
المكتب ده كان موجودًا في شركته السابقة، قبل ما ينقل أعماله لمقر جديد في التجمع.
وكان أبويا بيحتفظ فيه بأرشيف قديم وملفات مالية تخص العيلة.
لكن ليه أحمد عايزني أدور هناك تحديدًا؟
وإيه علاقة الملف الأزرق بانفصالنا
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما أبويا خرج لشغله، وأمي راحت تزور خالتي، وكريم غادر البيت.
وبعدها اتصلت بصديقتي سارة، اللي كانت بتشتغل في المحاماة، وطلبت منها تقابلني.
لما حكيت لها اللي حصل، فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:
«مريم، أنا مش هقول لك إن أحمد بريء لمجرد إنه قال لك كده. لكن لو عندك شك في الأوراق اللي اتقدمت لك وقت الطلاق، فمن حقك تراجعيها وتفهمي حقيقتها.»
هزيت راسي.
«أنا مش عايزة أظلم حد. أنا بس عايزة أعرف الحقيقة.»
ساعدتني سارة في الوصول إلى عنوان مقر الشركة القديم، واتفقت معايا إنها تستناني قريب منه لحد ما أشوف إذا كان فيه طريقة قانونية أقدر من خلالها أوصل للأرشيف.
وصلت للمكان بعد الظهر.
كان المبنى قديمًا، وبعض المكاتب فيه اتقفلت بعد انتقال الشركة.
ولحسن الحظ، كان فيه موظف قديم يعرف أبويا، ولما شرحت له إني محتاجة أراجع بعض الأوراق العائلية القديمة، وافق يساعدني في تحديد مكان الملفات المحفوظة، بعد التأكد من هويتي وإذن الوصول للأرشيف.
دخلت غرفة صغيرة مليانة خزائن معدنية.
ريحة الورق القديم كانت مالية المكان.
بدأت أراجع الملفات الموجودة، واحدًا وراء التاني.
مرت ساعة كاملة، وأنا مش لاقية أي حاجة.
لحد ما وقعت عيني على ملف أزرق موضوع داخل خزانة في آخر الغرفة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سحبته بحذر، وحطيته على الترابيزة.
كان عليه تاريخ يرجع لخمس سنين، قبل انفصالي عن أحمد بأسابيع قليلة.
فتحت الملف.
في البداية، لقيت كشوف حسابات وعقودًا وصورًا من مراسلات قديمة.
لكن بعد ما قلبت عدة صفحات، اكتشفت مستندًا خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كان فيه تحويلات مالية تمت من حساب تابع لإحدى شركات العيلة إلى حساب مرتبط بأحمد.
المبالغ كانت كبيرة.
لكن اللي صدمني مش حجم الفلوس.
الصدمة كانت إن تواريخ التحويلات جاية بعد اليوم اللي أحمد اتهموه فيه إنه استولى على أموال العيلة!
يعني الأوراق اللي أبويا وراني إياها وقتها كانت بتتهم أحمد بأخذ أموال، بينما المستندات الموجودة في الملف بتشير إلى إن الأموال اتحولت إليه بعد ذلك، ضمن معاملات ما كنتش أعرف عنها أي حاجة.
قلّبت الصفحات بسرعة، لحد ما لقيت نسخة من رسالة داخلية بين أبويا وشخص كان مسؤولًا عن الحسابات.
قرأت أول سطر، وحسيت ببرودة في أطرافي.
الرسالة كانت بتتكلم عن ضرورة إنهاء العلاقة بيني وبين أحمد قبل ما يوصل إلى مستندات مالية معينة.
وتحتها، كان فيه رد بخط أبويا:
«لازم الموضوع يتقفل قبل ما مريم تعرف أي حاجة. أحمد بدأ يسأل عن التحويلات، ولو استمر في البحث، كل اللي بنيناه ممكن ينهار.»
حطيت إيدي على بقي.
ما قدرتش أصدق اللي بقراه.
أحمد ماكانش بيحاول يستغل عيلتي.
يمكن كان بيحاول يكشف حاجة هم مش عايزين حد يعرفها!
لكن لسه ما كنتش فاهمة إيه اللي حصل بعد كده، ولا ليه هو نفسه خسر كل حاجة.
فضلت أقلب الملف لحد ما وصلت لظرف صغير مثبت في آخره.
جواه تسجيل مكتوب تاريخه قبل انفصالي عن أحمد بيومين، ومعاه نسخة من محضر اجتماع قديم.
قرأت المحضر مرة، وبعدها مرة تانية.
وفي آخر الصفحة، لقيت اسمًا جعل الدم ينسحب من وجهي.
