
—هذا المستند تم توقيعه قبل ثلاث سنوات، بعد حادث عمر بأيام قليلة.
اقتربت سلمى من الشاشة.
رأت اسمها بوضوح.
سلمى محمود.
وتحت الاسم كان هناك توقيع يشبه توقيعها تمامًا.
لكنها لم تتذكر أنها وقعت على هذا المستند.
—أنا لا أتذكر هذا.
—لأنك لم تقرئيه.
رفعت عينيها إليه.
—ماذا كان مكتوبًا؟
—تنازل عن حصة ملكية في مشروع عقاري.
اتسعت عيناها.
—أي مشروع؟
قال ياسين:
—الأرض التي اشترتها عائلتك قبل سنوات.
شعرت سلمى بالصدمة.
—أرض أبي؟
—نعم.
وضعت يدها على فمها.
كان والدها قد اشترى قطعة أرض كبيرة في أطراف أسوان قبل وفاته، وكانت العائلة تعتبرها مدخراتهم الوحيدة.
لكن بعد زواجها، تولى عمر بعض الإجراءات المتعلقة بالأرض، بحجة أنه يعرف محاميًا يستطيع إنهاء الأوراق بسهولة.
قالت سلمى:
—عمر أخبرني أن الأرض لا تزال باسمي.
—كانت باسمك.
—كانت؟
أومأ ياسين.
—ثم انتقلت الملكية إلى شركة مرتبطة بعمر.
جلست سلمى على أقرب كرسي.
—لماذا يفعل ذلك؟
—لأن الأرض ارتفعت قيمتها بشكل هائل بعد الإعلان عن مشروع الطريق الجديد.
صمتت.
بدأت تربط الأحداث ببعضها.
قبل عامين، كان عمر يلح عليها أن توقع أوراقًا.
وبعد ذلك بفترة قصيرة بدأ يتحدث عن بيع الأرض.
لكنها رفضت.
كان يقول لها دائمًا:
«لا داعي للبيع الآن، سنحتفظ بها للمستقبل.»
والآن فهمت.
لم يكن يريد بيعها…
بل كان يريد أن تصبح ملكًا له دون أن تعرف.
قالت سلمى:
—لكن كيف استطاع نقل الملكية؟
—هذا ما نحاول إثباته.
ثم أضاف:
—المشكلة ليست في التوقيع فقط.
—ما المشكلة؟
—التاريخ الموجود على المستند.
نظرت إليه.
—ماذا به؟
—التاريخ يثبت أنك وقعتِ عليه في يوم كنتِ فيه داخل المستشفى مع عمر.
تذكرت ذلك اليوم.
كان عمر قد خرج للتو من إحدى العمليات.
كانت تجلس بجواره لساعات، ولا تكاد تتحرك من مكانها.
—كنت معه طوال اليوم.
—بالضبط.
—إذن كيف وقعت على المستند؟
—لم توقعي عليه هناك.
شعرت سلمى ببرودة في أطرافها.
—ماذا تعني؟
قال ياسين:
—أعتقد أن التوقيع تم استخدامه على مستند آخر.
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت:
—تزوير؟
—قد يكون ذلك.
—ولكنك قلت إن التوقيع يشبه توقيعي.
—لأنه توقيعك.
رفعت رأسها بسرعة.
—ماذا؟
—لدينا نسخة من ورقة أخرى وقعتِ عليها في الفترة نفسها. التوقيع متطابق تمامًا.
أمسكت سلمى الهاتف بيد مرتجفة.
—إذن سرقوا توقيعي؟
—ربما.
ثم أضاف:
—لكن هناك شيء أخطر.
—ما هو؟
—الشخص الذي قدم المستند للجهات الرسمية لم يكن عمر.
سألته:
—من؟
نظر إليها طويلًا.
—نورا.
شعرت سلمى وكأنها تلقت صفعة.
—المرأة التي سيأتي بها إلى البيت؟
—نعم.
—لكن كيف كانت تعرف بالأرض؟
—لأنها تعمل في مكتب محاماة تعامل مع الشركة التي انتقلت إليها الملكية.
لم تستطع سلمى الكلام.
بعد دقائق، قالت:
—أريد العودة إلى مصر.
—سنعود.
—اليوم.
—غدًا لدينا اجتماع مهم.
—لا يهمني الاجتماع.
نظر إليها ياسين للحظات، ثم أومأ.
—حسنًا.
لكن قبل أن يغادرا الفندق، وصل بريد إلكتروني إلى هاتف سلمى.
