روايات وقصص

الجزء الاول بقلم محمد عبده

—أنا ما فضحتش حد يا طنط نوال… أنا بس سألت سؤال، وهو لحد دلوقتي ما جاوبش.

تدخل أحد الحاضرين وقال:

—كريم، هو الكلام ده صحيح؟

حاول كريم استعادة هدوئه.

—أكيد لا. سلمى فهمت الموضوع غلط.

رفعت سلمى الورقة.

—طيب اشرح لنا التحويل ده.

اقترب كريم منها وحاول أخذ الورقة.

لكن سلمى سحبتها بسرعة.

—متلمسهاش.

قال كريم من بين أسنانه:

—تعالي نتكلم بعيد.

—لأ.

رفعت الميكروفون.

—إحنا كنا بنتكلم عن مستوى العائلات قدام الناس، صح؟ يبقى الناس تسمع الحقيقة كلها.

ثم التفتت إلى والدها.

—بابا، ممكن تقول لهم إنت كنت عارف إيه؟

تنهد حسن.

ثم وقف.

—من حوالي سنة، كريم حاول يقنعني أستثمر معاه مبلغ كبير.

قال أحد الضيوف:

—وقد إيه؟

أجاب حسن:

—كان عايز حوالي مليون ونصف جنيه.

بدأ الهمس ينتشر في القاعة.

أكمل حسن:

—رفضت.

ثم نظر إلى كريم.

—بعدها بفترة، بدأ يسألني عن فلوسنا بشكل غير مباشر. وكان دايمًا يقول إن سلمى مش بتعرف تدير فلوسها وإن الأفضل إننا نساعدها عن طريقه.

شهقت سلمى.

فقد كانت تسمع هذه الجملة لأول مرة.

قالت:

—إنت عمرك ما قلتلي!

—كنت خايف أجرحك أو أعمل مشكلة بينك وبين جوزك.

نظرت سلمى إلى كريم.

—عشان كده كنت دايمًا بتضغط عليا إني أطلب من بابا فلوس؟

صمت كريم.

قالت:

—وعشان كده كنت بتقول إن بابا مش فاهم في الاستثمار؟

لم يجب.

تدخلت نوال بعصبية:

—كفاية! الفلوس دي كلها مش دليل على حاجة.

وفي تلك اللحظة، وصل شخص جديد إلى القاعة.

كانت مريم.

تقدمت نحو سلمى، وأعطتها ظرفًا.

قالت بصوت مسموع:

—ده آخر مستند.

فتحته سلمى.

كان تقريرًا ماليًا موثقًا يوضح مسار الأموال.

رفعت سلمى رأسها وقالت:

—المبلغ اللي أخدته مني يا كريم، اتنقل على حساب الشركة اللي باسم أخوك.

رد كريم بسرعة:

—أنا كنت هرده!

—بعد إيه؟

لم يرد.

—بعد ما تبيع الشقة؟

تغير وجهه.

ثم قالت:

—ولا بعد ما تاخد فلوس بابا وماما؟

هنا صرخ كريم:

—إنتِ مش فاهمة حاجة!

لأول مرة فقدت سلمى هدوءها.

—لا، أنا فهمت كل حاجة.

ثم رفعت صوتها:

—إنت ما كنتش محتاج الفلوس علشان تنقذ صفقة.

سكتت لحظة.

—إنت كنت بتحاول تسدد ديونك من فلوسي!

بدأت بعض الوجوه تنظر إلى كريم باحتقار.

لكن المفاجأة لم تنتهِ.

قالت مريم:

—لسه في حاجة لازم تعرفيها يا سلمى.

نظرت إليها.

—إيه؟

أخرجت مريم مستندًا آخر.

—القرض الموجود على الشقة مش باسم كريم وحده.

تجمدت سلمى.

—يعني إيه؟

—الشقة اتقدمت كضمان لقرض، وفي أوراق القرض اسمك موجود.

قالت سلمى:

—أنا؟!

—أيوه.

نظر الجميع إلى كريم.

قالت مريم:

—التوقيع الموجود في الأوراق تم استخدامه من غير علم سلمى.

وقف كريم فجأة.

—دي كذبة!

قالت مريم:

—ممكن نثبت ده بسهولة.

ثم أضافت:

—والأهم إن البنك بدأ بالفعل إجراءات قانونية بسبب التأخر في السداد.

وضعت سلمى يدها على فمها.

فهمت الآن لماذا كان كريم متوترًا طوال الشهور الماضية.

ولماذا كان يضغط عليها للحصول على المال.

ولماذا كان يريد الوصول إلى مدخرات والديها.

لقد كان يغرق…

وكان يحاول جرها معه.

لكن وسط الصمت، تحدثت نوال فجأة:

—إنتِ السبب في كل ده يا سلمى!

التفتت إليها سلمى.

—أنا؟

—لو كنتِ زوجة كويسة، كنتِ ساعدتي كريم من غير ما تسألي.

ابتسمت سلمى بمرارة.

—أنا ساعدته فعلًا.

ثم نظرت إلى كريم.

—أنا اديتك كل مدخراتي.

وأضافت:

—لكن أنت ما كنتش محتاج زوجة تساعدك… كنت محتاج شخص تصرف عليه.

تدخل حسن وقال:

—من النهارده بنتي مش هتدفع جنيه واحد.

قال كريم:

—إنتوا فاكرين إن الموضوع خلص؟

اقتربت منه سلمى.

—لا.

ثم قالت بهدوء شديد:

—الموضوع لسه بيبدأ.

وأخرجت هاتفها.

—لأن كل التحويلات، وكل الرسائل، وكل المستندات موجودة.

نظر كريم إليها بصدمة.

—إنتِ عملتي إيه؟

—عملت نسخة من كل حاجة قبل ما أواجهك.

ثم أضافت:

—ومريم هتتولى الإجراءات القانونية.

ساد الصمت.

لكن كريم ابتسم فجأة ابتسامة غريبة.

وقال:

—إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟

نظرت إليه سلمى.

—لأ.

توقفت لحظة.

—أنا بس بطلت أخسر.

ثم وضعت خاتم الزواج على الطاولة أمامه.

وقالت:

—ومن اللحظة دي… أنا مش زوجتك.

نظر كريم إلى الخاتم، ثم إلى والدتها.

كانت نوال تبكي بصمت.

أما حسن فوقف بجوار ابنته.

لكن قبل أن تغادر سلمى القاعة، اقترب منها أحد ضيوف كريم.

كان رجل أعمال معروفًا، وكان قد ظل صامتًا طوال الوقت.

قال لها:

—سلمى… قبل ما تمشي، لازم تعرفي حاجة.

توقفت.

—إيه؟

قال:

—أنا كنت واحد من الناس اللي كريم طلب منهم فلوس.

ثم أضاف:

—لكن أنا رفضت.

سألته:

—ليه؟

نظر إلى كريم.

ثم قال:

—لأني اكتشفت من فترة إن عليه ديون أكبر بكتير مما تتخيلي.

ثم خفض صوته:

—لكن اللي محدش يعرفه… إن في شخص آخر كان بيمول كريم من البداية.

سألت سلمى:

—مين؟

نظر الرجل إليها مباشرة.

وقال:

—والدته نوال.

التفتت سلمى ببطء نحو حماتها.

كان وجه نوال جامدًا.

ولم تنكر.

هنا أدركت سلمى أن القصة لم تكن مجرد كذب من زوجها.

كان هناك سر قديم بين كريم ووالدته، وسر أكبر بكثير من الأربعمائة وعشرين ألف جنيه…

وكانت سلمى على وشك معرفة الحقيقة التي ستقلب كل شيء مرة أخرى. :::

الجزء الخامس

تجمدت سلمى في مكانها.

نظرت إلى نوال، ثم إلى كريم.

كان الصمت في القاعة أثقل من أي كلمة.

قالت سلمى:

—ماما نوال… إيه معنى الكلام ده؟

لم تجب نوال.

لكن كريم انفجر:

—محدش يتكلم عن أمي!

ابتسمت سلمى بمرارة.

—الغريب إنك كنت بتتكلم عن أبويا وأمي من شوية بكل سهولة.

ثم التفتت إلى رجل الأعمال.

—حضرتك متأكد إن نوال كانت بتمول كريم؟

أجاب:

—أنا ما شفتش التحويلات بنفسي، لكن عندي مستندات تثبت إن جزءًا من الأموال كان بييجي من حساب مرتبط بيها.

قالت مريم:

—وده يتطابق مع المستندات اللي عندنا.

نظرت سلمى إلى نوال.

—ليه؟

قالت نوال أخيرًا:

—لأن كريم كان محتاج مساعدة.

ضحكت سلمى بمرارة.

—مساعدة؟

—أيوه.

—والمساعدة كانت بفلوس الناس؟

سكتت نوال.

قالت سلمى:

—من إمتى وإنتِ عارفة إنه عليه ديون؟

لم تجب.

اقترب كريم من أمه.

—ماما، كفاية.

لكن نوال قالت:

—لا. خلاص.

ثم جلست على الكرسي وقالت:

—من سنتين، كريم دخل في مشروع مع ناس غلط.

سألته سلمى:

—مشروع إيه؟

قالت نوال:

—كان بيشتري ويبيع سيارات مستعملة لحسابه.

رد كريم بعصبية:

—المشروع فشل.

أكملت نوال:

—وخسر مبلغًا كبيرًا.

قالت سلمى:

—وقد إيه؟

خفضت نوال رأسها.

—أكتر من ثلاثة ملايين جنيه.

ساد الصمت.

شعرت سلمى بالدوار.

ثلاثة ملايين!

والـ420 ألف جنيه التي أخذها منها لم تكن إلا جزءًا صغيرًا من الكارثة.

قالت مريم:

—وعشان كده بدأ ياخد قروض؟

أومأت نوال.

—وبعدها بدأ يستلف من ناس كتير.

نظر كريم إلى أمه بغضب.

—ليه بتقولي كل ده؟

قالت:

—لأن الموضوع خرج عن سيطرتي.

ثم نظرت إلى سلمى.

—كنت فاكرة إن جوازك منه هيحل المشكلة.

رفعت سلمى حاجبها.

—إزاي يعني؟

قالت نوال:

—لأننا كنا نعتقد إن والدكِ ووالدتكِ عندهم مدخرات كبيرة.

قالت سلمى:

—يعني اتجوزتوني علشان فلوس أهلي؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى