روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

قفلت المكالمة، وقعدت فترة طويلة أفكر.

سلمى كانت لسه نايمة، وأنا ما كنتش عايزة أصحيها وأحملها هموم الكبار.

قررت إننا هنكمل يومنا في المنتجع، وبعدها هواجه أمي بالحقيقة.

لكن قبل الظهر، وصلني إشعار برسالة جديدة من كريم.

كتب:

«دينا، لازم نتكلم. إنتِ مش فاهمة الصورة كاملة. تعالي البيت، ومش هتندمي.»

المرة دي، ما تجاهلتش الرسالة.

كتبت له:

«هنتكلم، لكن مش في بيتك، ومش قبل ما أعرف كل التفاصيل. لو فيه مستندات أو حسابات تخص فلوسي، جهزها.»

وبعدها قفلت الموبايل.

—

في المساء، رجعت أنا وسلمى إلى بيتنا.

أول ما وصلنا، اتصلت بأمي وطلبت منها تقابلني في مكان هادي في اليوم التالي.

حاولت تقنعني إني أجي بيتها، لكني رفضت.

قلت لها:
«المرة دي، يا ماما، مش هنتكلم عن مين زعل ومين بوّظ العيد. هنتكلم عن الحقيقة.»

في اليوم التالي، قابلتها في مكتب محامٍ كنت قد تعاملت معه من قبل.

وصلت أمي وهي متوترة، وكريم كان معاها.

قعدوا قدامي، وحاولوا يبدأوا الكلام بتبريرات طويلة.

أمي قالت:
«يا دينا، إنتِ بنتي، وأنا عمري ما قصدت أضرك. إحنا عيلة واحدة، والفلوس اللي بينا مش المفروض تفرقنا.»

بصيت لها وقلت:
«أنا مش جاية أتكلم عن العيلة يا ماما. أنا جاية أعرف إذا كنتِ استخدمتي فلوسي من غير إذني.»

كريم تدخل بسرعة:
«الموضوع مش بالبساطة دي. أمي كانت بتصرف على البيت، وإنتِ كنتِ عارفة إن عندنا التزامات.»

سألته:
«إمتى وافقت إني أديكم فلوسي؟»

ما ردش.

بصيت لأمي.

«إمتى يا ماما؟»

نزلت عينيها، وبعد صمت طويل قالت:

«بعد وفاة أبوكي، كنت خايفة على البيت. كان علينا التزامات كتير، واستخدمت جزءًا من الفلوس عشان نسددها. كنت ناوية أرجعهالك.»

سألتها:
«قد إيه؟»

بدأت تتكلم عن مصاريف قديمة، وفواتير، وإصلاحات، ومبالغ دفعتها على مدار سنين.

طلب المحامي منها المستندات، وبدأ يراجع الأوراق المتاحة.

اتضح إن فيه مبالغ اتصرفت فعلًا، لكن الحسابات لم تكن واضحة، وإن بعض التصرفات تحتاج إلى مراجعة قانونية قبل تحديد حقوق كل طرف.

المحامي قال بوضوح:
«أي مبلغ تم استخدامه من أموال السيدة دينا من غير موافقة واضحة منها، لازم يتراجع بالمستندات. صلة القرابة وحدها لا تعني إن أي شخص له حق التصرف في أموال شخص آخر.»

أمي بدأت تعيط.

قالت:
«أنا ما كنتش فاكرة إن الموضوع هيوصل لكده. كنت بقول لنفسي إننا هنحل كل حاجة بينا.»

بصيت لها، وقلبي كان موجوعًا.

«المشكلة يا ماما مش إنك احتجتي مساعدة. لو كنتِ طلبتي مني، كان ممكن أساعدك على قد ما أقدر. المشكلة إنك قررتي من ورايا، وبعدها خليتيني أصدق إن كل حاجة تمام.»

كريم حاول يغيّر الموضوع.

قال:
«طب وإيه علاقة ده باللي حصل ليلة العيد؟ إنتِ مكبرة موضوع الجراج أكتر من اللازم.»

بصيت له مباشرة.

«لأن اللي حصل ليلة العيد وضّح لي إزاي إنتوا شايفيني أنا وبنتي. إنت كنت مستعد تخلي طفلة تنام في الجراج عشان خطيبتك تاخد أوضة مريحة، ولما اعترضت، اتهمتني إني أنانية.»

ما عرفش يرد.

كملت:

«أنا مش هقبل إن بنتي تحس يومًا إنها أقل من أي حد عشان ترضيكم. ولا هسمح إن ثقتي فيكم تبقى وسيلة للضغط عليّ.»

في اللحظة دي، أمي رفعت عينيها وقالت:

«يعني إنتِ هتقطعي علاقتك بينا عشان ليلة واحدة؟»

هزيت راسي.

«لأ يا ماما. مش عشان ليلة واحدة. عشان حاجات كتير اتجمعت على مدار سنين، وأنا كنت كل مرة بقول لنفسي معلش، دول أهلي. لكن المرة دي بنتي كانت واقفة قدامي، وبتسألني إذا كانت تستحق تنام في الجراج.»

سكتُّ قليلًا، ثم أضفت:

«والسؤال ده خلاني أراجع كل حاجة.»

—

بعد الاجتماع، بدأت الإجراءات الرسمية لمراجعة الحسابات والمستندات المتعلقة بأموال والدي.

ما اتخذتش أي قرار متسرع، وما اتهمتش حد بحاجة قبل ما تظهر الحقائق كاملة.

لكنني قررت إن أي تعامل مالي في المستقبل هيكون واضحًا ومكتوبًا، وإن ثقتي مش هتكون بديلًا عن حقي في معرفة الحقيقة.

أما كريم، فبدأت خطوبته بنادين تدخل في أزمة حقيقية.

نادين ما كانتش عايزة تعيش مع شخص بيشوف إن إهانة طفل أمر عادي، ولا مع شخص بيخفي عنها حقائق مهمة لما تسأله عنها.

بعد أسابيع، اتصلت بي وقالت إنهما قررا تأجيل الزواج إلى أجل غير مسمى.

قالت لي:
«أنا مش زعلانة عشان إنك مشيتي من البيت. أنا زعلانة عشان اكتشفت إن كريم كان شايف إن اللي حصل لسلمى عادي، وإن المشكلة الوحيدة بالنسبة له إنك رفضتي تسكتي.»

شكرتها على صراحتها، وتمنيت لها الخير.

أما أمي، فحاولت تتواصل معايا مرات كتير.

في البداية، كانت كل مكالمة تبدأ بالعتاب، وتنتهي بإنها بتقول إني كسرت قلبها.

لكن بعد فترة، بدأت نبرة كلامها تتغير.

في إحدى المكالمات، قالت لي:

«أنا عارفة إنك لسه زعلانة مني. ومش هطلب منك تنسي اللي حصل. لكن نفسي أشوف سلمى وأعتذر لها.»

فكرت قليلًا، ثم قلت:

«الاعتذار مش معناه إن كل حاجة هترجع زي الأول. لو عايزة تصلحي اللي حصل، لازم تحترمي حدودنا، وتثبتي بأفعالك إنك فهمتي غلطك.»

وافقت.

لم تعد العلاقة كما كانت، ولم أعد أسمح لأي شخص أن يتجاوز حدودي بحجة أننا عائلة.

بدأت أتعلم أن المسامحة لا تعني نسيان ما حدث، وأن الحب لا يلزمني بقبول كل شيء.

—

بعد عدة أشهر، كنت قاعدة مع سلمى في بيتنا، بنجهز ألبوم الصور اللي التقطناها في المنتجع.

لما وصلنا للصورة اللي كانت جنب حمام السباحة، ابتسمت وقالت:

«ماما، فاكرة الليلة دي؟»

ضحكت وقلت:
«أنساها إزاي؟»

فضلت تتأمل الصورة شوية، وبعدها سألتني:

«هو إنتِ ندمتي إننا مشينا؟»

بصيت لها، وقلت من غير تردد:

«أبدًا يا حبيبتي.»

ابتسمت، وبعدها رجعت تبص للصورة.

«أنا كنت خايفة إنك ترجّعيني عند تيتة، وتقولِي لي معلش عشان خاطر العيلة.»

حسيت بوخزة في قلبي، لكني ما قاطعتهاش.

كملت:

«بس لما مسكتي إيدي وقلتي لي يلا، حسيت إنك اخترتيني أنا.»

حضنتها بقوة، وقلت لها:

«هختارك كل مرة يا سلمى. مش معنى إننا بنحب حد إننا لازم نقبل منه أي حاجة. وإنتِ مش محتاجة تثبتي لأي حد إنك تستحقي الحب والاحترام.»

في الليلة دي، فهمت إن أغلى حاجة كسبتها ما كانتش الفلوس، ولا الإقامة في المنتجع، ولا حتى إن أمي وكريم اضطروا يواجهوا نتائج تصرفاتهم.

أغلى حاجة كانت إني منعت بنتي من تصديق فكرة خطيرة جدًا: إنها لازم تقبل الإهانة عشان تفضل محبوبة.

أما الصورة اللي نشرتها، فما زالت موجودة عندي حتى النهارده.

كل ما أشوفها، أفتكر إن قرارًا واحدًا هادئًا ممكن يغيّر حاجات كتير، وإن أحيانًا قول كلمة «لأ» في الوقت المناسب بيكون أهم من ألف كلمة بنقولها عشان نرضي الناس.

لأن العيلة مش مجرد أسماء بنحملها، ولا بيوت بنجتمع فيها في المناسبات. العيلة الحقيقية هي المكان اللي طفلك يحس فيه إنه آمن، ومحبوب، وإن كرامته مش موضوع قابل للتفاوض.

ومن يومها، بقيت أؤمن إن الحفاظ على الروابط العائلية شيء جميل، لكن الحفاظ على احترام النفس وحماية أولادنا أهم من إننا نكسب رضا الناس على حسابهم.

والسؤال اللي فضلت أسأله لنفسي بعد كل اللي حصل كان بسيطًا: لو كنت سكتّ ليلة العيد، وسمحت لبنتي تنام في الجراج، كنت هقدر أبص في عينيها تاني وأقول لها إنها تستحق الأفضل؟

أنا عرفت إجابتي.

وأتمنى كل أب وأم يعرفوا إجابتهم قبل ما ييجي يوم يضطر فيه طفلهم يسأل السؤال نفسه.
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى