
الرسالة كانت بتطلب مقابلتي بشكل عاجل، وبتوضح إنها اكتشفت اختلافات في مستندات المشروع.
لكن في سجل المتابعة، كانت الرسالة متسجلة على إنها «غير مهمة»، وتم تحويلها إلى مجلد غير مخصص للمراسلات الواردة.
بعدها ظهرت رسالة تانية، فيها تعليمات بتأجيل الرد على مريم، مع ملاحظة إن الموضوع لازم يفضل بعيد عن مكتبي.
ماجد بدأ يتحرك في كرسيه بتوتر.
قال:
«المراسلات دي مش كفاية لإثبات أي مخالفة. الموظفين كانوا بيتعاملوا مع مئات الرسائل يوميًا».
شريف رد:
«صحيح، وعشان كده ما اعتمدناش على الرسائل وحدها. فريق المراجعة فحص سجلات النظام، والتواريخ، وصلاحيات الدخول، وقارنها بالمستندات الأصلية».
ثم ظهرت نسخة من التقرير المالي الخاص بالمشروع.
فيه تحويلات كانت اتسجلت باعتبارها مصروفات تشغيلية، لكن المستندات الداعمة ليها كانت ناقصة، وبعض البيانات لم تتطابق مع العقود الأصلية.
ماجد رفع صوته:
«أنا كنت مسؤولًا عن الإدارة، لكن مش معنى كده إني كنت بمضي على كل ورقة!»
قلت له:
«إحنا مش هنا عشان نسمع اتهامات أو دفاعات عامة. إحنا هنا عشان نعرف مين أصدر التعليمات، ومين غيّر مسار المراسلات، ومين وافق على إغلاق التحقيق قبل ما يتراجع بشكل كافي».
وبعدين طلبت من شريف يشغل التسجيل الصوتي، بعد ما قدّم الفريق المختص تقريرًا أوليًا عن مصدره وسلامة النسخة اللي اتراجعت.
خرج الصوت من السماعات:
«لو مريم وصلت لياسين، كل اللي بنيناه هيقع. لازم نخليه يصدق إنها هي اللي اختارت تبعد، وإلا هتفتح ملف المشروع من جديد».
وبعدها جاء الصوت التاني:
«ما تقلقش. أنا هتصرف مع مريم بنفسي… لكن بشرط إن اسمي ما يظهرش في أي ورقة».
ماجد فضل ساكت.
ما حاولش يقاطع التسجيل.
ولما انتهى، رفعت عيني ناحيته وسألته:
«مين صاحب الصوت التاني؟»
رد بحدة:
«إنت بتحاول تحمّلني مسؤولية حاجة أكبر مني. كل اللي عملته كان عشان أحمي الشركة من الانهيار».
قلت له:
«حماية الشركة ما تديكش الحق إنك تمنع أمًّا من التواصل مع أبو ولادها، ولا إنك تخفي مستندات عن الإدارة».
قام من كرسيه.
«إنت ما تعرفش أنا ضحيت بإيه عشان الشركة دي!»
رديت عليه:
«حتى لو كنت ضحيت بكل حاجة، ده ما يديكش الحق تتحكم في حياة الناس».
سكت للحظات، وبعدين قال:
«أنا ما كنتش عايزك تعرف الحقيقة وقتها، لأنك لو عرفت، كنت هتوقف المشروع، والشركة كانت هتخسر مستثمرين كبار. كنت فاكر إنك هتكرهني لو عرفت إني سمحت بتمرير القرارات دي».
سألته:
«ومريم؟ كنت فاكر إنها هتسامحك لما تعرف إنك حرمتها من حقها إنها توصل لي؟»
ما ردش.
وبعد لحظة طويلة، اعترف إنه وافق على تحويل بعض الرسائل بعيدًا عن مكتبي، وإنه سمح بتأجيل الرد على مريم، وإنه قدّم معلومات ناقصة عن خلافات المشروع أثناء التحقيق القديم.
لكنه نفى إنه كان المسؤول الوحيد عن كل التحويلات المالية، وأكد إن بعض القرارات تمت بمشاركة مسؤولين آخرين.
ما سمحتش إن اعترافه يتحول إلى نهاية سهلة للقصة.
طلبت من الفريق القانوني توثيق كل كلمة، وتسليم المستندات للجهات المختصة لمراجعة الوقائع وتحديد المسؤولية القانونية لكل شخص.
وتم إيقاف صلاحيات ماجد الإدارية مؤقتًا، وفق الإجراءات المعتمدة، لحين انتهاء التحقيق المستقل.
ما كانش هدفي الانتقام منه.
كان هدفي إن الحقيقة ما تتدفنش تاني.
وقبل ما يخرج من القاعة، وقف عند الباب وبص لي.
قال بصوت منخفض:
«إنت هتخسر كتير يا ياسين لو كملت في الطريق ده».
رديت عليه:
«أنا خسرت بالفعل ست سنين من عمر ولادي بسبب السكوت. مش هخسرهم مرة تانية عشان أحافظ على صورة شخص أو سمعة شركة».
خرج من القاعة.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن الحمل اللي كان على صدري بدأ يخف.
لكن كان لسه فيه شخص لازم أعتذر له.
مريم.
### العودة إلى مريم
رحت المستشفى بعد انتهاء الاجتماع.
لقيت عمر وآدم قاعدين جنب أمهم، وكل واحد فيهم بيرسم صورة على ورقة.
أول ما شافوني، جري عمر ناحيتي.
«بابا! إنت جيت!»
رفعته بين دراعاتي، وبعدها آدم قرب وحضن رجلي.
ضحكت وأنا ببص لهم، وحسيت إن اللحظة دي لوحدها تستاهل كل التعب اللي مريت بيه.
دخلت عند مريم، وقعدت جنب سريرها.
قلت لها:
«الحقيقة بدأت تظهر. ماجد اتوقف عن مهامه مؤقتًا، وكل المستندات اتقدمت للمراجعة. أبويا كمان وافق يشهد بكل اللي يعرفه عن التحقيق القديم».
مريم فضلت ساكتة شوية.
وبعدين سألتني:
«يعني الولاد هيقدروا يعيشوا معاك؟»
مسكت إيديها وقلت:
«هنرتب كل حاجة بما يحافظ على راحتهم واستقرارهم. وأنا عايز أكون موجود في حياتهم كل يوم، مش مجرد شخص بيزورهم من وقت للتاني».
دموعها نزلت.
قالت:
«أنا ما كنتش عايزة منك فلوس، ولا بيت، ولا أي حاجة من اللي عندك. كنت عايزاك تعرف إن عندك ولدين، وإنهم يستحقوا يعرفوا أبوهم».
قلت لها:
«أنا عارف. ومش هحاول أبرر السنين اللي فاتت. أنا صدقت كلام غيرك، وما دورتش ورا الحقيقة بالشكل الكافي. وحتى لو ما كنتش أعرف إن عندي أولاد، كان المفروض ما أحكمش عليك من غير ما أسمع منك».
فضلت تبص لي.
وبعدين قالت:
«أنا مش قادرة أقول لك إني نسيت كل اللي حصل. السنين دي كانت صعبة، وأنا محتاجة وقت».
هزيت راسي.
«ومن حقك. مش هطلب منك تنسي، ولا هضغط عليك تسامحيني. أنا بس عايز فرصة أصلح اللي أقدر عليه، وأكون أبًا لعمر وآدم».
مدت إيدها ومسكت إيدي.
ما قالتش إنها سامحتني.
لكنها ما سحبتش إيدها.
وبالنسبة لي، كانت دي بداية كفاية.
### بعد مرور ستة أشهر
عدّت ستة شهور من اليوم اللي دخل فيه عمر وآدم مقر شركتي.
التحقيق في مخالفات المشروع استمر، وتمت مراجعة التحويلات المالية والعقود القديمة، واتخذت الجهات المختصة الإجراءات المناسبة بناءً على الأدلة اللي ثبتت صحتها.
ماجد خسر منصبه الإداري، وبقى مطالبًا بالرد على الأسئلة المتعلقة بدوره في إخفاء المراسلات والمخالفات اللي ظهرت في التحقيق.
أما أبويا، فاعترف بمسؤوليته عن توقيع قرار إغلاق التحقيق القديم من غير مراجعة كافية، ووافق على التعاون الكامل مع المراجعين.
علاقتي بيه ما رجعتش زي الأول في يوم وليلة.
الثقة اللي بتتبني على مدار سنين ممكن تتأثر في لحظة، وإصلاحها محتاج وقت وأفعال، مش مجرد اعتذار.
لكن على الأقل، بطّلنا نهرب من الحقيقة.
أما مريم، فبدأت تستعيد صحتها تدريجيًا، وبقت تقدر تقضي وقتًا أطول مع الولاد.
وبعد ما اتكلمنا بهدوء، واتفقنا على طريقة مناسبة لحياتهم ودراستهم، بقوا يقضوا وقتًا منتظمًا معايا، وبقى ليهم مكانهم الخاص في بيتي.
في البداية، كانوا بيصحوا بالليل أحيانًا، وييجوا يتأكدوا إني لسه موجود.
كنت بقوم أطمن عليهم، وأرجعهم سريرهم، وأقعد جنبهم لحد ما يناموا.
ومع مرور الوقت، بدأ الخوف يقل.
عمر بقى يحب يحكي لي كل تفاصيل يومه، حتى لو كانت مجرد مشكلة حصلت مع زميله في المدرسة.
أما آدم، فكان يحب يقعد جنبي وأنا بشتغل، ويرسم على أوراق قديمة، ويحط الثعلب البرتقالي فوق المكتب.
وفي يوم، وأنا راجع من الشركة، لقيت الولدين مستنييني عند باب البيت.
عمر كان ماسك ورقة رسم، وآدم كان حاضن لعبته.
جري عمر ناحيتي وقال:
«بابا، بص! رسمت عيلتنا كلها».
أخدت الورقة.
كان فيها بيت كبير، وشمس صفراء، وأربع شخصيات ماسكين إيد بعض.
أنا ومريم وعمر وآدم.
بصيت للصورة طويلًا، وبعدها سألته:
«إنت رسمتنا كلنا مع بعض؟»
ابتسم وقال:
«أيوه. عشان إحنا عيلة».
في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة اتغيّرت.
مش لأننا رجعنا للماضي، ولا لأن كل الجروح اختفت.
لكن لأننا أخيرًا بقينا قادرين نبني مستقبلنا على الحقيقة بدل الكذب.
في المساء، بعد ما الولاد ناموا، فتحت الدرج اللي كنت حاطط فيه الجوابات الـ43.
رتبتهم واحدًا وراء التاني، وربطتهم بالشريط الأزرق القديم.
وبجانبهم، حطيت صورة الولدين وهم بيضحكوا في حديقة البيت.
كنت بفكر في الجواب الأول، وفي كل الكلمات اللي كتبتها مريم وهي بتحاول توصل لي.
ثم أخرجت ورقة بيضاء، وكتبت لها رسالة جديدة.
«مريم،
أنا مش هقدر أرجع لك السنين اللي فاتت، ومش هقدر أغيّر كل الألم اللي عشتيه.
لكن أقدر أوعدك بحاجة واحدة: من النهارده، مش هسمح لأي حد يقرر بدلًا مني مين يستحق يكون في حياتي، ومش هحكم على شخص بحبه من غير ما أسمع منه الحقيقة.
شكرًا إنك احتفظتِ بالجوابات، وشكرًا إنك ما خليتيش عمر وآدم يكبروا وهم فاكرين إن أبوهم اختار يبعد عنهم.
يمكن إحنا مش هنقدر نرجع زي زمان، لكن أتمنى نقدر نبني علاقة جديدة، فيها احترام وصدق وأمان.
مش عشان نمسح الماضي، لكن عشان ندي أولادنا مستقبلًا أفضل».
طويت الرسالة، وحطيتها في ظرف، وكتبت عليه اسمها.
وبعدها قفلت الدرج.
كنت فاكر زمان إن النجاح هو إن شركتي تكبر، وإن اسمي يبقى معروف، وإن الناس تبص لي باعتباري شخصًا وصل لكل اللي كان بيحلم بيه.
لكن الولدين الصغيرين اللي دخلوا مكتبي في صباح عادي، ومعاهم لعبة ثعلب برتقالي ومفتاح صغير، علّموني إن فيه حاجات أهم من كل ده.
الفلوس ممكن تتعوض.
والشركات ممكن تتبني من جديد.
لكن الوقت اللي بيضيع من عمر الأطفال، واللحظات اللي بنفوتها مع الناس اللي بنحبهم، ما بنقدرش نشتريها مهما كان معانا.
وفي النهاية، ما كانتش الـ43 رسالة مجرد جوابات ضاعت في البريد. كانت 43 محاولة للتمسك بالحقيقة، لحد ما وصلت أخيرًا للشخص اللي كان لازم يسمعها.
وأكبر درس اتعلمته إن الثقة مش معناها إننا نغمض عينينا عن الحقيقة، وإن أقرب الناس لينا ممكن يخطئوا، لكن واجبنا إننا نسمع، ونتحقق، ونواجه الأمور بشجاعة بدل ما نسمح للخوف إنه يقرر مستقبلنا.
أما عمر وآدم، فكل ليلة قبل النوم، بقوا يسألوني السؤال نفسه:
«بابا، هتيجي تصبّح علينا بكرة؟»
وكنت بابتسم وأرد:
«هكون موجود يا حبايبي… بكرة، وبعده، وكل يوم أقدر أكون فيه جنبكم».
النهاية.




