
حسيت إن الإجابة موجودة، لكنه مش قادر ينطقها.
وقبل ما أتكلم، تليفوني رن.
كانت سارة.
رديت بسرعة.
قالت بصوت متوتر:
«أستاذ ياسين، فيه مشكلة في الشركة. فريق المراجعة اكتشف إن بعض الملفات القديمة اتطلب نقلها من الأرشيف، وفيه طلب جديد للوصول إلى المستندات اللي حضرتك كنت بتراجعها النهارده».
سألتها:
«مين اللي طلب نقل الملفات؟»
ردت:
«الطلب متسجل باسم مكتب نائب رئيس مجلس الإدارة السابق، لكن الحساب المستخدم في النظام مرتبط بموظف لسه شغال في الشركة».
بصيت لأبويا.
هو كمان كان سامع كلامها.
وبعدين سألته:
«بابا، إنت كنت عارف إن ماجد لسه عنده صلاحية الوصول للملفات القديمة؟»
ما ردش.
وفي اللحظة دي، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة لمستند قديم، وتحته جملة واحدة:
«ماجد مش هو الشخص الوحيد اللي خبّى الحقيقة. لو عايز تعرف مين اللي وقّع على قرار إبعاد مريم، راجع الصفحة الأخيرة من ملف التحقيق».
رفعت عيني عن التليفون، وبصيت لأبويا.
كان واقف في مكانه، ووشه شاحب.
وقتها فهمت إن الحقيقة أكبر بكتير من مجرد شخص سرق الجوابات.
وإن اللي حصل قبل ست سنين ممكن يكون مرتبطًا بقرار اتاخد على أعلى مستوى في الشركة.
لكن قبل ما أقدر أسأله عن الرسالة، قال أبويا بصوت منخفض:
«ياسين، فيه حاجة لازم تعرفها عن الليلة اللي مريم اختفت فيها… حاجة أنا سكت عنها سنين، وكنت فاكر إن سكوتي هيحميك».
يتبع في الجزء السادس…
### الجزء السادس والأخير: الحقيقة اللي دمّرت المؤامرة ورجّعت لي عيلتي
وقفت قدام أبويا في مكتبه، والتليفون لسه في إيدي، والرسالة المجهولة مفتوحة قدامي.
كان واضح إن فيه حاجة كبيرة بيخبيها عني، حاجة مرتبطة باللي حصل لمريم قبل ست سنين.
قلت له بصوت حاولت أخليه هادي:
«اتكلم يا بابا. أنا تعبت من الأسرار. مريم حاولت توصل لي سنين، وولادي كبروا من غير ما يعرفوني، وأنا مش هسمح إن الحقيقة تفضل مستخبية أكتر من كده».
أبويا قعد على الكرسي ببطء، وشال نضارته، وفضل يبص للأرض شوية.
وبعدين بدأ يحكي.
«قبل ست سنين، الشركة كانت داخلة في أزمة مالية كبيرة. المشروع العقاري الجديد كان محتاج تمويل ضخم، وفيه مستثمرين بدأوا يهددوا بالانسحاب بسبب مخالفات في بعض العقود. ماجد كان مسؤولًا عن الإدارة اليومية، وأنا كنت معتمد عليه في متابعة التفاصيل».
سألته:
«وإيه علاقة مريم بالموضوع؟»
رد وهو بيتجنب عيني:
«مريم اكتشفت اختلافات بين العقود الأصلية والتقارير المالية اللي اتقدمت للإدارة. حاولت تبلغك، لكن ماجد قال لي إنها بتبالغ، وإنها بتحاول تتدخل في شؤون الشركة. وقتها طلبت منه يراجع الموضوع، وما كنتش أعرف إنه هيستخدم سلطته عشان يمنعها من الوصول ليك».
قلت بغضب:
«لكن إنت كنت تعرف إنها بتحاول تتواصل معايا؟»
سكت.
وبعدين قال:
«أيوه. عرفت إنها حاولت تبعت رسائل للشركة، لكن ما كنتش عارف إن عددها وصل لكل ده. ولما ماجد قال لي إن علاقتكم انتهت، صدقته».
حسيت إن كل كلمة بتطلع منه بتزود الوجع اللي جوايا.
«يعني إنت كنت عارف إنها بتحاول توصل لي، واخترت تصدق ماجد من غير ما تسألني؟»
رد بصوت مكسور:
«كنت غلطان يا ياسين. كنت خايف على الشركة، وسمحت للخوف يخليني أصدق الشخص الغلط».
قمت من مكاني.
«أنا خسرت ست سنين من عمر ولادي يا بابا! ست سنين كنت ممكن أشوفهم فيها بيكبروا، وأسمع أول كلمة منهم، وأكون جنبهم في أول يوم مدرسة، وأعرفهم على العالم. ومريم كانت لوحدها بتواجه كل ده!»
أبويا نزل راسه.
ما حاولش يدافع عن نفسه.
ولأول مرة، ما كانش عندي أي رغبة إني أسمع تبريرًا جديدًا.
قلت له:
«لو عايز تصلح أي حاجة، لازم تساعدني أعرف الحقيقة كاملة. مش عشان الشركة، ولا عشان اسم العيلة، لكن عشان الولاد اللي مالهمش ذنب في أي حاجة حصلت».
هز راسه بالموافقة.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع مفتاح خزانة صغيرة.
«فيه نسخة من ملف التحقيق القديم في الخزانة دي. احتفظت بيها لأنني كنت عارف إن التحقيق اتقفل بسرعة، وإن بعض الأسئلة ما اتجاوبش عليها».
فتح الخزانة، وطلع ملفًا سميكًا.
قلبنا صفحاته لحد ما وصلنا للصفحة الأخيرة.
كانت فيها توصية بإغلاق التحقيق، وتوقيع ماجد بصفته نائب رئيس مجلس الإدارة، وتوقيع تاني بالموافقة النهائية.
التوقيع التاني كان توقيع أبويا.
بصيت له.
قال بحزن:
«وقّعت على التوصية بناءً على التقرير اللي اتقدم لي. ما راجعتش المستندات الأصلية بنفسي، ودي كانت غلطة كبيرة. لكني ما كنتش عارف إن فيه محاولة متعمدة لإخفاء الرسائل أو إبعاد مريم عنك».
سألته:
«هل تقدر تشهد بالكلام ده؟»
رد من غير تردد:
«أيوه. وهقدّم كل المستندات اللي عندي للمراجعة القانونية».
في اللحظة دي، عرفت إننا أخيرًا وصلنا لأول طريق حقيقي للحقيقة.
لكن كان لازم نواجه ماجد.
### المواجهة الأخيرة
في صباح اليوم التالي، طلبت عقد اجتماع طارئ بحضور شريف منصور، وفريق المراجعة المستقل، وأبويا.
ما اتكلمتش مع ماجد عن تفاصيل الاجتماع.
كل اللي قلته له إن فيه مستندات جديدة تخص المشروع القديم، وإن وجوده ضروري بصفته المسؤول السابق عن الإدارة.
وصل ماجد في الموعد المحدد.
دخل القاعة بابتسامته المعتادة، وقعد على رأس الطاولة المقابلة ليا.
قال:
«أتمنى يكون الاجتماع ده له لازمة يا ياسين. الشركة عندها شغل كتير، ومش ناقصين نرجع لملفات اتقفلت من سنين».
بصيت له بهدوء.
«عندك حق. عشان كده هنراجع الملف مرة واحدة بشكل كامل، ونقفل أي سؤال بالأدلة».
شريف بدأ يعرض المستندات على الشاشة.
ظهرت سجلات الرسائل، والتقارير المالية، وتواريخ إغلاق التحقيق، ونسخ من المراسلات اللي كانت مريم بتحاول توصلها لي.
وبعدين عرض نسخة من رسالة إلكترونية قديمة، أُرسلت من عنوان مريم إلى مكتب الإدارة قبل ست سنين.




