
لجزء الثاني: الاسم اللي ظهر في كشف الحساب قلب كل حاجة!
فضلت واقف في نص القاعة، شايل بنتي سلمى، وببص في وشوش الناس اللي كانوا من
شوية بيضحكوا ويباركوا لأمي بعيد ميلادها.
لكن بعد صرخة بنتي، محدش قدر يرجع يتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
أمي، الحاجة فاطمة، كانت بتحاول تحافظ على هدوئها، لكن إيديها كانت بتترعش،
وعينيها بتتحرك بيني وبين باب القاعة كأنها بتدور على مخرج.
قرب مني خالي محمود، وقال بصوت واطي:
— يا إبراهيم، مهما حصل، دي أمك. خد البنت وامشي، وبعدين اتكلموا في
البيت.
بصيت له وقلت:
— بنتي عاشت تلات سنين في مخزن، وكانت بتبحث عن بقايا الطعام. حضرتك شايف
إن الوقت المناسب للكلام في البيت كان إمتى؟
خالي سكت، ونزل عينيه في الأرض.
في اللحظة دي، سلمى شدت قميصي وهمست:
— بابا، هو أنا عملت حاجة غلط علشان تيتة زعلانة مني؟
السؤال ده وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
نزلت لمستواها، ومسكت إيديها الصغيرتين بين إيديا.
— لأ يا حبيبتي. إنتِ معملتيش أي حاجة غلط. إنتِ بنت كويسة، ومفيش حد له
الحق يخوفك أو يحرمك من الأكل.
سلمى بصت لي كأنها بتحاول تتأكد إني فعلًا أقصد كلامي.
وبعدين حطت راسها على كتفي وسكتت.
بعد حوالي نص ساعة، وصل المحامي بتاعي، الأستاذ شريف، ومعاه ملف كبير فيه
صور من كشوف الحسابات والتحويلات البنكية.
دخل القاعة، وسلم عليّ، وبعدين بص لأمي.
— مساء الخير يا حاجة فاطمة.
أمي ردت ببرود:
— إنت جاي تعمل إيه هنا؟ دي مشاكل عائلية، وملهاش دعوة بالمحامين.
فتح شريف الملف وقال:
— لما تكون فيه مبالغ مالية كبيرة اتحولت على مدار تلات سنين بغرض
الإنفاق على طفلة قاصر، وتظهر مؤشرات إن الأموال دي ماوصلتش للغرض المخصص
ليها، يبقى من حقي بصفتي محامي الأستاذ إبراهيم أراجع المستندات وأتأكد من
سلامة التصرفات المالية.
أمي رفعت دقنها بتحدٍّ.
— وأنا مالي؟ الفلوس كانت بتوصل لندى، اسألوا ندى راحت بيها فين!
كنت مستني اللحظة دي.
قلت للمحامي:
— ورّينا كشف الحساب.
فتح شريف أول ورقة، وبدأ يشرح:
— عندنا 36 تحويلًا، كل تحويل بقيمة 150 ألف جنيه. إجمالي المبالغ المحوّلة
خلال تلات سنين وصل إلى خمسة ملايين وأربعمائة ألف جنيه.
الرقم خلّى بعض الموجودين يتبادلوا النظرات في صدمة.
خمسة ملايين وأربعمائة ألف جنيه!
مبلغ كنت متخيل إنه راح بالكامل لتربية بنتي وتعليمها وملابسها وأكلها،
بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
شريف كمل كلامه:
— المبالغ كانت بتدخل حسابًا محددًا، وبعدها بتتحول أجزاء كبيرة منها لحساب
تاني. والحساب التاني ده مسجل باسم شخص واحد.
أمي اتحركت في مكانها بعصبية.
— الحسابات البنكية فيها تفاصيل كتير، ومش كل تحويل معناه إن فيه جريمة!
رد شريف بهدوء:
— كلام حضرتك صحيح. علشان كده إحنا مش بنصدر أحكام، إحنا بنتتبع حركة
الأموال وبنجمع المستندات اللي توضح حقيقة اللي حصل.
