
— وفتحتيه؟
— أيوه.
— وإيه اللي لقيتيه؟
نظرت إليّ.
— تسجيلات.
ضغطت على الشاشة.
ظهر ملف صوتي بتاريخ يعود إلى شهر قبل وفاة أبي.
ضغطت تشغيل.
جاء صوت أبي.
واضحًا رغم التشويش.
«لو التسجيل ده وصل لحد من بناتي، يبقى أنا غالبًا ما قدرتش أصلح اللي حصل.»
شعرت بقشعريرة.
استمر صوته:
«أنا ما سرقتش الفلوس.»
نظرت إلى نجلاء.
ثم عاد صوت أبي:
«لكنني استخدمت اسم سلمى في حاجة ما كانش ينفع أعملها.»
توقفت أنفاسي.
نظرت إلى المحامي.
ثم إلى نجلاء.
استمر التسجيل:
«كنت فاكر إني بحمي بنتي.»
ثم ساد صمت لثوانٍ.
وبعدها قال أبي جملة جعلتني أشعر أن العالم كله انهار من حولي:
«لو حصل لي حاجة، الشخص الوحيد اللي لازم تخافوا منه مش شريك المشروع… الشخص ده موجود جوه عيلتنا.»
انتهى التسجيل.
ظل المكتب صامتًا.
قلت بصوت مرتجف:
— مين؟
نظرت نجلاء إلى الأرض.
ثم رفعت عيني نحوي.
— ماما.
تراجعت في مكاني.
— أمي؟
هزت رأسها.
— أيوه.
قلت:
— إنتِ بتقولي إيه؟
أخرجت نجلاء ورقة أخرى.
— ماما ما كانتش بتحاول تحميّني يا سلمى.
— أمال؟
قالت:
— كانت بتحاول تحميكي من نفسها.
وفي تلك اللحظة رن هاتف نجلاء.
نظرت إلى الشاشة.
ثم تغير وجهها بالكامل.
كان المتصل…
أمي.
لكن نجلاء لم تجب.
وبعد ثوانٍ وصلت رسالة.
قرأتها نجلاء، ثم مدت الهاتف لي.
كانت الرسالة قصيرة:
«لو سلمى عرفت التسجيل، لازم تخرجوها من الموضوع فورًا… قبل ما تعرف مين أبوها كان بيحاول يفضحه.»
نظرت إلى نجلاء.
— مين كان أبويا بيحاول يفضحه؟
لم تجب.
فقلت:
— نجلاء… مين؟
رفعت رأسها ببطء.
وقالت:
— مش شخص واحد يا سلمى… دي كانت عيلة كاملة، وأبويا دخل معاهم في حاجة خطيرة قبل ما يموت.
ثم أضافت:
— وإحنا كلنا عايشين لحد النهارده بسبب السر ده.
الجزء قبل الأخير
ظللت واقفة أمام نجلاء، عاجزة عن استيعاب كلامها.
— إحنا عايشين بسبب السر ده؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— يعني إيه؟ حد كان بيهددنا؟
نظرت إلى الأستاذ محمود، ثم عادت تنظر إليّ.
— مش بالضبط.
قلت بعصبية:
— نجلاء، أنا تعبت من نص الكلام. قولي الحقيقة كلها.
تنهدت ومسحت دموعها.
— بعد وفاة بابا، اكتشفت إن الموضوع مش مجرد ديون أو شركة.
ثم فتحت الهاتف القديم مرة أخرى.
— بابا كان بيجمع أدلة ضد شخص اسمه حمدي منصور.
— شريكه؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأن حمدي كان بيحوّل أموال الشركة لحسابات تانية. بابا اكتشف الموضوع وحاول يوقفه.
تدخل الأستاذ محمود:
— لكن المشكلة أن والدك كان قد وقع على بعض المستندات باسمه، ولذلك أصبح من الصعب إثبات أنه لم يكن مشاركًا.