المرسل:
إدارة الشؤون القانونية لشركة عمر.
فتحت الرسالة.
كان هناك ملف مرفق.
عنوانه:
إقرار تنازل نهائي.
فتحت الملف.
وفي الصفحة الأخيرة وجدت توقيعها.
لكن هذه المرة كان هناك شيء آخر.
اسم شاهد على التوقيع.
ياسين عبد الرحمن.
شهقت سلمى.
—هذا مستحيل!
نظر ياسين إلى الشاشة.
تغير وجهه.
—هذا التوقيع ليس توقيعي.
—لكنهم كتبوا اسمك كشاهد!
ظل ياسين صامتًا.
ثم قال:
—الآن فهمت لماذا أصر عمر على إخراجك من المنزل.
—لماذا؟
—لأنه لم يكن يخشى أن تكتشفي الخيانة.
ثم نظر إليها بجدية.
—كان يخشى أن تكتشفي من كان يساعده طوال هذه السنوات.
وقبل أن تستوعب سلمى كلامه، وصلتها رسالة جديدة من رقم مجهول:
«إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة كاملة، فلا تثقي بياسين.»
رفعت عينيها ببطء.
كان ياسين يقف أمامها.
ولأول مرة…
بدأ الشك يتسلل إلى قلبها.
هل كان ياسين يحاول مساعدتها فعلًا؟
أم أنه جزء من الخطة منذ البداية؟
وفي تلك اللحظة، قال ياسين:
—سلمى، هناك شيء لم أخبرك به.
نظرت إليه.
—ماذا؟
قال:
—أنا لم أختفِ من حياتكم قبل سبع سنوات كما كنتِ تعتقدين.
ثم أضاف:
—عمر هو من طلب مني أن أبتعد عنك.
الجزء الرابع
حدقت سلمى في ياسين وكأنها تحاول أن تتعرف إلى الرجل الذي أمامها من جديد.
—عمر طلب منك أن تبتعد عني؟
أومأ ياسين.
—قبل زفافك بأسبوعين.
—لماذا؟
تنفس بعمق.
—قال لي إنك تحبينه، وإن وجودي حولك سيعقد الأمور.
ضحكت سلمى ضحكة قصيرة مليئة بالمرارة.
—وكان عليك أن تصدقه؟
—في ذلك الوقت كنت أظن أنني أفعل الشيء الصحيح.
—وهل كنت تحبني؟
لم يجب ياسين.
وكان صمته أبلغ من أي كلمة.
خفضت سلمى عينيها.
—سبع سنوات يا ياسين…
—أعرف.
—سبع سنوات وأنا أعتقد أنك اختفيت لأنك لم تعد تريد أن تعرفنا.
—لم أختفِ بإرادتي بالكامل.
رفع هاتفه وأظهر لها مجموعة من الرسائل القديمة.
كانت رسائل من عمر.
قرأتها سلمى واحدة تلو الأخرى.
كان عمر يخبر ياسين أن زواجهما مستقر، وأن وجوده في حياتها قد يسبب مشاكل.
لكن الرسائل توقفت فجأة.
قالت سلمى:
—ماذا حدث بعد ذلك؟
—بعد زواجك بعام، اكتشفت أن عمر كان يكذب عليّ أيضًا.
—بشأن ماذا؟
—بشأن مشروع تجاري كنا نفكر في الدخول فيه معًا.
ثم أضاف:
—اكتشفت أنه نقل أموالًا من حساب المشروع دون علمي.
—ولماذا لم تواجهه؟
—واجهته.
—وماذا قال؟
—قال إنه سيعيد الأموال.
سكت ياسين لحظة.
—لكنه لم يفعل.
جلست سلمى على طرف السرير.
بدأت تشعر أن السنوات السبع الماضية كانت مبنية على أكاذيب أكثر مما تتخيل.
قالت:
—ومتى عرفت بشأن الأرض؟
—قبل حوالي ثمانية أشهر.
—إذن لماذا لم تخبرني؟
—لأنني لم أكن أملك دليلًا كافيًا.
—والآن؟
—الآن لدينا أكثر من دليل.
ثم أخرج ملفًا من حقيبته.
وضعه أمامها.
—هذه سجلات التحويلات.
فتحت سلمى الملف.
كانت هناك مبالغ كبيرة انتقلت من حسابات مرتبطة بشركة عمر إلى حسابات أخرى.
لكن أحد الأسماء لفت انتباهها.




