
كنت محتاجة أسمع كل شيء.
عمي أكمل:
“أبوك كان عنده دليل على إن فيه ناس بتستخدم شركات كبيرة لتحويل أموال من غير ما تظهر في السجلات الرسمية.”
“وكان الدليل فين؟”
أشار إلى وحدة التخزين.
“هنا.”
بصيت إليها.
“بس أنا فاكرة إني أخدتها من مكتبي قبل الطلاق.”
عمي هز رأسه.
“اللي أخدتيه كان نسخة.”
اتجمدت.
“نسخة؟”
“أيوه.”
ثم قال:
“أما الأصل، فأبوك خبّاه قبل وفاته.”
سألت:
“فين؟”
ابتسم بحزن.
“في مكان ماحدش كان يتوقعه.”
قبل ما أسأله، رامي قال:
“في بيتكم القديم.”
التفت له.
“إنت كنت عارف؟”
هز رأسه.
“عرفت بعد الطلاق.”
“وليه ماخدتوش؟”
رد بصوت منخفض:
“لأني ماقدرتش.”
سألته:
“خفت؟”
قال:
“أيوه.”
لأول مرة أشوفه بيعترف بالخوف.
ثم أضاف:
“لأن الشخص اللي كان بيدور على الملف قتل شخصين عشان يوصل له.”
ساد الصمت.
سارة غطت فمها بيدها.
أما أنا، فشعرت أن قدميّ لا تحملانني.
يوسف أمسك بيدي.
“مش لازم تكملي.”
لكنني هززت رأسي.
“لا. أنا عايزة أعرف.”
عمي أخرج هاتفه.
“فيه فيديو.”
ضغط على الشاشة.
ظهر والدي.
كان الفيديو قديمًا، وصوته متعبًا.
نظر مباشرة إلى الكاميرا وقال:
“لو الفيديو ده وصل لنِدى، يبقى أنا ماقدرتش أحميها.”
بدأت دموعي تنزل.
“يا بنتي، لو شفتي الفيديو ده، أوعي تثقي في أي حد يقولك إن الموضوع انتهى.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“الشخص اللي بدأ كل ده مش هو الشخص اللي هتفتكريه.”
الفيديو توقف فجأة.
قلت:
“ليه وقف؟”
عمي قال:
“لأن التسجيل الأصلي اتقطع.”
“مين قطعه؟”
قبل أن يجيب، رن هاتف رامي.
نظر إلى الشاشة.
ثم رفع عينيه نحوي.
“هو.”
قلت:
“مين؟”
رامي لم يجب.
يوسف أخذ الهاتف منه ونظر إلى الاسم.
ثم تغيرت ملامحه.
“ندى…”
“إيه؟”
قال:
“الشخص اللي اتصل برامي موجود هنا.”
بصيت حولي.
القاعة كانت مليئة بالناس.
لكن وسط الزحام، رأيت رجلًا يقف بالقرب من باب الخروج.
كان يراقبني.
وحين التقت عيناه بعيني…
ابتسم.
عرفته.
لم أره منذ سنوات.
كان الشخص الذي عمل مع والدي.
والشخص نفسه الذي حضر جنازته.
ركضت ناحيته.
لكنه خرج من الباب بسرعة.
يوسف حاول يلحقه، لكن الرجل اختفى بين السيارات.
وعندما رجع يوسف، كان ماسك شيئًا في يده.
ظرف أبيض.
قال:
“كان واقع منه.”
فتحت الظرف.
في داخله صورة قديمة.
صورة تجمع والدي، والد رامي، وعمي…
لكن كان هناك شخص رابع بينهم.
رجل لم أتعرف عليه.
قلبت الصورة.
كان مكتوبًا خلفها:
“الرجل الذي تثق به ندى أكثر من أي شخص… هو مفتاح كل شيء.”
رفعت عيني ناحية يوسف.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
لأنني لم أكن أعرف…
هل المقصود هو يوسف؟
أم رامي؟
أم شخص آخر؟
يوسف لاحظ نظرتي.
وقال:
“ندى، قبل ما تسألي…”
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم تجمد.
كانت رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة حديثة لليلى.
صورة التقطت لها قبل دقائق داخل الفندق.
وتحتها رسالة واحدة:
“لو عايزة بنتك تفضل بأمان… تعالي لوحدك.”
شعرت أن الدم انسحب من وجهي.
يوسف أمسك كتفي.
“ندى، ما تروحيش.”
لكنني كنت بالفعل أبحث بعيني عن ليلى.
وفجأة…
لم أجدها.
المكان الذي كانت تقف فيه منذ لحظات كان فارغًا.
