
الجزء الرابع: الاسم اللي خلّى أبويا ينهار قدام الناس
فضلت باصة لأبويا، وأنا مش قادرة أفهم ليه كان مرتبك بالشكل ده.
طول عمري كنت فاكرة إن أكبر مشكلة بيني وبينه هي إنه مش متقبل اختياري للجيش، وإنه كان نفسه يشوفني بشتغل في شركته، وبعيش الحياة اللي هو رسمها لي.
لكن اللي اكتشفته في فرح أخويا كان أكبر من مجرد خلاف عائلي.
كان فيه سر، والسر ده مرتبط باسمي، وبمستقبلي، وبسنين من عمري قضيتها وأنا بحاول أثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر أنجح.
بصيت لمحمود فؤاد وقلت:
— أنا مستعدة أعرف الحقيقة. مهما كان الاسم اللي في الورق، مش هقدر أعيش بقية حياتي وأنا مش فاهمة اللي حصل.
محمود أومأ برأسه، وقال:
— أنا مقدّر موقفك يا ليلى. لكن لازم أوضح إن اللي معانا لحد دلوقتي مستندات محتاجة مراجعة رسمية، ومش هنقدر نتهم أي شخص قبل ما نتأكد من كل التفاصيل.
حازم الشافعي وقف جنبي وقال:
— وده حقها. محدش هيضغط عليها، ومحدش هيمنعها من معرفة المعلومات اللي تخصها.
أبويا صلاح كان واقف بعيد شوية، وإيده بتترعش.
أما أمي منى، فكانت بتبكي في صمت، وكل شوية تبص لأبويا وكأنها مستنية منه يقول حاجة تنهي الموقف.
لكن المرة دي، أبويا ما كانش قادر يسيطر على الحوار زي كل مرة.
الاسم اللي ما كانش في الحسبان
بعد حوالي عشر دقايق، العقيد كريم منصور تلقى اتصالًا جديدًا.
سمع الكلام باهتمام، وبعدها قال:
— مفهوم. هنلتزم بالتعليمات، ونستكمل المراجعة من خلال القنوات الرسمية.
قفل المكالمة، وبص لمحمود.
— النسخة الإضافية اتراجعت مبدئيًا، وفيه مستند بيشير إلى إن طلب تعديل جهة الصرف كان مرتبطًا بطلب تاني مقدم من شخص من داخل العيلة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألت:
— مين الشخص ده؟
محمود فتح الملف اللي معاه، وطلع صورة من خطاب قديم.
حط الورقة قدامي.
كان فيها اسم مقدم الطلب، وتاريخ التقديم، ورقم مرجعي للملف.
قرأت الاسم مرة، وبعدين رجعت قرأته تاني، وكأني مش مصدقة عيني.
حازم صلاح عبد الحميد.
اسم أخويا.
رفعت رأسي بسرعة وبصيت له.
كان واقف جنبي، وملامحه اتغيرت تمامًا.
— إيه ده؟! أنا ما قدمتش أي طلب!
أبويا تحرك بسرعة وقال:
— استنى يا حازم، اسمعني الأول.
أخويا بص له باستغراب.
— إنت بتقول لي أسمعك؟ ده اسمي موجود في ورقة أنا ما شفتهاش في حياتي!
محمود تدخل فورًا:
— وجود الاسم على المستند لا يثبت وحده إن الشخص قدم الطلب أو وافق عليه. لازم نتحقق من التوقيع، ومصدر الخطاب، وكل الإجراءات المرتبطة به.
حازم أخويا مسك الورقة، وفضل يبص لها.
— أنا وقتها كنت لسه ببدأ شغلي، وما كانش ليا أي علاقة بالتمويل ده. إزاي اسمي يظهر في طلب رسمي بالشكل ده؟
أبويا حاول يرد، لكن الكلمات ما خرجتش منه.
أما أنا، فكنت حاسة إن كل حاجة حواليا بتتغير.
لأن حازم، رغم الخلافات اللي كانت بيني وبينه، ما كنتش أتخيل أبدًا إنه يكون جزءًا من حاجة زي دي.
قربت منه وقلت:
— حازم، بص لي. إنت كنت تعرف أي حاجة عن الاتفاق ده؟
هز رأسه بسرعة.
— والله ما كنت أعرف. أنا كنت فاكر إن كل اللي حصل من اتناشر سنة مجرد مشكلة بينك وبين بابا بسبب شغلك في الجيش. عمري ما تخيلت إن فيه مستندات باسمي.
بصيت في عينيه، وحسيت إنه بيقول الحقيقة، لكني كنت محتاجة دليل، مش مجرد إحساس.
حازم الشافعي قال بهدوء:
— عشان كده لازم يتم فحص المستند. ممكن يكون فيه استخدام غير مصرح به للاسم أو التوقيع، وممكن تكون فيه تفاصيل تانية لسه ما ظهرتش. ما ينفعش نستبق النتيجة.
هزيت رأسي بالموافقة.
لكن السؤال اللي كان بيدور في دماغي كان واضحًا:
لو أخويا ما كانش يعرف حاجة، مين استخدم اسمه؟ وليه؟
اعتراف أبويا
أبويا طلب مننا نتكلم بعيدًا عن الضيوف.
دخلنا غرفة جانبية في القاعة، وكان معانا أنا وحازم أخويا وحازم الشافعي ومحمود فؤاد.
أول ما الباب اتقفل، أبويا قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
— أنا عارف إنكم مش هتصدقوني، لكن اللي حصل زمان ما كانش بالشكل اللي إنتوا متخيلينه.
بصيت له وقلت:
— يبقى احكي لنا اللي حصل، من البداية.
أبويا رفع رأسه.
— من اتناشر سنة، لما دخلتي الجيش وبدأتي تدريبك الطبي، كانت الشركة بتمر بأزمة مالية كبيرة. كان عندنا عقود اتأخرت مستحقاتها، والتزامات لازم تتدفع، ولو ما اتسددتش في وقتها، كنا هنخسر جزءًا كبيرًا من شغلنا.
سألته:
— وإيه علاقة ده بالتمويل اللي كان باسمي؟
تنهد وقال:
— الشركة كانت طرفًا في برنامج دعم طبي، وكان فيه جزء من المخصصات مرتبط بتدريبك وتدريب أشخاص تانيين. حصل خلاف على طريقة الصرف، واتقدم طلب لتعديل بعض البنود.
محمود سأله:
— وهل تم التعديل بموافقة الجهة المختصة؟
أبويا تردد.
— كان فيه موافقات على بعض الإجراءات، لكن مش قادر أقول إن كل حاجة اتعملت بالطريقة الصحيحة.
حازم أخويا قال بقلق:
— وإيه علاقة اسمي بالموضوع؟!
أبويا بص له، وبعدها نزل عينيه.
— وقتها، كنت محتاج شخصًا من العيلة يتابع بعض الإجراءات الإدارية، واتقال لي إن استخدام اسمك هيسهّل إنهاء المعاملات.
حازم قام من مكانه.
— مين اللي قال لك كده؟!
أبويا ما ردش.
أنا حسيت إن أعصابي بدأت تتوتر.
— يا بابا، أنا تعبت علشان أكمل تدريبي! اشتغلت واجتهدت، وحرمت نفسي من حاجات كتير، وإنت كنت عارف إن فيه تمويل مرتبط بيا، ومع ذلك سبتني أواجه كل حاجة لوحدي؟
أبويا بص لي بعينين مليانين تعب.
— كنت فاكر إن الموضوع هيتحل بسرعة، وإن الفلوس هترجع لمكانها، وإن محدش هيتضرر.
رديت عليه:
— لكن الموضوع ما اتحلش. وإنت فضلت ساكت اتناشر سنة!
هز رأسه، وقال بصوت منخفض:
— أيوه. وده أكبر غلط عملته.
الكلام ده كان أول اعتراف واضح منه، لكنه ما كانش كافيًا.
سألته:
— طيب، الفلوس راحت فين؟
سكت مرة تانية.
محمود فؤاد قال:
— ده السؤال اللي لازم تجاوب عنه المستندات الكاملة. إحنا محتاجين نعرف الجهة اللي استلمت المبلغ، وهل كان فيه مستندات بتسمح بالتحويل، ولا حصل تجاوز للإجراءات.
أبويا أغمض عينيه للحظة، ثم قال:
— جزء من المبلغ اتوجه لسداد التزامات عاجلة تخص الشركة.
حازم أخويا اتفاجئ.
— يعني فلوس البرنامج اتستخدمت علشان تنقذ الشركة؟!
أبويا رد بسرعة:
— أنا ما كنتش شايفها بالشكل ده وقتها. كنت فاكر إننا هنرجع المبلغ بمجرد ما الأزمة تعدي.
قلت له:
— حتى لو كنت ناوي ترجعه، كان لازم تقول الحقيقة. كان لازم أعرف إن فيه حاجة باسمي، وكان لازم أعرف إن حقي في التدريب ممكن يكون اتأثر.
أبويا ما حاولش يدافع عن نفسه المرة دي.
فضل باصص للأرض، وكأن كل الكلمات اللي استخدمها طول السنين علشان يبرر تصرفاته ما بقتش تنفع.
لكن لسه كانت فيه نقطة واحدة ناقصة.
مين اللي قدم الطلب باسم أخويا؟
ومين اللي وافق على استخدام اسمه في المستندات؟
أمي تكشف السر اللي كانت بتخبيه
الباب اتفتح فجأة، وأمي دخلت الغرفة.