قلت:
— وماله ده كله؟
أجابت نجلاء:
— قبل ما بابا يموت، كان خايف إن حمدي ينتقم منه أو يأذينا.
— وعشان كده استخدم اسمي؟
خفضت رأسها.
— أيوه.
شعرت بالغضب يعود.
— استخدم اسمي إزاي؟
قالت:
— أسس حساب وشركة صغيرة باسمك، وحط فيها بعض المستندات والأموال مؤقتًا، لأنه كان يعتقد إن محدش هيفكر يدور ورا بنت صغيرة وقتها.
— لكن أنا كنت كبيرة!
— عارفة.
ثم بكت.
— بس بعد موته، حمدي اكتشف كل حاجة.
سألت:
— وإيه علاقة ماما؟
صمتت نجلاء طويلًا.
ثم قالت:
— ماما كانت عارفة إن بابا كان بيحاول يواجهه.
— وكانت ساكتة؟
— كانت خايفة.
— وأنا؟
قالت:
— إنتِ كنتِ أكتر واحدة معرضة للخطر لأن بعض الأوراق كانت باسمك.
شعرت بأنني أترنح.
— طب ليه خليتوني أعيش كل السنين دي وأنا مش عارفة؟
قالت نجلاء:
— لأن ماما طلبت مني أحميكي.
ضحكت بمرارة.
— تحميني؟
نظرت إليها.
— ده كان اسمه حماية؟
لم تجب.
أخرجت من حقيبتها ظرفًا آخر.
— في حاجة لازم تشوفيها.
فتحته.
كان بداخله خطاب قديم بخط أبي.
قرأت:
«سلمى، لو في يوم عرفتي إن اسمك دخل في الموضوع، متخافيش. أنا عملت كده لأني كنت أعتقد أنني أحميك. لكن لو أنا مت، لا تثقي في أي شخص يقول لك إنه يريد مساعدتك.»
توقفت عند آخر سطر.
«خصوصًا الشخص الذي سيحاول إقناعك بأنني كنت لصًا.»
نظرت إلى نجلاء.
— مين كان بيقول للناس إن بابا لص؟
قالت:
— حمدي.
ثم أضافت:
— لكن ده مش أخطر جزء.
— أمال إيه؟
أخرجت هاتفها.
— قبل وفاة بابا بيومين، بعت رسالة لماما.
فتحت الرسالة.
كانت قصيرة:
«لو حصل لي حاجة، لا تبيعي البيت مهما حدث. البيت فيه شيء لا يجب أن يصل إلى أيديهم.»
رفعت عيني إليها.
— وإنتِ بعتيه؟
انهارت نجلاء بالبكاء.
— أنا اللي أقنعت ماما.
— ليه؟
— لأن حمدي كان بيضغط علينا.
— كان بيهددكم؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— بإيه؟
قالت:
— قال إنه لو ما اتدفعش الدين، هيبلغ عن الشركة، وهيخليكي إنتِ المسؤولة قانونيًا عن كل حاجة.
سكتُّ.
ثم سألت:
— والمبلغ اللي دفعته ماما من بيع البيت؟
قالت:
— جزء منه راح له.
— والباقي؟
نظرت إليّ.
— اتخبى.
— فين؟
أشارت إلى هاتف أبي.
— بابا كان عارف إن ده ممكن يحصل.
فتحت تسجيلًا آخر.
جاء صوت أبي:
«المال مش في البنك… واللي يدور عليه لازم يعرف إن المفتاح مش ورقة.»
ثم سكت.
ظهرت رسالة أخرى على الشاشة.
هذه المرة لم تكن من أبي.
كانت من أمي.
إلى نجلاء.
وكان تاريخها قبل أسبوع واحد فقط.
«الحفلة لازم تتم. سلمى لازم تفضل فاكرة إننا بنحبها، لحد ما أخلص آخر حاجة.»
تجمدت.
نظرت إلى نجلاء.
— آخر حاجة إيه؟
لم تجب.
رفعت صوتي:
— نجلاء!
قالت:
— ماما كانت بتحاول تسترجع حاجة من بيت جدتك.
— إيه؟
— صندوق قديم.
— صندوق؟
— بابا كان مخبيه هناك.
تذكرت فجأة شيئًا.
منذ طفولتي، كانت هناك خزانة خشبية قديمة في غرفة أمي.
لم يكن مسموحًا لأحد بفتحها.
حتى أبي كان يغضب إذا اقتربنا منها.
قلت:
— الصندوق موجود في بيت أمي؟
— كان موجودًا.
— كان؟
هزت رأسها.
— اختفى من أسبوع.
سألت:
— مين أخده؟
نظرت نجلاء إلى الأرض.
ثم قالت:
— شريف.
شعرت أنني فهمت شيئًا.
زوج نجلاء.
الشخص الذي وصل إليه المال بعد وفاة أبي.
والذي كانت أختي دائمًا تدافع عنه.
قلت:
— شريف مع حمدي؟
قالت:
— أعتقد ذلك.
— تعتقدين؟
— أنا شفتهم مع بعض.
— إمتى؟
— قبل ثلاثة أيام.
وقفت.
— لازم نروح البيت.
لكن الأستاذ محمود أمسك الملف وقال:
— لا.
نظرت إليه.
— ليه؟
قال:
— لأن لو الصندوق اختفى، يبقى الشخص اللي أخذه عارف إنكم اكتشفتوا الحقيقة.
ثم أضاف:
— ولازم نتصرف بحذر.
رن هاتفه في تلك اللحظة.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه.
— مين؟
لم يجب.
فقدّم لي الهاتف.
كانت رسالة من رقم مجهول:
«خلي سلمى تبعد عن الموضوع… وإلا المرة الجاية مش هتكون مجرد مرتبة على الأرض.»
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
فهمت عندها أن ما حدث لأطفالي لم يكن إهانة عائلية عابرة.
ربما كان شخص ما يريد أن يدفعني للابتعاد.
لكن السؤال الذي لم أستطع التخلص منه كان:
لماذا اختارت أمي تحديدًا أن تظل صامتة؟
وفي اللحظة نفسها، وصلني إشعار بنكي على هاتفي.
تحويل وارد إلى حسابي.
المبلغ:
162,800 جنيه.
نفس المبلغ الذي دفعته في حفل عيد ميلاد أمي.
لكن التحويل لم يكن من أمي.
ولا من نجلاء.
كان من حساب باسم:
حمدي منصور.
وتحت التحويل رسالة واحدة:
«اعتبري الحفلة انتهت… والحساب اتقفل.»
نظرت إلى الشاشة وأنا أشعر أن الدم تجمد في عروقي.
لقد كان يعرف كل شيء.
وكان يعرف أنني أنا من دفعت الحفل.
والأسوأ…
أنه كان يعرف حسابي البنكي.
رفعت عيني نحو نجلاء وقلت:
— إحنا لازم نعرف هو عايز مني إيه.
قالت وهي تبكي:
— لا يا سلمى.
— ليه؟
قالت:
— لأنه مش عايز منك فلوس… هو عايز الحاجة اللي أبويا خبّاها قبل ما يموت.
وفي تلك اللحظة، فهمت أن حفلة عيد ميلاد أمي لم تكن أبدًا مجرد حفلة.
كانت ستارًا لشيء أكبر بكثير.
وشيء ما كان على وشك الظهور أمام الجميع.
الجزء الأخير
لم أنم تلك الليلة.
ظل مبلغ 162,800 جنيه ظاهرًا أمام عيني على شاشة هاتفي.
لم أكن أفهم لماذا أعاد حمدي المال.
ولماذا أرسل لي تلك الرسالة.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
لم يعد هناك مجال للهرب.