صرخت:
“ليلى!”
تحول الفرح كله إلى فوضى.
بدأ الجميع يبحث عنها.
رامي اندفع ناحية الممر.
سارة بدأت تبكي.
أما أنا…
فكنت واقفة لا أستطيع التفكير.
ثم رأيت شيئًا على الأرض بجوار الطاولة.
شريط شعر ليلى الوردي.
وبجانبه ورقة صغيرة.
فتحتها بيد مرتجفة.
وكان مكتوبًا:
“لو عايزة تعرفي مين خان أبوكي… تعالي إلى البيت القديم قبل منتصف الليل.”
رفعت رأسي.
ولأول مرة منذ خمس سنوات…
عرفت أن كل ما حدث في حياتي لم يكن صدفة.
لكن كان أمامي أقل من ساعتين…
عشان أجد ابنتي.
وقبل ما أتحرك، أمسك رامي بذراعي وقال:
“ندى، لو رحتي هناك… ممكن ما ترجعيش.”
نظرت إليه.
وقلت:
“أنا مش رايحة عشان أنقذ نفسي.”
ثم نظرت ناحية المكان الذي اختفت منه ليلى.
“أنا رايحة عشان أرجّع بنتي.”
يتبع…
خرجت من الفندق وأنا حاسة إن كل ثانية بتعدّي ممكن تكون سبب في ضياع بنتي.
يوسف كان مصر ييجي معايا.
قال:
“مش هسيبك تروحي لوحدك.”
هززت رأسي.
“مش هنروح لوحدنا.”
بص لي باستغراب.
طلعت الهاتف واتصلت بشخص واحد.
“محتاجاك حالًا.”
بعد أقل من عشر دقائق، كانت الشرطة في طريقها للمكان.
لكنني لم أكن مستعدة أنتظر.
وصلنا للبيت القديم قبل منتصف الليل بدقائق.
كان البيت مهجورًا منذ وفاة والدي.
دخلت من الباب الرئيسي، ويوسف خلفي مباشرة.
المكان كان مظلمًا وهادئًا بشكل مخيف.
صرخت:
“ليلى!”
جاءني صوت من الطابق العلوي.
“ماما!”
قلبي كاد يتوقف.
طلعت السلم بسرعة.
لكن يوسف شدني من ذراعي.
“استني.”
فجأة انطفأت كل الأنوار.
وسمعنا صوت رجل:
“كنت عارف إنك هتيجي.”
ظهر عمي من الظلام.
وكان بجانبه الرجل الذي رأيته في الفندق.
أما ليلى، فكانت واقفة خلفهما، لكنها لم تكن مقيدة أو مصابة.
كانت فقط خائفة.
صرخت:
“ليلى!”
ركضت ناحيتي.
حضنتها بقوة.
“أنا هنا يا ماما.”
غمضت عيني للحظة وأنا أضمها.
لكن عندما رفعت رأسي، كان عمي يبكي.
قال:
“أنا آسف يا ندى.”
صرخت:
“إنت اللي عملت كل ده؟!”
هز رأسه بسرعة.
“لا.”
ثم أشار إلى الرجل الآخر.
“هو.”
التفت إليه.
كان نفس الرجل الذي ظهر في الصورة القديمة.
قال:
“أنا ماكنتش عايز أأذي بنتك.”
“أمال عايز إيه؟”
أجاب:
“الملف.”
يوسف وقف أمامي.
“الملف معانا.”
ضحك الرجل.
“لا. النسخة اللي معاكم ناقصة.”
ثم نظر إليّ.
“أبوك خبّى الجزء الأخير عندك.”
تجمدت.
“عندي؟”
عمي قال:
“أبوك كان عارف إنك الوحيدة اللي ممكن تحتفظي به من غير ما تعرفي قيمته.”
بدأت أفتكر.
الأشياء القديمة.
الأوراق.
الصندوق الخشبي الذي تركه أبي لي.
سألني عمي:
“فاكرة الساعة القديمة اللي كانت عند أبوكي؟”
هززت رأسي.
“أيوه.”
قال:
“جواها مفتاح.”
فهمت فجأة.
الساعة التي احتفظت بها في شقتي منذ سنوات.
أخرجت الهاتف.
“المفتاح مش معايا.”
الرجل ابتسم.
“هو مش محتاج المفتاح.”
ثم أشار إلى عمي.
“هو محتاج يعرف الكلمة.”
عمي نظر إليّ.
“ندى… أبوكي قالها لي قبل ما يموت.”
سألته:
“إيه هي؟”
قال:
“اسمك.”
سكت الجميع.
“اسمك الكامل كان كلمة المرور للملف.”
يوسف فهم الأمر فورًا.
أخرج جهازًا صغيرًا، ووضع وحدة التخزين بداخله.
طلب كلمة المرور.
كتبت اسمي.
فتح الملف.
ظهرت عشرات المستندات.
حسابات.
تحويلات.
أسماء شركات.
وأسماء أشخاص.
ثم ظهر مستند أخير.
كان يحمل توقيع والد رامي.
لكن المفاجأة لم تكن في التوقيع.
المفاجأة كانت في الاسم الموجود أسفله.
اسم عمي.
بصيت له.
“إنت كنت شريك مع أبويا؟”
عمي انهار على الكرسي.
“أيوه.”
رامي، الذي كان قد وصل مع الشرطة في نفس اللحظة، وقف عند الباب.
قال:
“أنا كنت عارف.”
بصيت له.
“إنت؟”
هز رأسه.
“لكن ماكنتش عارف إن عمي هو اللي كان بيحرك كل حاجة.”
عمي قال:
“أنا ماكنتِش عايز أأذي أخوك.”
ثم نظر إلى رامي.
“والدك هو اللي بدأ.”
قال رامي:
“وبعدين كملت إنت.”
عمي سكت.
الحقيقة كانت أخيرًا كاملة.
والدي اكتشف المخطط.
حاول إيقافه.
عمي حاول إخفاء الأدلة.
والد رامي استخدم الشركة لتمرير الأموال.
وعندما بدأت أكتشف التحويلات، قرروا إبعادي عن الصورة.
أما سارة…
فلم تكن سوى أداة استخدموها لإحداث الطلاق وإبعادي عن الملفات.
لكنهم لم يتوقعوا شيئًا واحدًا.
أنني سأحتفظ بنسخة من المستندات.
وأن يوسف سيظهر في حياتي.
وأن ليلى ستصبح أقوى سبب يجعلني لا أستسلم.
وصلت الشرطة وألقت القبض على الرجل وعمي.
أما رامي، فوقف أمامي للحظات.
قال:
“أنا آسف.”
نظرت إليه.
“متأخر.”
“عارف.”
“كنت تقدر تقول الحقيقة من خمس سنين.”
خفض رأسه.
“كنت جبان.”
قلت:
“أنت ماكنتش جبان بس.”
رفع عينيه.
“إنت ظلمتني.”
هز رأسه.
“عارف.”
ثم نظر إلى ليلى.
“ممكن أسلم عليها؟”
نظرت إلى ابنتي.
ليلى اختبأت خلفي.
فهم رامي.
وقال:
“تمام.”
ومشى.
بعد شهور، انتهت القضية.
ظهرت المستندات أمام المحكمة، وتمت محاسبة كل من تورط في القضية.
أما شركة رامي، فانهارت بعد ظهور الحقائق.
سارة اختفت من حياته.
والأهم…
أنا لم أعد تلك المرأة التي خرجت من زواجها وهي تتساءل إن كانت لا تساوي شيئًا.
كنت أعرف قيمتي الآن.
أما يوسف…
فبعد انتهاء كل شيء، أخذني أنا وليلى إلى المكان الذي بدأنا فيه حياتنا الجديدة.
بيت صغير على البحر.
ليلى كانت تركض أمامنا وتضحك.
التفت يوسف إليّ وقال:
“لسه فاكرة أول مرة شوفتك؟”
ضحكت.
“وأنت لسه فاكر أول مرة قلتلك إني مش محتاجة حد ينقذني؟”
ابتسم.
“أيوه.”
“وكنت عند رأيك؟”
قال:
“لأ.”
ضحكت.
“ليه؟”
نظر إلى ليلى.
ثم إليّ.
“لأنك ماكنتيش محتاجة حد ينقذك.”
وسكت لحظة.
“كنتِ محتاجة حد يفضل جنبك بس.”
وضعت يدي في يده.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أفهمه طوال سنوات:
أحيانًا خسارة الشخص الذي ظننت أنك لا تستطيع العيش بدونه…
تكون بداية حياتك الحقيقية.
أما رامي؟
فقد كان يظن أن تركه لي هو أذكى قرار اتخذه في حياته.
لكنه لم يعرف وقتها…
أن اليوم الذي تركني فيه، كان نفس اليوم الذي بدأت فيه قصتي الحقيقية.
والآن فقط… عرفت أن ابتسامته اختفت للأبد، لأن المرأة التي ظن أنه كسرها، أصبحت المرأة التي لم يعد يستطيع الوصول إليها.
تمت