اسم أخويا كريم.
كان المحضر بيشير إلى إنه حضر اجتماعًا لمناقشة المشكلة المالية، وإنه كان على علم بوجود مستندات ممكن تكشف حقيقة التحويلات.
لكن اسمه ماكانش مجرد اسم في محضر.
كان فيه توقيع منسوب إليه على إقرار يتعلق بالمستندات نفسها.
إيدي بدأت ترتعش.
كريم، أخويا اللي طول عمره كنت بثق فيه، واللي وقف جنبي وقت انفصالي عن أحمد، كان موجودًا في قلب الموضوع من البداية.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات في الممر.
رفعت راسي بسرعة.
كان فيه شخص بيقرب من باب الغرفة.
وبعد ثوانٍ، ظهر كريم!
وقف عند الباب وبص لي، ثم نزلت عينيه على الملف الأزرق المفتوح قدامي.
ملامحه اتغيرت فورًا.
«مريم؟! إنتِ بتعملي إيه هنا؟»
حاولت أخفي ارتباكي، لكن الملف كان مفتوحًا أمامي، واسمه ظاهر في الصفحة الأخيرة.
بص لي بنظرة مختلفة تمامًا عن أي نظرة شفتها منه قبل كده.
ماكانش مستغرب بس.
كان مرعوبًا.
قفل الباب وراه بهدوء، وقال:
«إنتِ ماكانش المفروض تشوفي الأوراق دي.»
وقفت ببطء، وأنا ماسكة المستند بإيدي.
«ليه يا كريم؟ إيه اللي حصل من خمس سنين؟ وليه اسمك موجود هنا؟»
قرب مني خطوة.
«اسمعيني كويس. إنتِ مش فاهمة اللي قريتيه.»
قلت له والدموع بتتجمع في عيني:
«يبقى فهمني!»
سكت لحظة، وبعدها بص ناحية الباب كأنه بيتأكد إن محدش موجود.
ثم قال بصوت منخفض:
«أحمد ماكانش الشخص الوحيد اللي كان بيحاول يحميكي.»
الجملة دي زادت حيرتي.
«تقصد إيه؟»
مد إيده ناحية الملف، لكني رجعت خطوة لورا.
«ما تلمسوش!»
لأول مرة، شفت أخويا فاقدًا السيطرة على نفسه.
قال بعصبية:
«مريم، لو الأوراق دي خرجت من هنا، مش إنتِ بس اللي هتتأذي. عيلتنا كلها ممكن تنهار!»
بصيت له بصدمة.
«يعني إنتوا فعلًا كنتوا مخبيين حاجة؟»
ما ردش.
لكن صمته كان كفاية.
رجعت أبص للمستندات، وبعدين رفعت عيني له.
«أحمد خسر شغله وبيته ومستقبله بسببكم؟»
كريم غمض عينيه للحظة.
ولما فتحهم، قال جملة خلتني أحس إن كل اللي اكتشفته لحد دلوقتي ماكانش غير بداية الحقيقة.
«أحمد هو اللي اتحمل المسؤولية كلها… علشان ما يحصلش لك حاجة.»
حسيت إن نفسي اتقطع.
«إيه معنى الكلام ده؟»
وقبل ما يرد، موبايله رن.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
رد بسرعة، وقال كلمتين بس:
«هي عرفت.»
وبعدها قفل المكالمة وبص لي.
«لازم تمشي من هنا فورًا.»
لكن قبل ما أتحرك، لفت انتباهي مستند صغير كان واقعًا تحت الملف.
انحنيت والتقطته.
كان خطابًا رسميًا عليه توقيع أحمد، وموجهًا إلى جهة تحقيق، وفيه إقرار بتحمله مسؤولية بعض المعاملات المالية محل النزاع.
لكن التاريخ المكتوب عليه كان بعد أيام قليلة من انفصالي عنه.
يعني أحمد اعترف بمسؤوليته بعد ما أنا مشيت من حياته.
ومع ذلك، كان واضحًا من الأوراق إن القضية كانت أعقد من مجرد اعتراف.
رفعت عيني لكريم وسألته:
«هو اعترف بحاجة ما عملهاش؟»
كريم ما ردش.
فضل واقف قدامي، وملامحه بتقول إنه محاصر بين خوفه من انكشاف الحقيقة وخوفه من اللي ممكن يحصل لي.
وبعدين قال بصوت مكسور:
«أنا مش الشخص اللي لازم تسأليه.»
سألته:
«أمال مين؟»
رد بعد تردد طويل:
«أمي.»




