
لم تجب نوال.
لكن صمتها كان كافيًا.
شعرت سلمى بألم شديد.
كل المواقف القديمة بدأت تظهر أمامها بشكل مختلف.
كل مرة كانت نوال تسألها عن عمل والدها.
كل مرة كان كريم يفتح موضوع بيع بيت أهلها.
كل مرة كان يحاول إقناعها بأن الاستثمار مع الأصدقاء أفضل من الاحتفاظ بالمال.
لم تكن نصائح.
كانت خطة.
قالت سلمى:
—كنتوا مستنيين إيه؟
أجاب كريم:
—كنت محتاج فرصة.
—وفرصتك كانت إني أخسر كل حاجة؟
—أنا كنت هصلح الموضوع!
—بفلوسي؟
سكت.
—ولا بفلوس بابا وماما؟
لم يجب.
في تلك اللحظة، قالت مريم:
—سلمى، لازم نمشي.
أومأت سلمى.
لكن قبل أن تغادر، التفتت إلى كريم.
—كنت فاكر إنك لما تهين بابا وماما قدام الناس هتحسسني إنهم أقل منك.
ثم نظرت إلى والدها ووالدتها.
—بس الحقيقة إنهم كانوا أغنى منك بكتير.
ابتسم كريم بسخرية.
—آه، طبعًا. وهما عندهم ملايين يعني؟
قال حسن بهدوء:
—لا.
نظر إليه كريم.
قال حسن:
—إحنا معندناش ملايين.
ابتسم كريم.
لكن حسن أكمل:
—لأننا ببساطة مش محتاجين ملايين علشان نعيش بكرامة.
سكت كريم.
كانت الجملة أقسى من أي صرخة.
غادرت سلمى الحفل مع والديها ومريم.
وفي السيارة، ظلت صامتة.
قالت نجوى:
—سامحيني يا بنتي.
نظرت إليها سلمى.
—على إيه؟
—كان لازم نقولك من زمان إن عندنا استثمارات.
هزت سلمى رأسها.
—أنا مش زعلانة منكم.
ثم قالت:
—أنا زعلانة إني صدقت شخصًا ما كانش شايفني غير وسيلة.
وصلت إلى منزل والديها.
وبعد ساعات قليلة، تلقت رسالة على هاتفها من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة مستند.
وفي أسفل المستند توقيع كريم.
لكن هذه المرة لم يكن المستند متعلقًا بديونه.
كان متعلقًا بشيء آخر تمامًا.
تنازل عن ملكية جزء من شركة سلمى.
تجمدت.
اتصلت بمريم فورًا.
—مريم… كريم حاول ياخد شركتي.
أجابتها مريم:
—عارفة.
—إنتِ عارفة؟
—لأنني كنت أراجع أوراق الشركة.
ثم قالت:
—لكن في حاجة أهم.
—إيه؟
—التوقيع الموجود على التنازل مش هو التوقيع اللي كريم استخدمه في أوراق القرض بس.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
—في أكتر من مستند بنفس التوقيع المزور.
شعرت سلمى بأن كل شيء أصبح واضحًا.
لم يكن كريم يحاول فقط إنقاذ نفسه.
كان يحاول السيطرة على عملها وأموالها ومستقبلها بالكامل.
قالت مريم:
—سلمى، لازم تتحركي بسرعة قبل ما يحاول يعمل أي إجراء تاني.
أغلقت سلمى الهاتف.
ثم نظرت إلى والديها.
وقالت:
—أنا كنت فاكرة إني خسرت 420 ألف جنيه.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
—طلعت خسرت زوجًا… وكسبت الحقيقة.
وفي صباح اليوم التالي، بدأت سلمى أول خطوة لاستعادة كل ما حاول كريم الاستيلاء عليه.
لكن عندما وصلت إلى مكتبها، وجدت ظرفًا أبيض موضوعًا أمام باب الشركة.
فتحت الظرف.
وكان بداخله خطاب قصير:
«لو فتحتي القضية ضد كريم، هتكتشفي إن الشخص اللي بدأ كل حاجة مش كريم.»
وتحت الجملة…
كان هناك اسم واحد فقط.
اسم لم تكن سلمى تتوقع أن تراه أبدًا. :::
الجزء السادس
ظلت سلمى تحدق في الاسم المكتوب أسفل الورقة.
لم يكن اسم كريم.
ولم يكن اسم نوال.
كان اسم شخص تعرفه جيدًا، شخص لم يخطر ببالها للحظة أن يكون له أي علاقة بما حدث.
محمود… شقيق والدها الأصغر.
قالت سلمى بصوت منخفض:
—عمي محمود؟
اتصلت بمريم فورًا وأرسلت لها صورة الخطاب.
بعد دقائق جاءها الرد:
—متفتحيش أي ملف ولا تتصرفي لوحدك. لازم نعرف مين بعت الرسالة الأول.
لكن سلمى كانت قد اتخذت قرارها.
ذهبت إلى منزل عمها.
فتح محمود الباب، وما إن رأى وجهها حتى قال:
—كنت عارف إنك هتيجي.
توقفت سلمى.
—إنت اللي بعت الخطاب؟
خفض محمود عينيه.
—أيوه.
دخلت سلمى وهي غاضبة.
—إنت كنت عارف كل حاجة؟
—مش كل حاجة.
—أمال عارف إيه؟
جلس محمود وقال:
—من حوالي سنتين، كريم جه لي وطلب مني أساعده في مشروع السيارات.
—وإنت وافقت؟
—في البداية، أيوه.
—ليه؟
—لأنه قال لي إن عنده فرصة كبيرة، وإنه محتاج شريك.
سألته سلمى:
—وبعدين؟
تنهد محمود.
—اكتشفت إن الأرقام اللي بيقولها مش حقيقية.