وبعدين حط ورقة قدامي، وأشار إلى الاسم المكتوب عليها.
حسيت إن قلبي وقف للحظة.
الاسم كان خالد الشافعي… أخويا الأصغر.
أخويا اللي كنت بساعده من سنين.
أنا اللي دفعت مقدم شقته في التجمع الخامس، وساعدته يفتح مشروعه، وكنت ببعت
له فلوس لما يقول إنه واقع في أزمة.
بصيت لأمي وسألتها:
— خالد له علاقة بفلوس بنتي إزاي؟
أمي ردت بسرعة:
— خالد كان بيساعدني في مصاريف البيت، وأنا اللي طلبت منه يستلم الفلوس.
ده أخوك، ومفيش حاجة غريبة في الموضوع.
قلت لها:
— مصاريف البيت؟ خمسة ملايين وأربعمائة ألف جنيه علشان بنتي تعيش في
مخزن؟
صوتي ارتفع من غير ما أقصد.
أمي بصت للضيوف وقالت بانفعال:
— إنت ناسي نفسك يا إبراهيم! أنا أمك، وأنا اللي ربيتك. كل اللي عملته
كان علشان مصلحة العيلة!
شريف تدخل:
— خلينا نرجع للمستندات. فيه تحويلات من الحساب التاني لحساب شركة
عقارية، وبعدها اتسددت أقساط عقار باسم خالد. وفيه مبالغ تانية اتصرفت على
مشتريات ومصروفات شخصية.
بصيت للورق مرة تانية.
الشقة اللي ساعدت خالد يشتريها، والعربية الجديدة اللي كان بيتباهى بيها،
وحتى المشروع اللي كان بيقول إنه نجح فيه بجهده…
بدأت أشك إن جزءًا من كل ده اتبنى بفلوس بنتي.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه ملوش إجابة.
ندى كانت فين؟
ليه سابت بنتها تلات سنين؟ وهل فعلًا سرقت فلوس، زي ما أمي كانت بتقول؟
التفت للمحامي وسألته:
— قدرت توصل لندى؟
شريف هز راسه.
— أيوه. حاولنا نوصل لها من خلال العنوان القديم، وبعد كذا محاولة قدرنا
نعرف مكان شغلها الحالي. وهي وافقت تقابلنا بكرة الصبح، بشرط واحد.
— إيه هو؟
— إنها تشوف بنتها.
بصيت لسلمى.
لأول مرة من ساعة ما شفتها، لمحت في عينيها حاجة غير الخوف.
كان فيه أمل صغير.
لكن قبل ما أقدر أرد، دخل خالد القاعة.
كان لابس بدلة غالية، وساعته بتلمع في إيده. أول ما شاف المحامي والملفات،
ابتسامته اختفت.
بص لي وقال:
— إيه اللي بيحصل هنا يا إبراهيم؟
رفعت كشف الحساب قدامه.
— سؤال بسيط يا خالد. الفلوس اللي اتحولت لحسابك كانت بتاعة مين؟
خالد بص للورقة، وبعدها بص لأمي.
النظرة دي كانت كفاية تخليني أفهم إن فيه حاجة بينهم محدش كان عايزني
أعرفها.
لكنه بدل ما يعترف، ضحك وقال:
— إنت مصدق إن أمك ممكن تسرق بنت أخوها؟ الفلوس دي كانت مقابل شغل أنا
عملته لشركة من شركاتك، وأكيد فيه أوراق تثبت ده.
شريف رد فورًا:
— لو عندك مستندات تثبت طبيعة المبالغ، تقدر تقدمها للمراجعة. لكن لحد
دلوقتي، مفيش في الملفات اللي قدامنا ما يثبت إنها مستحقات مقابل عمل.
خالد اتغيرت ملامحه.
وبعدين قرب مني وقال بصوت منخفض:
— اسمعني يا إبراهيم، إنت مش فاهم الصورة كاملة. فيه حاجات لو اتكشفت، مش
هتضر أمي وبس. إنت كمان ممكن تخسر أكتر مما تتخيل.
بصيت له مباشرة.




