
— وأنا غلطت لما سخرت منها، وغلطت لما شاركت في تقييدها بدل ما أوقف التصرف من البداية. كان المفروض أكون أول واحد يلتزم بالقانون، مش أول واحد يخالفه.
نور فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:
— الاعتراف بالغلط بداية كويسة، لكنه مش النهاية.
وبصت لمسؤول المتابعة وقالت:
— أنا بطلب إن التحقيق يكمل بصورة طبيعية، وإن أي قرار يتاخد يكون على أساس الأدلة واللوائح. لا عايزة حد يتظلم، ولا عايزة حد يفلت من المسؤولية لمجرد إنه اعتذر.
مسؤول المتابعة أكد إن الإجراءات هتستمر وفق القواعد المعمول بيها، وإن نتيجة التحقيق هتتحدد بناءً على الوقائع والأدلة.
وقبل ما الاجتماع ينتهي، نور قالت لحسام وشريف:
— فيه حاجة تانية عايزة أقولها لكم. أنا مش هطلب إنكم تعاقبوا الناس اللي بتسألكم عن حقوقها، ولا إنكم تعتبروا كل اعتراض إهانة ليكم. المواطن اللي بيسأل عن سبب إيقافه مش عدوكم، واللي بيطلب احترامه مش بيقلل من احترامكم.
حسام رد بهدوء:
— فهمنا يا فندم.
نور قامت من مكانها وقالت:
— أتمنى تكونوا فهمتوا فعلًا، لأن الزي الرسمي مش بيكبر الإنسان. اللي بيكبره هو أمانته، واحترامه للناس، وقدرته يعترف لما يغلط.
بعد انتهاء التحقيق، صدرت القرارات الإدارية المناسبة بناءً على ما ثبت من الواقعة، مع إلزامهما بإجراءات تدريب ومراجعة تتعلق بالتعامل مع المواطنين واستخدام السلطة، واتخاذ ما يلزم وفق اللوائح.
حسام وشريف رجعوا لشغلهم بعد انتهاء الإجراءات المقررة، لكن الموقف فضل علامة فارقة في حياتهم المهنية.
وفي أول يوم ليهم بعد الرجوع، كانوا واقفين على الطريق لما عربية وقفت على جنب، ونزل منها شاب مرتبك، وبدأ يسألهم عن سبب طلبهم منه التوقف.
شريف بص لحسام، وبعدها اتجه للشاب وقال بهدوء:
— متقلقش، هنوضح لك سبب الإيقاف، وهنراجع أوراقك، وكل حاجة هتمشي بالإجراءات القانونية.
حسام وقف جنبه، وبدأ يتعامل مع الشاب باحترام.
ولأول مرة، حس إن احترامه للناس مش بيقلل من هيبته، بالعكس، بيخليه يستحقها.
أما نور، فرجعت لحياتها وشغلها، واستمرت في أداء مسؤولياتها من غير ما تحكي القصة باعتبارها انتصارًا شخصيًا.
بالنسبة لها، الموضوع مكانش متعلق ببطاقة طلعتها من جيبها، ولا بإن ظابطين اتصدموا لما عرفوا هويتها.
الموضوع الحقيقي كان أبسط وأهم من كده كله:
لو الإنسان معندوش سلطة أو منصب أو نفوذ، هل ده معناه إن من حق أي حد يهينه؟
والإجابة كانت واضحة بالنسبة لها: لأ.
لأن القانون الحقيقي مش بيحمي أصحاب المناصب بس، لكنه بيحمي كل إنسان، وبيحط حدود لأي شخص يفتكر إن سلطته بتديله الحق يتجاوز.
العبرة من الحكاية: متحكمش على قيمة الإنسان من شكله أو وظيفته، ومتستخدمش سلطتك عشان تضغط غيرك. لأن الاحترام الحقيقي مش إن الناس تخاف منك، لكن إنك تكون عادل معاهم حتى لما تكون قادر تظلمهم.
وفي النهاية، افتكر دايمًا إن المنصب ممكن يفرض على الناس يسمعوا كلامك، لكن أخلاقك هي اللي تخليهم يحترموك من قلبهم.
تمت