صمتت سلمى.
—ولما حاولت أواجهه، هددني.
—هددك بإيه؟
قال محمود:
—قال إنه لو فتحت بوقي، هيخلّي أبوك يعرف إن فلوس الاستثمار القديمة ضاعت.
شهقت سلمى.
—فلوس الاستثمار؟
هز محمود رأسه.
—كان عارف عنها.
بدأت الصورة تكتمل.
قال محمود:
—كريم كان بيسأل عن فلوس والدك من أول ما بدأ يعرفك.
سألته سلمى:
—يعني كان مخطط لكل ده من البداية؟
—مش عارف. لكن بعد ما اتجوزك، بدأ يسألني عن قيمة استثمارات والدك.
ثم أخرج هاتفه.
—وعندي تسجيلات لجزء من كلامه.
نظرت سلمى إليه.
—تسجيلات؟
—أيوه.
شغّل أحد التسجيلات.
جاء صوت كريم واضحًا:
—أنا محتاج أعرف بالضبط قد إيه فلوس عند حسن.
ثم جاء صوت محمود:
—ولو رفض؟
ضحك كريم.
—مش هيعرف يرفض لما تكون بنته مراتي.
تجمدت سلمى.
أوقفت التسجيل.
لم تستطع الكلام.
كان الألم هذه المرة مختلفًا.
لم يعد هناك مجال للشك.
كريم لم يقع في مشكلة بعد الزواج.
لقد دخل الزواج وهو يخطط لاستغلال عائلتها.
لكن محمود قال:
—في حاجة تانية.
نظرت إليه.
—إيه؟
—أنا كنت جزء من المشكلة.
—إزاي؟
—أنا وقعت على ورق مع كريم من سنتين، وبعدها اكتشفت إنه استخدم اسمي في تحويلات أنا ما وافقتش عليها.
قالت سلمى:
—ليه ما قلتش لبابا؟
—كنت خايف.
صمتت سلمى.
ثم قالت:
—الخوف هو اللي خلّى كريم يكبر.
عادا إلى منزل والديها.
وعندما أخبرت حسن بما قاله محمود، ظل صامتًا لفترة طويلة.
ثم قال:
—أنا كنت حاسس إن كريم مش طبيعي من أول يوم.
نظرت إليه سلمى.
—ليه ما قلتليش؟
—لأنك كنتِ بتحبيه.
قالت نجوى:
—وكنا خايفين إننا نخسرك.
اقتربت سلمى من والدها.
—إنتوا مش هتخسروني.
ثم احتضنته.
في تلك الليلة، اجتمعت سلمى مع مريم ومحمود ووالديها.
بدأت مريم ترتب المستندات.
وقالت:
—عندنا دلوقتي أدلة على تحويلات مالية، ومحاولات استخدام توقيع سلمى، ومستندات مرتبطة بالقرض، وتسجيلات.
سألت سلمى:
—يعني نقدر نوقفه؟
قالت مريم:
—نقدر نبدأ إجراءات قانونية قوية جدًا.
ثم أضافت:
—لكن لازم نتوقع إنه يحاول يلعب آخر ورقة.
وفي صباح اليوم التالي، حدث ما توقعته مريم.
وصلت إلى سلمى رسالة من كريم:
«تعالي نتكلم لوحدنا. لو فتحتي أي قضية، مش هتكوني الوحيدة اللي هتخسر.»
لم تخف سلمى هذه المرة.
بل ابتسمت.
وأرسلت الرسالة إلى مريم.
قالت:
—خلاص.
—إيه؟
—أنا مش هقابله لوحدي.
ثم أضافت:
—بس هقابله.
تم تحديد اللقاء في مكان عام.
وصل كريم قبلها.
كان يبدو متوترًا.
جلست سلمى أمامه.
قال:
—إنتِ عملتي كل ده ليه؟
—لأنك كذبت عليّ.
—أنا كنت بحاول أنقذ نفسي.
—على حسابي.
صمت.
ثم قال:
—ممكن نبدأ من جديد.
ضحكت سلمى بهدوء.
—من جديد؟
—أنا بحبك.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
—اللي بيحب حد مش بيزوّر توقيعه، ولا بياخد مدخراته، ولا يهين أهله علشان يوصل لفلوسهم.
خفض كريم رأسه.
ثم قال:
—لو رجعتي لي، كل حاجة هتتحل.
—لأ.
رفعت سلمى حقيبتها.
—أنا مش هرجع.
وقفت.
—والفلوس هترجع.
ثم أضافت:
—والحقيقة هتظهر.
وقبل أن تغادر، قال كريم:
—إنتِ مش عارفة أنا ممكن أعمل إيه.
التفتت إليه.
—وأنت مش عارف أنا عرفت إيه.
غادرت.
وبعد أقل من أسبوع، بدأت الإجراءات الرسمية.
لكن في يوم الجلسة الأولى، وصلت سلمى إلى المحكمة وهي تحمل ملفًا جديدًا.
قالت مريم:
—إيه ده؟
أجابت سلمى:
—ده المستند اللي وصلني امبارح.
فتحته مريم.
وبمجرد أن قرأت الصفحة الأولى، تغير وجهها.
قالت:
—سلمى… ده يغير القضية كلها.
سألتها سلمى:
—ليه؟
رفعت مريم عينيها إليها.
—لأن كريم ما كانش أول شخص حاول يستولي على فلوس عيلتك.
ثم أضافت:
—في شخص من داخل عيلتك بدأ الخطة قبل كريم بسنوات.
وهنا فهمت سلمى أن السر الحقيقي لم يبدأ يوم زواجها…
بل قبل ذلك بوقت طويل.
نكمل في الجزء القادم والاخير
بقلم محمد عبده
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




