بعد أسبوع، خرج يوسف من المستشفى، وبدأنا رحلة العلاج والمتابعة.
وفي الوقت نفسه، التحقيق كان بيتقدم.
التسجيل أكد رواية يوسف، والتقرير الطبي وثّق الإصابة، والرسائل أظهرت محاولات الضغط عليّ عشان أتنازل.
أما التسجيل الخاص بالمحادثة بين أبويا وعمي، فتم تسليمه للجهات المختصة لفحصه والتحقق من علاقته بملف الأوراق اللي اتكلموا عنه.
ماكنتش أعرف وقتها إذا كان الملف مرتبطًا بالواقعة بشكل مباشر أو لا، لكن المحققين بدأوا يفحصوا الموضوع من غير ما يفترضوا أي نتيجة مسبقة.
وفي مساء أحد الأيام، وصلني اتصال من رقم غير مسجل.
رديت.
جالي صوت رجل متردد:
— أستاذة سارة؟ أنا سامح، عمك.
سكت شوية، وبعدين قال:
— أنا عارف إنك مش عايزة تسمعي صوت حد من العيلة، لكن لازم أحذرك. أبوكي عرف إن التسجيل وصل للشرطة، وهو بيدور على طريقة يثبت بيها إنك بتستغلي شغلك عشان تنتقمي من ليلى.
قلت له:
— لو عنده دليل على حاجة زي دي، يقدمه للجهات المختصة. أنا ماعملتش غير إني قدمت أدلة على اللي حصل لابني.
رد بسرعة:
— الموضوع مش بالبساطة دي. فيه ناس هتشهد لصالحه، وفيه حكايات قديمة ممكن يطلعها عشان يشكك في كلامك.
سألته:
— وإنت ليه بتقول لي الكلام ده دلوقتي؟
سكت طويلًا.
وبعدين قال:
— عشان فيه حاجة لازم تعرفيها عن أبوكي. هو مش خايف على ليلى وبس… هو خايف إن التحقيق يوصل لملف قديم موجود في مكتبه، ملف لو اتفتح، ممكن يكشف حاجات كتير عن الطريقة اللي كان بيدير بيها بعض معاملاته.
قلت له:
— إيه علاقة ده باللي حصل ليوسف؟
رد بصوت منخفض:
— مش عارف إذا كان فيه علاقة مباشرة، لكن اللي أعرفه إن أبوكي مستعد يعمل أي حاجة عشان الملف ده ما يخرجش للنور.
قبل ما أقفل، سألته:
— إنت مستعد تقول الكلام ده رسميًا؟
اتردد، ثم قال:
— لو استدعوني، هقول اللي أعرفه. لكن لازم تفهمي إن أبوكي مش هيسكت.
انتهت المكالمة.
فضلت قاعدة أفكر في كلامه.
كان واضحًا إن فيه أسرار قديمة بتظهر واحدة ورا التانية، لكنني قررت ما أستبقش التحقيق، ولا أخلط بين الوقائع المؤكدة والشكوك.
أنا مش محتاجة أتهم حد من غير دليل.
الحقيقة وحدها كفاية.
بعد أيام قليلة، وصلني إخطار رسمي بموعد جلسة أمام المحكمة المختصة للنظر في الإجراءات المتعلقة بالواقعة.
وفي اليوم نفسه، عرفت إن أبويا ونجلاء وليلى جهزوا محاميًا كبيرًا للدفاع عن موقفهم.
بدأت توصلني رسائل من بعض الأقارب.
واحد بيقول لي إنني بدمّر العيلة.
والتاني بيطلب مني أتنازل عشان خاطر أمي.
وثالث بيحذرني من إن الناس هتتكلم عني.
ما رديتش على حد.
كنت مشغولة بيوسف، اللي بدأ يرجع يبتسم شوية بشوية، رغم إن الألم كان لسه بيضايقه أحيانًا.
وفي الليلة اللي سبقت الجلسة، دخل عليّ وأنا برتب حاجاته المدرسية.
كان ماسك كشكوله القديم، اللي نجا من الحادثة.
قال لي:
— ماما، لما دراعي يخف، هقدر أرسم تاني؟
ابتسمت له، وقلت:
— طبعًا يا حبيبي. وهترسم أحلى مباني في الدنيا كمان.
فتح الكشكول، ووراني رسمة جديدة عملها بإيده السليمة.
كانت رسمة لبيت صغير، قدامه شجرة كبيرة، وواقف عند بابه أم وطفل ماسكين إيد بعض.
سألته:
— مين دول يا يوسف؟
ابتسم وقال:
— دي أنا وإنتِ. عشان محدش يقدر يخلينا نخاف تاني.
حضنته بقوة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
في اللحظة دي، عرفت إن كل اللي بمر بيه يستحق.
مش عشان أنتصر على أبويا، ولا عشان أفضح أختي.
لكن عشان ابني يكبر وهو عارف إن حقه مش بيتباع، وإن صوته مهم، وإن الحقيقة مش لازم تسكت لمجرد إن اللي قدامك غني أو صاحب نفوذ.
في صباح الجلسة، وصلت المحكمة بدري.
كنت لابسة ملابس بسيطة، وماشية بهدوء، ومعايا المستندات المطلوبة.
ماكانش هدفي أظهر قدام الناس، ولا أعمل مشهد درامي.
كنت هناك عشان أتابع القضية بصفتي أمًا صاحبة حق، من خلال الإجراءات القانونية المقررة.
أول ما دخلت القاعة، شفت أبويا قاعد في الصف الأول، جنبه محاميه.
نجلاء كانت قاعدة وراه، وليلى جنبها، وملامحها متوترة.
أبويا لمحني، فابتسم ابتسامة ساخرة.
ولما قربت من مكاني، مال ناحيتي وقال بصوت منخفض:
— لسه عندك فرصة تنهي المهزلة دي يا سارة.
بصيت له بهدوء وقلت:
— الفرصة دي كانت موجودة يوم ما طلبت منك تقول الحقيقة، مش النهارده.
ضحك باستهزاء.
— إنتِ فاكرة نفسك تقدري توقفي قدامي؟ أنا أعرف ناس أكتر مما تتخيلي.
ما رديتش.
بعد دقائق، بدأت الجلسة.
محامي عيلتي حاول يصور الواقعة على إنها مجرد خلاف عائلي، وإن يوسف ممكن يكون وقع أثناء محاولته استرداد الكشكول.
لكن المحقق قدم التقرير الطبي، وأشار إلى التسجيل اللي تم فحصه، وشرح إن الأدلة المتاحة بتتفق مع رواية الطفل عن تعرضه للدفع.
بعدها، قدم رسائل أبويا اللي طلب فيها مني أقول إن الواقعة كانت حادثة، وعرض الرسالة اللي تضمنت عرض مبلغ مالي مقابل إنهاء الأمر.
ملامح أبويا بدأت تتغير.
أما نجلاء، فكانت بتهمس لمحاميها بعصبية.
ولما اتعرض جزء من التسجيل، ظهرت ليلى وهي بتدفع يوسف ناحية وحدة الرخام.
ساد الصمت في القاعة.
حتى محاميهم وقف كلامه للحظات.
أبويا بص للشاشة، وبعدين بص لي، وكأنه مش مصدق إن التسجيل اللي حاولوا يخفوه وصل للمحكمة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
المحقق طلب الإذن بعرض جزء آخر من التسجيل، متعلق بالمحادثة اللي دارت بعد الواقعة بين أبويا وعمي.
ولما ظهر عمي على الشاشة، وهو بيتكلم عن الملف الموجود في المكتب، أبويا انتفض من مكانه.
صرخ:




