منوعات

الملف الازرق

«مش أنا لوحدي يا نادر.»

طلعت مجموعة أوراق قديمة، بعضها عليه أختام رسمية، وبعضها عليه توقيعات أعرفها كويس.

توقيعي أنا.

وتوقيع شخص تاني كنت فاكر إنه خرج من حياتي للأبد.

والد ريم.

قبل 13 سنة، كنت شاب طموح عنده فكرة لتطوير نظام تقني يساعد المصانع والشركات على إدارة بياناتها بصورة أسرع وأقل تكلفة.

كانت عندي الفكرة، لكن ما كانش عندي رأس المال الكافي، ولا العلاقات اللي تسمح لي أحولها لمشروع حقيقي.

والد ريم، المهندس محمود السيوفي، كان رجل أعمال ناجحًا، ويمتلك شركة متخصصة في الأنظمة الإلكترونية.

هو اللي وافق يسمع فكرتي، وهو اللي فتح لي أبواب شركته، وسمح لي أستخدم بعض المعدات، وعرّفني على أول مجموعة من العملاء.

كنت وقتها ممتن له، وكنت بقول لريم إنني عمري ما هنسى وقفته معايا.

لكن لما بدأت أتعرف على داليا، ووالدها عرض عليّ استثمارًا أكبر، بدأت أتعامل مع مساعدة عائلة ريم باعتبارها مجرد خطوة صغيرة في بداية طريقي.

وبعد الطلاق، ابتعدت عنهم تمامًا.

ولما أسست شركتي الجديدة، كنت مقتنعًا إن كل شيء أصبح ملكي وحدي.

بصيت للمستندات اللي في إيد ريم، وبدأت أقرأها واحدة واحدة.

كان فيه عقد شراكة قديم، وملحق خاص بحقوق الملكية الفكرية، واتفاق بخصوص نسبة من العائدات المستقبلية للمشروع الأصلي.

لكن اللي صدمني فعلًا كان اسم صاحبة الحق في الملحق الأخير.

ريم محمود السيوفي.

رفعت عيني بسرعة.

«إزاي اسمك موجود هنا؟»

قالت:

«لأن جزءًا من المشروع اللي بنيت عليه شركتك كان مبنيًا على تطويرات وأبحاث اشتغلت عليها أنا ووالدي. وقتها اتفقنا إن حقوقنا محفوظة، وإن أي شركة تستخدم التكنولوجيا دي لازم تلتزم بشروط العقد.»

حاولت أتمسك بأي تفسير تاني.

«بس شركتي اتأسست بعد كده، وكل العقود اتراجعت بمعرفة محامين!»

ردت:

«عشان كده أنا قلت لك إنك لازم تقرأ كل الأوراق. الموضوع مش بسيط زي ما إنت متخيل.»

شعرت بالغضب والخوف في نفس الوقت.

«طيب، إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ فلوس؟ نسبة من الشركة؟»

لأول مرة، ظهرت على وشها ملامح حزن حقيقي.

قالت:

«غريبة أوي يا نادر. بعد كل السنين دي، لسه أول حاجة بتيجي في بالك هي الفلوس.»

سكتُّ، وما لقيتش رد مناسب.

كملت كلامها:

«أنا ما جيتش أطلب منك ثروة. أنا عندي شغلي وحياتي، وبناتي اتربوا من غير ما يستنوا منك حاجة. لكن فيه فرق بين إني أتنازل عن حقي بإرادتي، وبين إن حقي يضيع لأنك قررت تتجاهله.»

قبل ما أقدر أرد، ظهرت بنتاي عند مدخل القاعة.

كانت ملك ونور خلصوا التصوير مع الفائزين، وجايين ناحية أمهم.

نور كانت شايلة الكأس، وملك ماسكة ميداليتها.

لما شافتني، وقفت للحظة.

أما نور، فبصت لي بفضول واضح، وبعدها سألت أمها:

«ماما، هو ده بابا؟»

حسيت إن السؤال نزل على قلبي زي حجر تقيل.

ريم ما جاوبتش بدلًا مني.

بصت لي وقالت:

«أيوه يا نور. ده أبوكم.»

فضلت البنتين ساكتين.

كنت مستني واحدة منهم تجري ناحيتي، أو حتى تسألني ليه ما كنتش موجود في حياتهم.

لكن ما حصلش أي حاجة من دي.

نور بصت لي باحترام بارد، وقالت:

«أهلًا يا أستاذ نادر.»

أما ملك، ففضلت واقفة جنب أمها من غير ما تتكلم.

الكلمة وجعتني أكتر من أي اتهام.

أنا أبوهم، لكن بالنسبة لهم كنت مجرد رجل غريب عرفوا اسمه من دقائق.

حاولت أبتسم.

«مبروك يا بنات. أنا فخور بيكم جدًا.»

نور ردت بهدوء:

«شكرًا.»

وبعدها بصت لداليا، اللي كانت لسه واقفة جنبي وملامحها متوترة.

قالت داليا بنبرة متكلفة:

«مبروك يا حبايبي. أكيد فرحانين إنكم كسبتم، بس لازم تفهموا إن المسابقات مش كل حاجة في الحياة.»

نور ابتسمت بأدب.

«أكيد. إحنا اتعلمنا إن المهم نتعلم من التجربة، سواء كسبنا أو خسرنا.»

كانت جملة بسيطة، لكن داليا فهمت إنها إشارة غير مباشرة للي حصل مع بنتها.

فقالت بحدة:

«على العموم، مش معنى إنكم كسبتم إنكم أحسن من كل الناس.»

ريم ردت قبل ما البنتين يتكلموا:

«ولا معنى إن بنتك ما كسبتش إن حد قلل منها. كل واحدة فيهم تستحق الاحترام، وده بالضبط اللي المفروض الكبار يعلموه لأولادهم.»

داليا بصت لي منتظرة إني أدافع عنها.

لكنني ما اتكلمتش.

لأول مرة، ما قدرتش أبرر تصرفاتها، ولا أتصرف كأن كل حاجة لازم تمشي بالطريقة اللي هي عايزاها.

بعد دقائق، اقترحت ريم إننا نتكلم في مكان هادي بعيد عن الزحمة.

وافقت، وخرجنا إلى صالة جانبية في الجامعة.

هناك، جلست ريم وبناتها على أريكة قريبة من النافذة، بينما جلست أنا قبالتهم.

فتحت الملف الأزرق وأخرجت صورة قديمة.

كانت الصورة لريم وهي في العشرينات، واقفة بجوار والدها أمام جهاز إلكتروني كبير، وعلى الطاولة مجموعة من الأوراق والرسومات.

افتكرت الصورة فورًا.

كانت من الأيام اللي سبقت تأسيس أول مشروع تقني اشتغلت عليه.

قالت ريم:

«فاكر اليوم ده؟»

هززت رأسي.

«أيوه.»

«اليوم ده، كنت بتقول لي إن المشروع ده هيغير حياتنا، وإننا لما ننجح هنقدر نعيش حياة مستقرة ونربي أولادنا من غير ما يحتاجوا حاجة.»

نزلت عيني للأرض.

كملت:

«أنا صدقتك يا نادر. واشتغلت معاك، وساعدتك، وشاركتك أفكار ومجهود كان ممكن أبني بيه مستقبلي لوحدي. لكن لما لقيت فرصة لحياة أغنى، قررت إن وجودي بقى عائق قدامك.»

قلت بصوت منخفض:

«أنا كنت غلطان.»

ردت بسرعة:

«أيوه، كنت غلطان. لكن الاعتراف بالغلط بعد 13 سنة مش كفاية لوحده.»

رفعت عيني لها.

«إيه اللي عايزاني أعمله؟»

أجابت:

«عايزاك تواجه الحقيقة، وتسيب المحامين يراجعوا العقود بشكل عادل. ولو فيه حقوق قانونية ليا أو لوالدي أو لأي طرف تاني، لازم تترد لأصحابها.»

سكتت لحظة، وبعدها أضافت:

«وفيه حاجة تانية.»

انتظرت تكمل.

قالت:

«أنا مش هسمح لك تدخل حياة البنات فجأة وتتصرف كأنك تقدر تعوض 13 سنة في يوم واحد. لو عايز تعرفهم، لازم تحترم مشاعرهم، وتقبل إنهم ممكن يحتاجوا وقت طويل قبل ما يثقوا فيك.»

بصيت للبنتين.

نور كانت بتبص للكأس، وملك كانت بتسمع في صمت.

فهمت وقتها إن الاعتذار مش هيغير الماضي، وإن وجودي في حياتهم مش حق أفرضه لمجرد إني أبوهم.

لكن قبل ما أنطق بأي كلمة، رن تليفوني مرة تانية.

كان المحامي الخاص بالشركة.

رديت، فجالي صوته جادًا:

«أستاذ نادر، راجعنا جزءًا من المستندات اللي ظهرت النهارده. فيه مشكلة أكبر من مجرد بند قديم في عقد.»

وقفت من مكاني.

«إيه هي؟»

قال:

«المستندات بتشير إلى إن بعض حقوق الملكية الفكرية اللي اتنقلت للشركة ما زالت محل نزاع، وإن فيه اتفاقًا سابقًا ممكن يكون ليه تأثير مباشر على صحة بعض عمليات نقل الملكية.»

حسيت إن رجلي مش قادرة تشيلني.

«يعني إيه الكلام ده؟»

رد المحامي:

«يعني لازم نراجع سلسلة العقود بالكامل قبل ما نقدر نحدد موقف الشركة. وفيه اجتماع طارئ لمجلس الإدارة بكرة الصبح.»

قفلت المكالمة ببطء.

ريم كانت بتبص لي، لكن المرة دي ما كانش في عينيها أي انتصار.

كان فيها حزن، وكأنها كانت تتمنى إن الأمور ما توصلش للنقطة دي.

سألتها بصوت مبحوح:

«إنتِ كنتِ عارفة إن الموضوع هيوصل لكده؟»

قالت:

«كنت عارفة إن الحقيقة لازم تظهر في يوم من الأيام. لكن مش أنا اللي أقدر أحدد النتيجة قبل ما المحامين يراجعوا كل حاجة.»

وبعدين رجعت الأوراق للملف الأزرق، وقفلت عليه.

وقبل ما تمشي مع بنتيها، التفتت لي وقالت:

«بكرة هتعرف تفاصيل أكتر يا نادر. لكن فيه حاجة لازم تفهمها من دلوقتي: أنا مش عايزة أشوفك بتخسر كل حاجة. أنا عايزة أشوفك أخيرًا بتتحمل مسؤولية قراراتك.»

خرجت ريم مع البنتين، وفضلت أنا واقف في الصالة، حاسس إن السنين اللي فاتت كلها رجعت تطاردني في ليلة واحدة.

لكن اللي ما كنتش أعرفه إن داليا كانت سمعت جزءًا من المكالمة.

ولما خرجت من الجامعة وركبت معايا العربية، فضلت ساكتة لحد ما وصلنا للبيت.

وبمجرد ما الباب اتقفل علينا، رمت حقيبتها على الكنبة وقالت بغضب:

«أنا مش هسمح للست دي إنها تدمر حياتنا!»

بصيت لها بتعب.

«داليا، إحنا لسه ما نعرفش نتيجة مراجعة العقود.»

اقتربت مني وقالت:

«أنا عارفة والدكِ؟ لا، أنا عارفة أبويا، وعارفة رجال الأعمال اللي ممكن يساعدونا. لو ريم بتحاول تستغل الموضوع عشان تاخد جزءًا من شركتك، لازم نتحرك قبلها.»

استغربت إصرارها.

«هي ما طلبتش أي فلوس.»

ردت بسرعة:

«وده اللي يخوف! الست اللي بتدخل عليك بملف أزرق بعد 13 سنة مش جاية تتكلم عن الذكريات.»

ثم أخرجت هاتفها وبدأت تتصل بوالدها.

في اللحظة دي، بدأت أشك إن داليا تعرف عن تاريخ الشركة أكتر مما كانت بتقول.

وبعد دقائق، أنهت المكالمة، وبصت لي بنظرة غريبة.

«أبويا قال إن فيه حل. بس لازم توافق عليه من غير ما تسأل أسئلة كتير.»

سألتها:

«حل إيه؟»

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:

«بكرة الصبح، هنخلي مجلس الإدارة يختار بينك وبين ريم… وساعتها هنشوف مين فيكم هيقدر يحتفظ بالشركة.»

لكنها ما كانتش تعرف إن المحامي، في نفس اللحظة، كان بيجهز مستندًا آخر، مستندًا يحمل توقيعًا قديمًا من والدها نفسه.

توقيعًا ممكن يقلب كل خططها رأسًا على عقب.

يتبع في الجزء الرابع…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى