روايات وقصص

السر بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

فضلت باصص للظرف قدامي كام ثانية، ومش قادر أمد إيدي عليه.

بصيت لأبويا.

كان واقف، وشه شاحب، وإيده ماسكة طرف الكرسي كأنه بيحاول يثبت نفسه.

قلت:

— بابا… إيه اللي في الظرف ده؟

ما ردش.

جدتي قالت بهدوء:

— افتحه يا ياسين.

مديت إيدي وفتحت الظرف.

كان جواه مجموعة أوراق قديمة، وكل ورقة عليها أختام وتوقيعات رسمية.

لكن أول ورقة هي اللي خلتني أتجمد.

كان عنوانها:

“إقرار تنازل نهائي عن حقوق الملكية والإدارة.”

وتحت العنوان…

كان اسم أبويا.

قرأت السطر مرة.

وبعدين مرة تانية.

وبصيت له.

— إنت… اتنازلت عن الشركة؟

أبويا أخيرًا اتكلم:

— الموضوع مش زي ما إنت فاهم.

جدتي ردت فورًا:

— هو بالضبط زي ما هو مكتوب.

سلمى قربت من الورق.

— بس ليه؟

جدتي بصتلها.

— لأن والدك كان عايز الشركة من البداية.

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

— لكن في الوقت اللي كان بيجهز فيه يستلمها، اكتشفت حاجة مكنتش أقدر أتجاهلها.

أبويا قال بعصبية:

— ماما، كفاية.

جدتي رفعت إيدها.

— لا.

ثم بصت لي.

— إنت دلوقتي لازم تعرف الحقيقة.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

— حقيقة إيه؟

قالت:

— قبل 15 سنة، حصلت أزمة مالية كبيرة في الشركة.

أنا كنت وقتها لسه صغير ومكنتش فاهم أي حاجة عن شغل العيلة.

جدتي كملت:

— كان فيه مبلغ كبير جدًا اختفى من حسابات إحدى الشركات التابعة لنا.

أبويا قاطعها:

— وده مش معناه إني سرقته!

— أنا مقولتش إنك سرقته.

ثم أشارت إلى الأوراق.

— لكن التحقيق الداخلي أثبت إنك وقّعت على تحويلات مالية من غير ما تتأكد من مصدرها.

سلمى شهقت.

— يعني بابا كان متورط؟

جدتي ردت:

— كان مسؤولًا إداريًا عنها في الوقت ده.

أبويا ضرب بإيده على السفرة.

— أنا كنت مضغوط! وكنت بثق في الناس اللي حواليا!

— وده كان سبب كافي إني أمنعك من السيطرة على الشركة.

سكت المكان.

أنا قلبت الصفحة التالية.

كان فيها قرار رسمي بتجميد صلاحيات أبويا.

ثم ورقة أخرى.

تنازل نهائي عن حقه في وراثة أسهم جدتي.

بصيت له.

— إنت وقّعت على ده كله؟

قال بصوت منخفض:

— كنت فاكر إن الموضوع مؤقت.

جدتي هزت رأسها.

— لأ.

ثم قالت:

— كان نهائي.

فجأة سلمى انفجرت:

— طيب وإحنا؟!

جدتي بصتلها.

— إنتِ مالك؟

— يعني كل حاجة هتروح ليان؟!

جدتي ردت:

— مش “هتروح”.

— هي بالفعل أصبحت صاحبتها المستقبلية بموجب الصندوق اللي أنشأته.

سلمى قربت مني.

— إنت كنت عارف؟

ضحكت من شدة الصدمة.

— عارف إيه؟ أنا لسه سامع الكلام ده زيكم.

قالت:

— أكيد جدتي اختارتك لأنك ابنها المفضل.

قبل ما أرد، جدتي قالت:

— أنا اخترت ياسين لأنه الوحيد اللي ما طلبش مني حاجة.

سلمى سكتت.

جدتي كملت:

— طول السنوات الماضية، أبوك كان بيكلمني عن الشركة.

— سلمى كانت بتكلمني عن نصيبها.

— أما ياسين…

وبصت ناحيتي.

— ولا مرة طلب مني جنيه واحد.

حسيت بغصة في حلقي.

قلت:

— بس يا جدتي، أنا مش عايز أكون سبب في مشاكل بينكم.

ابتسمت.

— إنت مش السبب.

ثم أشارت إلى ليان.

— السبب الحقيقي إن ناس كتير نسيت إن قيمة الإنسان مش في الفلوس اللي معاه.

ليان كانت واقفة جنبي ومش فاهمة معظم الكلام.

مسكت إيدي وقالت:

— بابا… يعني أنا بقيت غنية؟

ابتسمت رغم كل اللي بيحصل.

نزلت لمستواها.

— إنتِ غنية من قبل ما تعرفي الفلوس يعني إيه.

ضحكت لأول مرة من بداية الليلة.

لكن جدتي ما ضحكتش.

بصت لي وقالت:

— في حاجة تانية لازم تعرفها.

رجعت واقف.

— إيه؟

قالت:

— الصندوق مش مجرد فلوس وأسهم.

ثم فتحت الملف مرة أخرى.

طلعت ورقة مختلفة.

— فيه شرط.

قرأته بسرعة.

كان مكتوبًا إن ليان لما تبلغ 25 سنة، لو اختارت بنفسها إنها تدير جزءًا من أصول الصندوق، لازم تثبت إنها حصلت على تعليم وخبرة مناسبة.

لكن كان فيه بند آخر…

“لا يجوز لأي فرد من أفراد العائلة التصرف في أصول الصندوق أو الاقتراض بضمانها.”

بصيت لجدتي.

— ليه كتبتي الشرط ده؟

ردت:

— لأني عارفة عيلتي.

نظرت ناحية أبويا.

ثم ناحية سلمى.

فهمت وقتها إن الموضوع مش مجرد ميراث.

جدتي كانت بتحاول تحمي ليان من العيلة نفسها.

لكن اللي حصل بعدها كان أغرب.

تليفون أبويا رن.

بص للشاشة.

وشه اتغير مرة تانية.

خرج من المكان بسرعة.

بعد أقل من دقيقة، رجع.

وقال لجدتي:

— ماما… لازم نتكلم.

— قول.

— الموضوع اللي حصل من 15 سنة… مش هو كل الحقيقة.

أنا بصيت له.

جدتي وقفت مكانها.

— إيه اللي بتقوله؟

أبويا بلع ريقه.

وقال:

— الفلوس اللي اختفت وقتها…

سكت.

— أنا عارف راحت فين.

جدتي ثبتت عينيها عليه.

— فين؟

أبويا بص ناحيتي.

ثم بص لليان.

وقال:

— راحت في حساب باسم شخص من العيلة.

الكل اتجمد.

جدتي قالت:

— اسم مين؟

أبويا فتح بقه…

لكن قبل ما يتكلم، سمعنا صوت خبط قوي على باب البيت.

وبعدها مباشرة…

دخل واحد من موظفي جدتي وهو بيقول:

— مدام فاطمة… في محامي بره ومعاه مستندات.

جدتي سألته:

— مستندات إيه؟

الرجل بص لي.

وقال:

— بيقول إن ليان نفسها مرتبطة بالموضوع من يوم ولادتها.

أنا حسيت إن الدنيا وقفت.

لأن ليان كان عمرها 6 سنين فقط.

ومفيش أي حاجة أعرفها عن الموضوع ده.

بصيت لجدتي.

قالت:

— خليه يدخل.

وبعد ثواني…

دخل المحامي.

وكان ماسك ملف أسود.

لكن أول ما شافني…

قال جملة خلتني أنسى تمامًا موضوع الفستان والسخرية اللي بدأت بيها الليلة:

— أستاذ ياسين… أنا آسف، بس لازم تعرف إن والدة ليان كانت تعرف كل حاجة قبل وفاتها.

رفعت عيني له.

— أنت بتتكلم عن مراتي؟

هز رأسه.

— أيوه.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى