسيس شركة باسمك.
شعرت وكأن الأرض تحركت من تحتي.
— مين أسسها؟
— بحسب المستندات، حضرتك.
ضحكت من شدة الصدمة.
— أنا كنت في شغلي طول الوقت! أنا موقعتش على حاجة!
قال:
— وده اللي يخلي الموضوع خطير.
ثم أخرج ورقة أخرى.
— لأن التوقيع الموجود هنا… مزور.
نظرت إليه.
— وإنت متأكد؟
— نعم.
ثم قال:
— لكن في حاجة أهم.
— إيه؟
— الشخص اللي استخدم بياناتك لم يكن غريبًا.
صمت لحظة.
ثم أضاف:
— كان أحد أفراد عائلتك.
شعرت أن قلبي توقف.
— مين؟
لم يجب مباشرة.
أغلق الملف وقال:
— قبل ما أقولك الاسم، لازم تعرفي إن والدتك لم تكن الضحية الوحيدة.
— أمال مين كمان؟
— أختك نجلاء.
تجمدت.
— نجلاء؟
هز رأسه.
— هي التي جاءتني أول مرة.
— عشان تعمل الشركة؟
— لا.
فتح ملفًا آخر.
— عشان تحاول إخفاء آثار شيء حدث قبل ذلك.
شعرت أن رأسي يدور.
— إيه اللي حصل؟
قال:
— أختك أخذت قرضًا كبيرًا باسم الشركة، ثم تعثرت في السداد.
— ودفعت أمي من فلوس البيت؟
— جزء من المبلغ.
— والباقي؟
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
— الباقي لم يُدفع.
— يعني إيه؟
— يعني إن الدين ما زال قائمًا.
وضعت يدي على فمي.
كنت أدفع تكاليف حفل عيد ميلاد أمي، بينما هناك دين ضخم باسمي.
كنت أظن أن نجلاء هي الابنة التي تهتم بأمي.
لكن الحقيقة بدأت تبدو مختلفة تمامًا.
سألت:
— ليه أمي وافقت تبيع البيت؟
أجاب:
— لأنها اكتشفت أن نجلاء في مشكلة كبيرة.
— فقررت تساعدها؟
— ليس تمامًا.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا.
— والدتك أعطتني هذا قبل شهر.
— إيه ده؟
— قالت لي أسلمه لك إذا اكتشفتِ الحقيقة بنفسك.
أمسكت الظرف بيد مرتجفة.
كان مغلقًا.
وعليه بخط أمي:
«إلى سلمى… لما تعرفي الحقيقة، متصدقيش أي حد قبل ما تسمعي مني.»
فتحت الظرف.
كانت بداخله ورقة واحدة فقط.
قرأت السطر الأول.
ثم شعرت بأنفاسي تختنق.
كتبت أمي:
«أنا لم أبع البيت لحماية نجلاء… أنا بعته لأنني كنت أحاول حمايتك من شيء أكبر.»
توقفت.
ثم قرأت السطر التالي.
«ولو كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فمعنى ذلك أن نجلاء لم تخبرك بالحقيقة التي وعدتني ألا تخبرك بها أبدًا.»
رفعت عيني عن الورقة.
— أستاذ محمود… إيه الحقيقة؟
نظر إليّ.
وقال:
— الأفضل إنك تقري الرسالة كاملة الأول.
عدت إلى الورقة.
وكان آخر سطر فيها:
«يا سلمى… الشخص الذي بدأ كل هذه الفوضى ليس نجلاء.»
ثم كانت هناك جملة أخيرة جعلت يدي ترتجف:
«إنه والدك.»
توقفت عن التنفس للحظة.
والدي كان قد توفي منذ سنوات.
فكيف يمكن لرجل ميت أن يكون وراء كل ما يحدث؟
والأخطر…
لماذا كانت أمي تخفي عني شيئًا يخص أبي طوال هذه السنوات؟
الجزء الرابع
ظللت أحدق في الورقة وكأنني أنتظر أن تتغير الكلمات أمام عيني.
«إنه والدك.»
أبي؟
الرجل الذي مات منذ خمس سنوات؟
الرجل الذي كنت أعتقد أنني أعرف كل شيء عنه؟
رفعت رأسي نحو الأستاذ محمود.
— إزاي يكون أبويا هو السبب؟ هو مات من خمس سنين.
قال بهدوء:
— عشان كده الموضوع محتاج تفسير.
— عندك تفسير؟
— عندي مستندات.
فتح الملف من جديد وأخرج مجموعة أوراق.
— والدك كان شريكًا في مشروع تجاري قبل وفاته.
نظرت إليه بدهشة.
— أبي كان موظفًا.
— ده اللي كانت الأسرة كلها فاكرته.
ثم وضع أمامي صورة قديمة لرجلين يقفان أمام مبنى كبير.
كان أبي أحدهما.
أما الرجل الآخر فلم أعرفه.
سألت:
— مين ده؟
قال:
— اسمه حمدي منصور.
شعرت بشيء غريب.
— أول مرة أسمع الاسم ده.
— لأن والدك لم يكن يريدك تعرفي عنه.
قلب صفحة.
— قبل وفاته بفترة، حصلت مشكلة مالية في المشروع.
— وماذا حدث؟
— جزء من الأموال اختفى.
قلت بسرعة:
— وأبي أخذها؟
هز رأسه.
— لا يوجد دليل على ذلك.
ثم أضاف:
— لكن هناك شخصًا آخر كان لديه صلاحية كاملة على الحسابات.
نظرت إلى الاسم.
نجلاء.
لم أستوعب.
— أختي كانت تعرفه؟
— أكثر مما تتخيلي.
وضعت الورقة على الطاولة.
— بس نجلاء عمرها ما اشتغلت مع أبويا.
قال:
— رسميًا، لا.
ثم أشار إلى ورقة أخرى.
— لكن قبل وفاة والدك بثلاثة أشهر، تم تحويل مبلغ كبير إلى حساب باسم شخص قريب من أختك.
— مين؟
— زوجها، شريف.
شعرت بالصدمة.
— شريف؟
أومأ.
— والتحويل كان من حساب مرتبط بالمشروع.
أمسكت رأسي.
بدأت كل التفاصيل القديمة تعود إلى ذاكرتي.
قبل وفاة أبي بفترة قصيرة، كانت هناك مشاكل كثيرة في البيت.
كان يخرج لساعات طويلة.
وكانت أمي تبكي أحيانًا دون أن تخبرني بالسبب.
أما نجلاء، فكانت دائمًا تقول:
— بابا عنده شغل كتير.
لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟
سألت المحامي:
— وأمي كانت تعرف؟
— نعم.
— ونجلاء؟
— تعرف أكثر من والدتك.
ثم ساد الصمت.
رن هاتفي.
كانت نجلاء.
هذه المرة أجبت.
— ألو.
جاء صوتها متوترًا:
— إنتِ عند المحامي؟
نظرت إلى الأستاذ محمود.
ثم قلت:
— أيوه.
صمتت.
— مين قالك تروحي له؟
— خالتي سعاد.
تنهدت.
— سلمى، اسمعيني. متفتحيش الموضوع ده.
— ليه؟
— لأنك مش فاهمة حاجة.
ضحكت بمرارة.
— فعلًا؟ طيب فهميني.
لم تجب.
قلت:
— ليه أمي باعت البيت؟
— عشان تساعدني.
— وليه الدين باسمي؟
صمتت تمامًا.
— جاوبيني يا نجلاء.
جاء صوتها منخفضًا:
— الموضوع أكبر من كده.
— أنا عارفة.
— إنتِ مش عارفة كل حاجة.
— يبقى قولي.
قالت:
— مش على التليفون.
ثم أغلقت الخط.
نظرت إلى المحامي.
— هي جاية؟
هز رأسه.
— غالبًا.
وبعد حوالي عشرين دقيقة، فُتح باب المكتب.
دخلت نجلاء.
كانت شاحبة.
ولأول مرة منذ سنوات، رأيت الخوف واضحًا في عينيها.
جلست أمامي.
لم تتحدث.
قلت:
— كنتِ عارفة كل ده؟
خفضت عينيها.
— أيوه.
شعرت بغضب شديد.
— من إمتى؟
— من البداية.
— من البداية؟
بدأ صوتي يرتفع.
— يعني كنتِ عارفة إن في شركة باسمي؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— وإن في قرض باسمي؟
— أيوه.
— وإن أمي باعت البيت بسببه؟
بدأت الدموع تظهر في عينيها.
— أيوه.
وقفت.
— طب ليه؟
صرخت لأول مرة:
— ليه عملتوا فيا كده؟
بكت نجلاء.
— لأن بابا كان السبب.
قلت:
— المحامي قال إن مفيش دليل إنه سرق حاجة.
قالت:
— لأنه مات قبل ما الحقيقة تظهر.
نظرت إليها.
— حقيقة إيه؟
وضعت نجلاء حقيبتها على الأرض.
وأخرجت منها هاتفًا قديمًا.
قالت:
— ده كان بتاع بابا.
شعرت بقلبي يخفق.
— إنتِ احتفظتي بيه؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأنه فيه كل حاجة.
أخذت الهاتف.
كان قديمًا، وشاشته مخدوشة.
قالت نجلاء:




