
جدي كان صاحب مجموعة شركات كبيرة، وامتلك أراضي وعقارات ومصانع في أكتر من محافظة. لكنه، قبل وفاته بفترة قصيرة، قرر ينظم إدارة الممتلكات بطريقة مختلفة عن المعتاد.
ماكانش عايز أكبر فرد في العيلة هو اللي يتحكم في كل حاجة لمجرد إنه الأكبر سنًا.
كان عايز الشخص اللي يتولى الإدارة يكون قادرًا على حماية الشركات، والحفاظ على حقوق أفراد العيلة، ومنع أي حد من استغلال سلطته.
وعشان كده، أنشأ نظامًا خاصًا لإدارة جزء من الأصول، يتطلب موافقة قانونية من أكثر من طرف قبل إجراء تغييرات جوهرية.
لكن كان فيه شرط إضافي.
شرط ماكنتش أعرف عنه أي حاجة.
قال والدي:
— جدك كتب في الوصية إن إدارة الجزء ده من الممتلكات لازم تفضل في إيد الشخص اللي يثبت كفاءته، وإن أي تغيير في المسؤولية لازم يتم وفق إجراءات محددة، وبعد مراجعة المستندات والتوقيعات.
سألته:
— وكنت ناوي تختارني أنا؟
هز راسه.
— أيوه. مش لأنك بنتي، لكن لأنك الوحيدة اللي اشتغلت في ملفات المشروعات، وعندك خبرة في التدقيق والتحليل، ومابتخافيش تسألي عن أي تفصيلة مش مفهومة.
سكت لحظة، ثم أضاف:
— لكن داليا عرفت بالموضوع قبل فرحك.
بدأت أفهم ليه كانت متوترة في الأسابيع الأخيرة.
داليا كانت مقتنعة إن إدارة الممتلكات من حقها، وإن قرار والدي بتكليفي بالمسؤولية إهانة ليها.
لكنني سألت والدي:
— لو هي كانت معترضة، ليه ماواجهتنيش؟ ليه تستنى لحد يوم فرحي؟
ما ردش فورًا.
وبعدها قال:
— ده السؤال اللي لازم نعرف إجابته.
في نفس اليوم، وصل المحامي الخاص بالعيلة إلى المستشفى.
كان اسمه الأستاذ شريف، واشتغل مع جدي ثم مع والدي لسنوات طويلة.
حط الملف على الطاولة، وبدأ يراجع بعض الأوراق قدامنا.
وبعد دقائق، وقف عند مستند معين.
— أستاذ محمود، المستند ده مش طبيعي.
قرب والدي منه.
— تقصد إيه؟
أشار المحامي إلى توقيع موجود أسفل طلب تعديل إداري.
— التوقيع المنسوب لداليا مختلف عن التوقيع الموجود في مستندات سابقة. ده مش دليل قاطع لوحده على التزوير، لكنه سبب كافٍ لطلب فحص فني رسمي.
سألته:
— وهل التعديل ده كان هيحرم داليا من حقوقها؟
رد بحذر:
— مش بالضرورة. الموضوع أعقد من كده. المستند كان هيغيّر المسؤول عن إدارة بعض الأصول، لكنه ماكانش كافيًا وحده لنقل الملكية أو إلغاء أي حق قانوني ثابت.
وبعدين أضاف:
— والأهم إن فيه ورقة تانية مرتبطة بالطلب، مفقودة من الملف الأصلي.
بص والدي له بصدمة.
— ورقة مفقودة؟ إزاي؟
— مش عارف. آخر مرة اتسجل فيها الملف كامل كانت قبل الفرح بأسبوعين.
في اللحظة دي، فهمت إن فيه احتمالين على الأقل.
إما إن داليا كانت بتحاول تغيّر وضعها داخل الشركة، وإن حد استغل الخلاف ده علشان يورطها.
أو إنها كانت تعرف أكتر مما قالت، وإنها شاركت في حاجة أكبر من مجرد محاولة السيطرة على إدارة الممتلكات.
لكن ماكانش عندنا دليل يسمح لنا نحسم أي احتمال.
في اليوم السادس، بدأت جلسات العلاج الطبيعي.
كان تحريك رجليّ مؤلمًا ومتعبًا، وأحيانًا كنت بفقد الأمل بعد دقائق قليلة من التمرين.
لكن كل مرة كنت بحس فيها بالعجز، كنت أفتكر اللحظة اللي وقعت فيها على أرض غرفة الملابس، وصوت داليا وهي بتقول إني عبء على العيلة.
الكلمات دي كانت بتوجعني أكتر من الإصابة نفسها.
في نهاية إحدى الجلسات، دخل أحمد ومعاه باقة ورد صغيرة.
ابتسم وقال:
— عندي خبر، بس مش عايزك تتحمسي قبل ما أقول لك التفاصيل.
بصيت له بقلق.
— خير؟
— الجهات المختصة استلمت المشد وفق الإجراءات الرسمية، وبدأ فحصه. وكمان تم حفظ تسجيلات الكاميرات والبيانات المرتبطة بالليلة اللي سبقت الفرح.
سألته:
— وعرفوا حاجة عن القطعة المعدنية؟
— لسه الفحص مستمر. الخبراء محتاجين يحددوا طبيعتها ومصدرها، وهل كانت جزءًا مضافًا للمشد أو قطعة اتفصلت من شيء تاني. مش هينفع نستنتج كل حاجة من شكلها بس.
كان كلامه صحيحًا.
أنا نفسي كنت عارفة إن أي تحليل فني لازم يعتمد على أدلة قابلة للفحص، مش مجرد إحساس أو تخمين.
لكنني كنت مستعدة أستنى، مهما طال الوقت.
لأنني ماكنتش عايزة أنتقم من داليا.
كنت عايزة أعرف إذا كانت تعمدت إيذائي، ومين ساعدها لو كان فيه حد تاني.
في مساء اليوم نفسه، اتصلت داليا بوالدي.
كان قاعد جنبي لما رن الموبايل، ولما شاف اسمها، اتردد قبل ما يرد.
فتح مكبر الصوت، وقال:
— أيوه يا داليا.
جاء صوتها هادئًا في البداية.
— بابا، أنا عارفة إنك زعلان مني، بس أنا مش قادرة أتحمل إنكم تعاملوني كأني مجرمة.
والدي رد:
— محدش حكم عليكِ يا داليا. لكن فيه حادث خطير حصل، ولازم نعرف الحقيقة.
بدأ صوتها يرتعش.
— أنا كنت بساعد سلمى تلبس المشد، وفجأة اتكسر. إنت عارف إن القطعة دي قديمة، وإن أي حاجة ممكن تحصل فيها.
كنت بستمع من غير ما أتكلم.
ثم سألتها فجأة:
— داليا، إنتِ ليه قلتي لأحمد إنك حاولتي تمنعيني من لبس المشد؟
ساد الصمت على الطرف التاني.
ثوانٍ طويلة مرت قبل ما ترد.
— أنا… أنا كنت خايفة عليكِ.
— خايفة عليّا؟ طب ليه شدّيتي الأربطة بكل قوتك وأنا بقول لك توقفي؟
بدأت تتكلم بسرعة.
— إنتِ مش فاهمة اللي حصل! أنا ماكنتش أقصد أأذيكي!
تجمدت إيدي فوق الغطاء.
دي كانت أول مرة تقول فيها جملة ممكن تتفهم بأكتر من طريقة.
لكنني ما استعجلتش.
سألتها بهدوء:
— يعني إنتِ اعترفتي إنك شدّيتي الأربطة رغم إني طلبت منك توقفي؟
صرخت:
— أنا ما اعترفتش بحاجة! إنتِ بتحاولي تخليني أبان وحشة قدام بابا!
وبعدها قفلت المكالمة.
والدي فضل باصص للموبايل، مش قادر يستوعب اللي سمعه.
أما أنا، فكنت عارفة إن المكالمة دي مش هتثبت لوحدها أي جريمة، لكنها أكدت إن فيه تفاصيل كتير لسه ما اتقالتش.
بعد ساعات، وصل للمحامي اتصال من جهة التحقيق.
طلبوا منه تقديم نسخة من الوصية القديمة، وكل المستندات المتعلقة بالتعديلات الإدارية، مع تحديد الأشخاص اللي كان عندهم إمكانية الوصول للملفات.
وفي الوقت نفسه، طلبوا استكمال الفحص الفني للمشد، ومراجعة التسجيلات والبيانات المتاحة وفق الإجراءات القانونية.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما المحامي راجع سجل الدخول إلى مكتب الشركة.
كان فيه دخول مسجل باسم موظف إداري في وقت متأخر من الليل، قبل فرحي بيومين.
الموظف ده ماكانش من المعتاد يشتغل في الوقت ده، ومهمته الأساسية ماكانتش مرتبطة بملفات الأملاك.
ولما اتسأل عن سبب وجوده، قال إنه دخل المكتب بناءً على تعليمات هاتفية من شخص مسؤول.
لكن لما طلبوا منه يحدد اسم الشخص، تردد.
وبعد إلحاح، قال اسمًا واحدًا.
اسم ماكانش حد في العيلة يتوقع إنه يظهر في القضية.
اسم زوجة والدي، والدة داليا.
الست اللي كانت بتعاملني طول عمري كأنني بنتها، واللي اختارت بنفسها المشد القديم علشان ألبسه يوم فرحي.
لما المحامي بلغ والدي، وشه اتغير تمامًا.
— مستحيل. إنت متأكد من الكلام ده؟
المحامي رد:
— ده مجرد خيط محتاج تحقق. وجود اسمها في سجل أو ورود اسمها في أقوال موظف مش معناه إنها ارتكبت جريمة. لكن لازم نفهم سبب التعليمات، ونتأكد من صحتها.
والدي حط إيده على جبينه.
أما أنا، فحسيت إن كل ذكرياتي عن البيت بدأت تتغير.
افتكرت إصرارها على إن المشد لازم يكون جزءًا من تجهيزاتي.
وافتكرت إزاي كانت بتقول لي كل مرة أشوفها فيها:
«المشد ده أمانة العيلة، ولازم يفضل في إيد واحدة من بناتنا».
وقتها كنت فاكرة إنها بتتكلم عن التقاليد.
دلوقتي، ما بقيتش متأكدة من أي حاجة.
في اليوم السابع، كنت قاعدة على سريري، بحاول أحرّك أصابع قدمي، لما دخل أحمد الغرفة ووشه مختلف.
كان ماسك موبايله، وعلى وشه ملامح شخص عرف معلومة خطيرة، لكنه لسه مش قادر يستوعبها.
سألته:
— حصل إيه؟
قرب مني، وقعد على الكرسي.
— سلمى، فيه تطور جديد. الجهات المختصة بتستكمل التحقيق، وطلبوا مقابلة داليا وبعض الأشخاص المرتبطين بالملفات.
بلعت ريقي بصعوبة.
— يعني لقوا دليل ضدها؟
— لسه مش هنقدر نقول كده. لكن فيه تضارب في بعض الأقوال، وفيه مستندات محتاجة فحص.
وبعدين سكت لحظة، قبل ما يضيف:
— وفيه حاجة تانية. داليا غادرت شقتها الصبح، ولما رجعت لقت رجال التحقيق مستنيينها لاستكمال الإجراءات.
بصيت له من غير ما أتكلم.
كنت متخيلة اللحظة دي مئات المرات، لكنني ماكنتش متخيلة إني هحس بالخوف بدل الراحة.
لأن داليا، مهما حصل، كانت أختي اللي عشت معاها تحت سقف واحد سنين طويلة.
وفجأة، رن موبايل أحمد برسالة جديدة من المحامي.
قرأها مرة، وبعدها رفع عيني لي.
— سلمى… لازم تسمعي السؤال اللي اتوجه لداليا.
سألته بصوت ضعيف:
— إيه هو؟
فتح الرسالة وقرأ:
«أثناء مراجعة الحالة الطبية والأدلة المتعلقة بإصابة سلمى، تبيّن وجود جسم معدني غير معتاد قرب العمود الفقري. نحتاج إلى معرفة ما إذا كنتِ على علم بوجود أي تعديل في المشد قبل ارتدائه».
لكن الرسالة ما انتهتش هنا.




