
والدي وصل المستشفى بعد أقل من ساعة، ووشه كان مليان صدمة.
قعد جنبي وقال:
— يا بنتي، أنا مش مصدق. داليا قالت لنا إنك اتعصبتي ورفضتي تسمعي كلامها، وإن المشد اتكسر لوحده.
بصيت له باستغراب.
— هي قالت لك إني اتعصبت؟
هز راسه.
— قالت إنك كنتِ مصممة تلبسيه رغم إنه قديم، وإنها حاولت تمنعك.
سكتّ لحظة، وبعدين سألته:
— بابا، مين كان عنده إمكانية يدخل غرفة الملابس قبل الفرح؟
اتردد قبل ما يجاوب.
— أنا، وإنتِ، وداليا، ووالدتها. لكن داليا كانت المسؤولة عن تجهيز المشد.
الكلمة الأخيرة وقعت على قلبي زي الحجر.
كانت المسؤولة عن تجهيز المشد.
يعني إنها كانت الوحيدة اللي تعرف تفاصيله، والوحيدة اللي مسكته قبل ما ألبسه.
والدي لاحظ إن نظراتي اتغيرت، فقال بسرعة:
— إنتِ مش بتتهمي أختك، صح؟ يمكن تكون غلطة. مهما حصل، دي أختك.
بصيت له بحزن.
— وأنا كنت فاكرة إنها أختي فعلًا.
في نفس اليوم، أحمد راح الفيلا بنفسه، وطلب من المسؤول عن الأمن يحتفظ بتسجيلات الكاميرات الخاصة بالأيام اللي سبقت الفرح.
في البداية، المسؤول حاول يرفض، بحجة إن التسجيلات مش بتتسلّم لأي حد من غير إجراءات رسمية.
لكن لما عرف إن فيه إصابة خطيرة وإن الموضوع ممكن يتحول لتحقيق جنائي، وافق على حفظ التسجيلات لحين طلبها من الجهات المختصة.
وبعدها أحمد راح لغرفة الملابس.
المشد كان لسه موجودًا في مكانه، داخل كيس حفظ خاص.
ما لمسوش.
اتصل بالمستشفى، وبلغهم بمكانه، وبعدها طلب توجيه الأمر للجهات المختصة عشان يتم فحصه بطريقة رسمية، من غير ما تتأثر الأدلة.
وفي المساء، اتصل بي.
— سلمى، فيه حاجة لازم تعرفيها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
— إيه هي؟
— مسؤول الأمن أكد إن داليا دخلت غرفة الملابس مرتين في الليلة اللي سبقت الفرح. المرة الأولى كانت لوحدها، والمرة التانية كانت معاها علبة صغيرة.
حاولت أستوعب كلامه.
— وهل ظهر في التسجيل هي عملت إيه؟
— الكاميرا مش بتصور جوه غرفة الملابس نفسها، لكنها بتصور المدخل. وفيه حاجة تانية…
سكت.
— قول يا أحمد.
— بعد ما خرجت من الغرفة في المرة التانية، كانت بتبص حواليها بشكل غريب، وبعدها اتصلت بحد. المكالمة استمرت أقل من دقيقة.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
— وعرفت اتصلت بمين؟
— لسه. التسجيل مش بيظهر رقم الهاتف، لكن الجهات المختصة تقدر تطلب البيانات لو شافت إن فيه أساس قانوني للتحقيق.
وبعدها قال جملة خلتني أفكر في شيء ماكنتش واخدة بالي منه:
— سلمى، فيه احتمال إن اللي حصل ماكانش سببه خلاف بينك وبين داليا بس. يمكن فيه حد تاني كان مستفيد من غيابك.
في اللحظة دي، افتكرت خلافات العيلة القديمة على إدارة الأملاك.
والدي كان بيفكر يسلّمني مسؤولية الإشراف على جزء كبير من شركاته وممتلكاته بعد الفرح، خصوصًا إني كنت الوحيدة اللي عندها خبرة في إدارة الملفات الفنية والعقود المتعلقة بمشروعاته.
داليا كانت رافضة القرار ده من البداية.
كانت شايفة إنها الأحق، لمجرد إنها أكبر مني، وإنها قضت سنوات بتحاول تثبت نفسها قدام والدي.
لكن هل الغيرة وحدها ممكن توصل إنسانة إنها تعمل حاجة بالخطورة دي؟
ماقدرتش أجاوب.
لأن السؤال الحقيقي ماكانش: هل داليا كانت بتكرهني؟
السؤال كان: هل كانت عايزة تمنعني من شيء أكبر من مجرد إدارة الأملاك؟
بعد ثلاثة أيام، بدأت أقدر أحرك أصابع قدمي حركة بسيطة.
كانت حركة صغيرة جدًا، لكنها بالنسبة لي كانت زي النور اللي بيظهر في آخر نفق طويل.
الدكتور قال إن الطريق لسه طويل، وإن العلاج الطبيعي هيكون ضروري، وإنه مافيش ضمان لسرعة التعافي.
لكنني تمسكت بالأمل.
وفي نفس الوقت، طلبت من أحمد يتواصل مع محامٍ متخصص، ويبلّغ الجهات المختصة بكل التفاصيل، من غير ما يواجه داليا أو يحاول ينتزع منها اعترافًا بنفسه.
كنت عايزة الحقيقة تظهر بالأدلة، مش بالصراخ والاتهامات.
وفي اليوم الرابع، وصلني اتصال من والدي.
كان صوته مختلفًا تمامًا.
— سلمى، أنا لازم أقول لك حاجة. فيه ملف قديم في مكتب الشركة، لقيته وأنا بدوّر على أوراق المشد.
— ملف إيه؟
— ملف خاص بتعديل ملكية بعض الأصول. وفيه مستندات بتوضح إن فيه محاولة لتغيير الشخص المسؤول عن إدارة جزء من الممتلكات قبل موعد فرحك بأيام.
اتسعت عيناي.
— ومين اللي قدّم طلب التعديل؟
سكت والدي للحظات، وكأنه مش قادر ينطق الاسم.
وبعدين قال:
— داليا.
حسيت إن الأرض بتنسحب من تحتي، رغم إني كنت لسه على سرير المستشفى.
لكن والدي أضاف بسرعة:
— فيه حاجة أغرب من كده. التوقيع الموجود على أحد المستندات مش توقيعها، وفيه احتمال إن حد استخدم بياناتها من غير علمها.
رجعت أسأله:
— يعني ممكن تكون فيه مؤامرة عليها هي كمان؟
— مش عارف يا بنتي. عشان كده مش عايز أتهم حد قبل ما نتأكد.
بعد ما قفلت المكالمة، فضلت أبص للسقف لفترة طويلة.
داليا كانت بتكره فكرة إني أستلم مسؤولية الأملاك.
لكن هل كانت هي اللي رتبت كل حاجة؟
ولا كان فيه شخص تاني بيحرّكها، أو بيستغل غيرتها عشان يحقق هدفه؟
وفي اللحظة اللي كنت بحاول أجمع فيها الخيوط، وصل أحمد برسالة قصيرة من المحامي:
«الجهات المختصة وافقت على بدء الإجراءات اللازمة لفحص الأدلة، وهناك معلومة جديدة ظهرت من مراجعة المستندات.»
وبعدها مباشرة، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
كانت عبارة عن سطر واحد فقط:
«لو عايزة تعرفي مين كان المستفيد الحقيقي من اللي حصل لك، اسألي والدك عن الوصية القديمة.»
قرأت الرسالة مرة، واتنين، وتلاتة.
وبعدين رفعت عيني لأحمد، وقلت بصوت خافت:
— أحمد… إحنا لسه مانعرفش أي حاجة.
لأنني بدأت أفهم إن المشد ماكانش مجرد قطعة ملابس اتكسرت يوم فرحي.
كان بداية سرّ قديم، سرّ ممكن يغيّر تاريخ عيلتنا بالكامل.
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: الوصية القديمة والسر اللي هزّ العيلة
فضلت أبص للرسالة المجهولة على شاشة موبايلي، وأعيد قراءتها كأن الكلمات ممكن تتغير لو ركزت فيها أكتر.
«لو عايزة تعرفي مين كان المستفيد الحقيقي من اللي حصل لك، اسألي والدك عن الوصية القديمة».
رفعت عيني لأحمد، اللي كان واقف جنبي وبيحاول يفهم سبب شحوب وشي.
— أحمد، أنا عايزة أعرف إيه حكاية الوصية دي.
قعد على الكرسي القريب من سريري، وقال بهدوء:
— هنتأكد من كل حاجة، بس لازم نمشي خطوة خطوة. الرسالة دي ممكن تكون من حد عايز يساعدنا، وممكن تكون من حد بيحاول يوجّهنا ناحية معينة.
كان كلامه منطقي، لكن قلبي ماكانش مطمئن.
طول عمري كنت فاكرة إن مشاكل عيلتنا مجرد خلافات عادية على الفلوس والممتلكات، وإن داليا بتتصرف بدافع الغيرة مني.
لكن دلوقتي، بدأت أشك إن فيه حكاية أقدم بكتير من يوم فرحي.
حكاية والدي كان بيحاول يخبيها.
في اليوم الخامس، جه والدي يزورني في المستشفى.
كان شايل شنطة جلد قديمة، وملامحه متوترة بشكل ما شفتوش عليه قبل كده.
قعد جنبي، وبص لأحمد، وبعدها رجع بص لي.
— سلمى، فيه حاجات كان لازم أحكيها لك من زمان، بس كنت فاكر إن إخفاءها هيحمي العيلة من مشاكل إحنا في غنى عنها.
مسكت إيده وقلت:
— أنا تعبت يا بابا من الأسرار. كل اللي عايزاه إني أعرف الحقيقة.
فتح الشنطة، وطلع منها ملف أصفر قديم، أطرافه متآكلة، وعليه ختم مكتب محاماة.
— دي نسخة من وصية جدك، الله يرحمه.
استغربت.
— جدي مات من أكتر من عشرين سنة. إيه علاقة وصيته باللي حصل لي؟
تنهد والدي، وبدأ يحكي.




