
حسام نزل عينيه للأرض، لأنه فهم إن المشكلة مش بس في اللي عملوه، لكن كمان في إنهم غيروا طريقتهم بمجرد ما عرفوا إن نور ليها صفة رسمية.
في نفس الوقت، كانت نور وصلت مكتبها في القاهرة.
دخلت، حطت شنطتها على المكتب، وطلبت من مساعدتها تجمع كل التفاصيل المتعلقة بالواقعة.
نور مكانتش عايزة تنتقم من حد، لكنها كانت مؤمنة إن السكوت عن التجاوزات بيخليها تتكرر مع ناس تانية، يمكن ميكونش عندهم القدرة على الدفاع عن نفسهم.
بعد شوية، دخل عليها زميلها العقيد مروان، وسألها:
— سمعت إن حصل معاكي موقف على الطريق النهارده. إنتِ كويسة؟
نور ابتسمت وقالت:
— أنا كويسة، الحمد لله. بس اللي حصل محتاج يتراجع بشكل جاد.
مروان قعد قدامها وسألها:
— إنتِ ناوية تكملي في البلاغ؟
نور ردت من غير تردد:
— طبعًا. مش عشان أنا مسؤولة في جهة رقابية، لكن عشان أي مواطن من حقه يعرف سبب إيقافه، ويتعامل باحترام، وتتحفظ حقوقه بالقانون.
مروان هز راسه بإعجاب وقال:
— عندك حق. بس خلينا نتأكد إن كل حاجة موثقة، وإن التحقيق يمشي من غير أي ضغط على حد.
نور وافقته، وبدأت تراجع التسجيلات والتفاصيل المتاحة، مع التأكيد إن أي إجراء لازم يكون مبني على أدلة واضحة، مش على غضب أو رغبة في العقاب.
تاني يوم الصبح، حسام وشريف حضروا التحقيق.
اتسألوا عن سبب إيقاف نور، وعن الأساس القانوني للتفتيش، وعن استخدام الإجراءات والقيود.
كل واحد فيهم حاول يشرح وجهة نظره، لكن التسجيلات والتناقضات في أقوالهم خلت الموقف أصعب.
وفي نهاية الجلسة، صدر قرار بإيقافهما مؤقتًا عن بعض المهام لحين انتهاء التحقيق، مع استكمال مراجعة الواقعة وفق الإجراءات الرسمية.
لما خرجوا من المكتب، شريف بص لحسام وقال:
— أنا عمري ما تخيلت إن وقفة على الطريق ممكن توصلنا لكده.
حسام رد بصوت مليان ندم:
— المشكلة إننا كنا فاكرين إن محدش هيقدر يحاسبنا.
وبعدين أضاف:
— والأسوأ إن لو البنت دي مكنتش معاناها البطاقة دي، يمكن كنا كملنا في غلطنا ومكناش حسينا إننا عملنا حاجة غلط أصلًا.
شريف سكت، لأنه كان عارف إن كلام زميله صحيح.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد أسبوع، لما نور طلبت مقابلة الظابطين بنفسها، وطلبت منهم يسمعوا منها حاجة واحدة قبل ما التحقيق يوصل لقراره النهائي…
يا ترى نور كانت ناوية تسامحهم؟ ولا كان عندها قرار تاني هيغير مستقبلهم تمامًا؟
بعد أسبوع، وصل لحسام وشريف استدعاء جديد، لكن المرة دي كان مختلف عن كل اللي فات.
المطلوب إنهم يحضروا مقابلة مع نور بنفسهم، بحضور مسؤول من إدارة المتابعة، قبل ما التحقيق النهائي يخلص.
حسام أول ما قرأ الاستدعاء، حس إن الموضوع لسه مخلصش، وقال لشريف:
— تفتكر هي عايزة إيه مننا المرة دي؟
شريف رد بقلق:
— معرفش، بس واضح إنها مش هتسيب الموضوع يعدي بسهولة.
حسام سكت شوية، وبعدها قال:
— بصراحة، أنا بقيت أفكر في اللي حصل كل يوم. مش قادر أنسى شكلها وهي بتسألنا عن سبب إيقافها، وإحنا بدل ما نرد عليها، اتعاملنا معاها بالطريقة دي.
شريف هز راسه وقال:
— وأنا كمان. المشكلة إننا كنا متأكدين إننا أقوى منها، وإنها مش هتقدر تعمل حاجة. أول ما شفنا البطاقة، اتغيرنا في ثانية.
وفي الموعد المحدد، وصلوا للمكتب ودخلوا غرفة الاجتماعات.
كانت نور قاعدة قدامهم، لابسة ملابس رسمية بسيطة، وعلى وشها ملامح هدوء وثقة.
قدامها ملف فيه تفاصيل الواقعة، وبجانبها مسؤول المتابعة.
نور أشارت لهم يقعدوا، وبعد لحظات من الصمت، بدأت كلامها:
— قبل ما نتكلم عن نتيجة التحقيق، عايزة أسألكم سؤال واحد، وكل واحد يجاوب بصراحة.
حسام وشريف بصوا لبعض، وبعدها حسام قال:
— اتفضلي يا فندم.
نور بصت له مباشرة وسألته:
— لو أنا مكنتش معايا البطاقة اللي شفتوها في جيبي، ولو كنت بنت عادية راجعة بيتها، كنت هتتعامل معايا بنفس الاحترام اللي اتعاملتوا بيه بعد ما عرفتوا أنا مين؟
حسام فتح بقه عشان يرد، لكنه مقدرش يطلع إجابة.
أما شريف فبص للأرض، وبعد ثواني قال بصوت واطي:
— لأ يا فندم… غالبًا مكناش هنتعامل بنفس الطريقة.
نور هزت راسها ببطء، وقالت:
— ودي بالظبط هي المشكلة. احترام الناس مش بيتحدد بوظيفتهم، ولا بفلوسهم، ولا بمكانتهم. الإنسان ليه كرامة وحقوق لمجرد إنه إنسان.
وبعدين فتحت الملف قدامها وكملت:
— أنا مش جاية هنا عشان أسمع اعتذار جديد وخلاص. أنا عايزة أعرف إذا كنتوا فهمتوا فعلًا غلطكم، ولا كل اللي مضايقكم إنكم اتحاسبتوا عليه.
حسام رفع عينيه، وكان واضح عليه الندم.
قال:
— يا فندم، أنا مش هحاول أبرر اللي حصل. أنا غلطت لما اتعصبت، وغلطت لما استخدمت الإجراءات من غير ما يكون فيه مبرر قانوني، وغلطت أكتر لما افتكرت إن من حقي أفرض نفسي على أي حد لمجرد إني لابس الزي الرسمي.
وبعدها سكت لحظة وأضاف:
— أنا آسف، ومش بطلب من حضرتك إنك تنسي اللي حصل. أنا بس بطلب فرصة أثبت فيها إن اللي حصل مش هيتكرر.
نور حولت نظرها لشريف.
شريف اتكلم هو كمان وقال:




