روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

قلت:

— لازم نروح بيت أمي.

اعترض المحامي:

— لو الصندوق فعلًا اختفى، لازم نعرف مين أخده قبل ما نواجه أي حد.

لكن نجلاء أخرجت هاتفها.

— أنا عارفة.

نظرت إليها.

— عارفة إيه؟

— مكان الصندوق.

اتسعت عيناي.

— قلتي إنه اختفى.

— قلت كده لأنني كنت خايفة.

ثم قالت:

— شريف أخده، لكنه لم يأخذه لنفسه.

ذهبنا إلى بيت أمي.

كانت أمي جالسة في غرفة المعيشة.

عندما رأتني، وقفت.

— سلمى…

قاطعتها:

— ماما، أنا عايزة الحقيقة.

نظرت إلى نجلاء.

ثم إلى الأستاذ محمود.

وفجأة جلست على الكرسي وكأنها لم تعد قادرة على الوقوف.

قالت:

— كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.

جلست أمامها.

— ليه خليتيني أصدق إني بنتك الأقل أهمية؟

بدأت دموعها تنزل.

— لأنني كنت أحاول أخليكي تبعدي.

— تبعد عن إيه؟

— عن الخطر.

ضحكت بحزن.

— وأطفالي؟ لما خليتيهم يناموا على الأرض؟

وضعت يدها على وجهها.

— أنا آسفة.

ثم قالت:

— كنت أعرف إن نجلاء مراقبة.

نظرت إلى أختي.

— مراقبة من مين؟

أجابت أمي:

— من حمدي.

ثم بدأت تحكي.

بعد وفاة أبي، اكتشفت أن هناك مستندات تثبت تورط حمدي في اختلاس أموال من المشروع.

لكن تلك المستندات كانت مخفية داخل صندوق قديم.

وأبي كان قد ترك مفتاح الصندوق لشخص واحد فقط.

لي أنا.

قلت بدهشة:

— أنا؟

هزت أمي رأسها.

— أيوه.

— لكن ليه؟

— لأن باباكي كان عارف إنك الوحيدة اللي ممكن يحتفظي بالمفتاح من غير ما حد يشك.

ثم قالت:

— المفتاح كان في حاجة أعطاهالك قبل وفاته.

بدأت أفتش في ذاكرتي.

وفجأة تذكرت.

قبل وفاة أبي بأيام، أعطاني سلسلة مفاتيح صغيرة.

وقال لي:

«خليها معاكي، دي حاجة مهمة.»

احتفظت بها سنوات داخل صندوق مجوهراتي.

لكنني لم أعرف أبدًا لماذا.

أخرجتها من حقيبتي.

نظر إليها الأستاذ محمود.

ثم ابتسم.

— ده هو المفتاح.

شعرت بقشعريرة.

— والصندوق؟

قالت أمي:

— كان في بيت جدتك.

ثم نظرت إلى نجلاء.

— لكن شريف أخده.

قالت نجلاء:

— ورجعه.

التفتُّ إليها.

— رجعه فين؟

أشارت إلى الحائط.

— ورا اللوحة.

أزاح الأستاذ محمود اللوحة.

كان هناك تجويف صغير.

وبداخله صندوق معدني قديم.

وضعت المفتاح في القفل.

دار بسهولة.

فتحنا الصندوق.

كان بداخله دفتر حسابات، وذاكرة إلكترونية صغيرة، ومجموعة عقود.

لكن الشيء الأهم كان ظرفًا عليه اسم أبي.

فتحته.

كانت رسالة طويلة.

بدأت أقرأ.

كتب أبي:

«يا سلمى، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.»

توقفت للحظة.

ثم تابعت.

«أنا لم أسرق أموال الشركة. حمدي هو من فعل ذلك. لكنني ارتكبت خطأ كبيرًا عندما حاولت مواجهته وحدي.»

ثم كتب:

«أما الشركة التي ظهرت باسم سلمى، فلم أؤسسها لأسرق أموالًا. أسستها لأضع فيها الأدلة التي تثبت جرائم حمدي.»

نظرت إلى الأستاذ محمود.

كان يقرأ فوق كتفي.

تابعت.

«لكنني اكتشفت أن هناك شخصًا من داخل العائلة يساعده.»

توقفت.

كان اسم الشخص مكتوبًا في نهاية الرسالة.

شريف.

زوج نجلاء.

نظرت إلى أختي.

كانت تبكي.

— كنتِ عارفة؟

هزت رأسها.

— عرفت من فترة قصيرة.

قالت:

— لما شريف اكتشف إني عرفت، هددني.

ثم أضافت:

— هو اللي أقنعني أخلي ماما تفضل قريبة منه.

— وإنتِ وافقتِ؟

— كنت خايفة عليكِ.

بدأت أفهم كل شيء.

كانت نجلاء تتصرف معي بطريقة قاسية.

تمنعني من معرفة بعض التفاصيل.

وتجعل أمي تظن أنني لا أهتم بها.

لكنها كانت تحاول إبقائي بعيدة عن الموضوع.

ومع ذلك، لم أستطع أن أنسى أطفالي.

قلت لها:

— كان ممكن تقوليلي الحقيقة.

بكت.

— كنت خايفة لو عرفتي، حمدي يوصل لك.

في تلك اللحظة دخل شريف.

توقف عندما رأى الصندوق مفتوحًا.

ثم نظر إلى نجلاء.

— إنتِ عملتي إيه؟

قالت:

— كفاية يا شريف.

تراجع خطوة.

— إنتِ مش فاهمة اللي بتعمليه.

رد الأستاذ محمود:

— بالعكس، هي فاهمة كويس.

ثم رفع ذاكرة التسجيل.

— وكل حاجة هنا موثقة.

تغير وجه شريف.

حاول الخروج.

لكن الباب كان قد امتلأ برجال الشرطة.

كان الأستاذ محمود قد أبلغهم قبل أن نفتح الصندوق.

بعد ساعات، بدأت التحقيقات.

تم القبض على شريف، وبعد مراجعة المستندات والتسجيلات، بدأت خيوط القضية تصل إلى حمدي أيضًا.

أما القرض الذي كان باسمي، فتم إثبات أن التوقيعات والمستندات مزورة.

ولم أكن مسؤولة عن الدين.

والبيت؟

اتضح أن عملية البيع تمت تحت ضغط وبتلاعب في المستندات.

وبعد التحقيق، تمكنت أمي من استعادة حقها القانوني في المنزل.

لكن أكثر شيء غير حياتي لم يكن المال.

كان اعتراف أمي.

جلست معها بعد انتهاء كل شيء.

قلت:

— ليه ما قولتيليش إنك بتحبيني؟

بكت.

— كنت فاكرة إن إبعادك عني هو الطريقة الوحيدة أحميكي بيها.

قلت:

— بس أنا كنت محتاجة أحس إني بنتك.

أمسكت يدي.

— وأنا كنت محتاجة أتعلم إن الحماية مش معناها إني أكسر قلب بنتي.

أما نجلاء، فقد اعتذرت لي أمام أمي.

قلت لها:

— أنا زعلانة منك.

هزت رأسها.

— ومن حقك.

— لكن مش هقطعك.

رفعت عينيها بدهشة.

قلت:

— لأننا في الآخر أخوات.

وبعد أسبوعين، أقامت أمي حفلة عيد ميلادها.

لكن هذه المرة لم تكن حفلة ضخمة.

كانت مجرد جلسة عائلية بسيطة.

أنا وأطفالي، نجلاء وبناتها، وخالتي سعاد.

وضعت أمي أمام مريم طبقًا كبيرًا من الحلوى وقالت:

— المكان ده مخصوص لمريم.

ثم نظرت إلى يوسف وضحكت:

— وإنت كمان ليك مكان.

ضحك الطفلان.

نظرت إليهما وشعرت أن شيئًا في داخلي أخيرًا هدأ.

أما مبلغ 162,800 جنيه الذي أعاده حمدي، فقد تم تجميده ضمن التحقيقات، ثم استُخدم جزء منه لتسوية بعض الالتزامات القانونية، والباقي عاد إلى حسابي بعد انتهاء الإجراءات.

وفي نهاية كل شيء، فهمت شيئًا لم أنسه أبدًا:

أحيانًا الشخص الذي يبدو أنه يكرهك قد يكون خائفًا عليك.

وأحيانًا الشخص الذي يبدو الأقرب إليك قد يكون هو من يخفي الحقيقة.

لكن أهم شيء تعلمته…

أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى إهانتك حتى يحميك.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أقيس حب أمي بعدد الكلمات التي تقولها.

بل بالأفعال.

وأمي أيضًا تعلمت ألا تجعلني أدفع ثمن أسرار الآخرين.

أما مريم، فلم تنسَ تلك الليلة.

بعد أشهر، سألتني:

— ماما، ليه زمان تيتة خلتنا ننام على الأرض؟

ابتسمت واحتضنتها.

وقلت:

— عشان الكبار أحيانًا بيغلطوا يا حبيبتي.

فقالت:

— بس دلوقتي بتحبنا؟

ضحكت.

— دلوقتي؟

ثم نظرت إلى بيت جدتها من النافذة.

— دلوقتي هي عارفة إن الحب مش كلام… الحب إنك تخلي اللي بتحبه يحس إنه له مكان عندك.

وضمتني مريم بقوة.

وفي تلك اللحظة فقط، شعرت أن كل ما حدث كان يستحق أن ينتهي بهذه الطريقة.

ليس لأننا استعدنا المال أو البيت.

ولكن لأننا استعدنا عيلتنا.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى